دعوة » مؤتمرات

عن الاختراق الوهابي وسياج التصوّف

في 2016/09/07

 

المتأمل في خريطة «العالم الإسلامي» اليوم يلحظ مدى انتشار الوهابية كفكر، وعقيدة، وممارسة في مناطق كانت تقليدياً «حكراً» على مدارس إسلامية تختلف عقدياً وفقهياً مع المدرسة السلفية الوهابية (الأشعرية، الماتردية والصوفية) في شمال أفريقيا وغربها وجنوبي الصحراء الكبرى، والمشرق العربي.

ومن النافل القول إن الحديث هنا عن المناطق ذات الغالبية «السُنية» في العالم الإسلامي (دون الخوض في تاريخية مصطلح السُنّة، ومدى تطابقه مع الواقع العقدي لكل المنتسبين إليه حالياً، وهم غالباً أشاعرة وأتباع طرق صوفية)، وليس عن جغرافيا انتشار الفرق والمدارس الإسلامية غير الداخلة في هذا التصنيف الدارج، ذلك أن هذه المناطق ليست معنية بالدعوة الوهابية، لأنها مُحاطة بسياج عقدي يمنع الوهابية من خلق «ثغرة» تنفذ من خلالها.
يمكن التأريخ لنشر الوهابية خارج «مجالها الطبيعي» الذي نشأت فيه (نجد) بثلاث مراحل مهمة. أولاها عندما اتجهت في بداية ظهورها لنشر دعوتها عبر أسلوب بعث الرسائل إلى قادة المسلمين (رسائل محمد بن عبد الوهاب نفسه (1703-1791)، وسعود بن عبد العزيز (1759-1814) لحكام تونس والمغرب نموذجاً) حيث دعت، ظاهرياً، إلى الرجوع إلى الكتاب والسُنّة بفهم السلف الصالح، فيما جوهرها هو إعادة بعث التفسير المتزمت والحرفي للإسلام الذي يمتد من ابن قيم الجوزية، إلى أحمد بن حنبل و»مدرسة الحديث»، مروراً طبعاً بابن تيمية. عندما نقرأ ردوداً مهمة لعلماء من الجامعات الإسلامية التقليدية آنذاك، في تركيا والأزهر والزيتونة ومناظرات حدثت في القرويين ــ بعد تبني السلطان المغربي سليمان بن محمد (1760-1822) نسبياً لدعوة سعود بن عبد العزيز ــ بين مؤيدي «إصلاحات السلطان» وعلماء المالكية وشيوخ الطرق الصوفية، يتبين لنا مدى الحدة التي تعاملوا بها مع الدعوة الوهابية باعتبارها فرقة ضالة تكفيرية، جاءت لتستبيح دماء المسلمين وحرماتهم.

المرحلة الثانية لانتشار الوهابية يُميّزها أساساً اللبس الذي حصل في تحرير مصطلح السلفية، جعل البعض يخلط بين السلفية الإصلاحية والسلفية الوهابية، رغم أن مظاهر الاختلاف بينهما أكبر، وأعمق من أي تقارب فرضته سطحية البعض في دراسة خطاب، وتاريخ السلفيتين كونهما، في اعتقاد هؤلاء، يبغيان الوصول إلى الهدف ذاته وهو الرجوع إلى «منابع الإسلام الأولى»، أو اقتناع البعض الآخر بالدعوة الوهابية التي تدفعه إلى نعتها، من باب المديح، بالحركة الإصلاحية.
كان للحركة السلفية الإصلاحية، التي تأسست على يد جمال الدين الأفغاني (1838-1897) وتلميذه محمد عبده (1849-1905)، مضمون تجديدي، على صعيد تبنيها خطاباً عقلانياً في تفسير النص الديني، وقابلاً لمنتجات الفكر السياسي الغربي كالدستور والمواطنة... إلخ، (فكر محمد عبده) من جهة، وتحررياً معادياً للاستعمار من جهة أخرى، كما يتجلى في فكر وحركة الأفغاني، التي كان لها الدور الفعال والحاسم في إنتاج الوعي التحرري والثوري المُحرّك للأحداث في إيران، من خلال تأثيره المباشر في ما يُعرف بثورة التانباك (1891-1892)، وغير المباشر في الثورة الدستورية في سنوات (1905-1907) عن طريق تلاميذه في إيران والنجف كمحمد حسين النائيني (1857-1936)، الذي قام بدور قيادي في الثورة على الإنكليز في العراق، في عشرينيات القرن الماضي، ومصر في الثورة العرابية (1879)، بل وفي الجزائر من خلال دور شكيب إرسلان ــ تلميذه الأكثر تأثراً بنزعته التحررية ــ في إدخال البعد العروبي والإسلامي لفكر مصالي الحاج (الأب المؤسس للوطنية الجزائرية الحديثة) الثوري الاستقلالي، الذي حتى 1935، تاريخ لقاء الرجلين، لم يكن يعطي الأولوية سوى لاستقلال الجزائر ولـ»شمال أفريقيا».
بالإضافة إلى البعد التحرري المعادي للاستعمار في فكر الأفغاني (ذي الخلفية العرفانية الواضحة في رسائله)، والذي ميّز الحركة السلفية الإصلاحية، نجد أنه كان يرى في «الهوية الإسلامية» إطاراً جامعاً لكل المسلمين يتجاوز اختلاف مدارسهم الفقهية والعقدية، فنجده يلقي درساً في النجف أو طهران، ويفعل الشيء ذاته في الآستانة أو الأزهر، من دون أن يفرض عليه اختلاف مرجعية الجمهور المُتلقي أي إشكال يستدعي تغيير الأسلوب، ما دام جوهر الخطاب هو التحرر من هيمنة الاستعمار، في الوقت الذي تأسست فيه الحركة السلفية الوهابية بُنيوياً على فكرة نشر «الإسلام الصافي» ومحاربة كل ما «يُشوهُهُ» من «بدع»، وهو ما يعني الاصطدام مع كل فهم للإسلام (تاريخاً ونصوصاً) يخرج عن فهم ابن تيمية. فمضمون خطاب بن عبد الوهاب، ومن جاء بعده هو ترسيخ أولوية التناقض مع الداخل، وهو المبدأ الأساسي الذي يُميز الحركة الوهابية إلى يومنا هذا، ومن هنا نتساءل عن صحة ما ذهب إليه محمد الجابري مثلاً في معرض إبراز ما سماه علاقات الاتصال بين سلفية الأفغاني والوهابية، عندما كتب في مقاله «من الوهابية إلى السلفية الإصلاحية إلى... الجهادية»: «كانت متصلة بها، بل وامتداداً لها، على صعيد محاربة البدع المتمثلة في الطرقية وفكرها ومسلكياتها، بوصفها انحرافاً عن إسلام السلف الصالح...»، ناهيك عن عبارة «محاربة البدع المتمثلة في الطرقية...»، التي لا تُحيل في واقع الحال سوى إلى جرائم الإبادة التي تعرض لها الصوفية والأشاعرة في أماكن عدة من الجزيرة العربية أثناء «فتوحات» الوهابيين. فالسؤال هو عن أي علاقة اتصال هذه التي يراها الكاتب بين سلفية الأفغاني الذي أثّر في مسار الأحداث في إيران والعراق ومصر من خلال خطبه الاستنهاضية من غير تمييز بين مذهب وآخر، وبين سلفية من كفّر أهل العراق بل واستباح دماءهم وغزاهم، واعتبر الأزهر مركزاً لنشر البدعة والضلال (لنقرأ ما يقوله كبار علماء الوهابية في الأفغاني وعبده). هنا يجب التأكيد على الدور الذي لعبه رشيد رضا في ترسيخ هذا اللبس من خلال انقلابه، وهو تلميذ محمد عبده، على الخطاب الإصلاحي المُؤسس واتباع نهج وهابي محض ظهر جليّاً في بعض كتاباته التي استحضرت اللغة التكفيرية في التعامل مع غير أتباع «العقيدة الصافية»، والتي تزخر بها الأدبيات الوهابية (أهل الشرك، الروافض... إلخ). كما يظهر ذلك في كتابه «الوهابيون والحجاز». لقد شكّل فكره نكوصاً ضيّع تراث الأفغاني وعبده الإصلاحي، بأن نقله من سعة الهوية الإسلامية الجامعة إلى ضيق الوهابية، ومن أولوية التحرر ومعاداة الاستعمار إلى أولوية محاربة البدع. فأعاد إنتاج الأيديولوجية الوهابية بإعطائها «شرعية الاتصال مع السلفية الإصلاحية».
مثّلت تجربة حركة الإصلاح في الجزائر من خلال «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين» (1931) تجسيداً لنفاذ الفكر الوهابي تحت غطاء الإصلاح. نهلت من «تراث» رشيد رضا في هذا الصدد. فالجمعية أدخلت بذرة الوهابية إلى النسيج الاجتماعي والديني الجزائري (التي أثمرت حرباً أهلية في التسعينيات)، ورسّخت المبدأ الأساس الذي يرافق أي حركة وهابية، وهو أولوية الصراع مع الداخل. فحصرت تناقضها، من خلال خطاب عنيف، مع الطرق الصوفية، مقابل خطاب مهادن تجاه الاستعمار. لم يخلُ خطابها من هدف الاستقلال فحسب، بل طالبت ببقاء البلاد تحت الهيمنة الاستعمارية مع الحفاظ على اللغة العربية والإسلام من خلال مدارسها، فيما كان للزوايا (كمؤسسات اجتماعية وثقافية) وللطرق الصوفية الدور الريادي في إطلاق كل المقاومات الشعبية الجزائرية في القرن 19 الميلادي (أهمها الأمير عبد القادر 1832-1847، ثورة لالة فاطمة نسومر 1854-1857، ثورة المقراني والشيخ الحداد 1870، ثورة الشيخ بوعمامة 1881-1908). بل وحتى بعد استنفاد هذه المقاومات لأساليبها العنفية وانتقال المسار المقاوم إلى «التحديث» عبر ظهور الأحزاب، فإن حركة «نجم شمال أفريقيا»، التي طالبت بالاستقلال التام سنة 1926 (وهي الحركة التي انبثقت منها الثورة التحريرية في 1954)، خرج مُؤسسها مصالي الحاج من بيئة صوفية ومزج بين التراث المقاوم للزوايا وتعاليم التصوف الاجتماعي، وبين الأفكار التقدمية التي استلهمها من الحركة العمالية في فرنسا، في ظل هذه الحقيقة التاريخية، أيّ عمق سيبقى لفكرة «الوطنية التكتيكية»، التي تبنّاها المؤرخ الجزائري محمد حربي، والتي استعارها من عبدالله العروي، في معرض «دفاعه» عن خطاب جمعية العلماء «المعتدل» تجاه الاستعمار. لأن سؤال المصير تمحور آنذاك حول كيفية طرد استعمار احتلالي، لا عن مطالب جزئية مهما كانت طبيعتها.
فيما المرحلة الأخطر لانتشار الوهابية، هي التي بدأت بعد الطفرة النفطية (1973-1974) بكل ما عناه ذلك من «وهبنة» المدارس الدينية في «العالم الإسلامي السني» (حتى المدرسة الديوبندية في الهند التي خرجت منها طالبان كانت ماتردية العقيدة)، بجيوش من «الدعاة» ووسائل إعلام وجامعات بميزانيات ضخمة.
مع هيمنة الوهابية على الثقافة العربية، صار بإمكاننا أن نُصنّف الإنتاج الفكري العربي في العقود الأخيرة على أساس تحرره، أو ارتباطه بهذه الهيمنة. بين من اعتبر الوهابية حركة نهضوية، وأدرج تراث «إخوان الصفا» والصوفية ضمن دائرة «العقل المُستقيل» كالجابري، ومن استنطق التراث المشاعي واللقاحي في تاريخنا كهادي العلوي.
لا يجب أن يُنظر إلى الوهابية إلا باعتبارها وصفة خطيرة لتدمير دولنا وأداة طيّعة في يد الاستعمار. لم يعد أمام «السُنّة» اليوم سوى إعادة بعث مفاهيم التصوف، التي يُمكنها أن تُشكّل سياجاً عقدياً يمنع الاختراق الوهابي، دون ذلك سوف نعيد إنتاج مآسينا، ونظل نقرأ في كتبنا عن حركة إصلاحية ظهرت في الجزيرة كان هدفها «إعادة الإسلام إلى منابعه الصافية الأولى».

عبد الله بن عمارة- الاخبار اللبنانية-