سياسة وأمن » دراسات سياسية

صراع العروش البحريني.. هل تنتشر الفوضى في المملكة الصغيرة؟

في 2018/07/06

أسامة الصياد-الجزيرة للدراسات-
اضغط للاستماع


تقديم

تناقش المادة صراع العروش البحريني المرتقب، والتي يُتوقع أن تشكل نتيجته تغييرا كاملا وتاريخيا لتركيبة الحكم الملكية في البحرين، الفناء والدرع الخلفي للمملكة العربية السعودية، وتُلقي بلمحة سريعة عن بدايات هذا الصراع مرورا بتحول الدولة إلى مملكة ثم موجات الربيع العربي، وصولا إلى المواجهة المستمرة للآن بين الملك البحريني "حمد" وأولاده وبين صقور المملكة الأمنيين بقيادة عم الملك "خليفة بن سلمان" رئيس الوزراء، وتُسلط بالضوء أيضا على احتمالات المنافسة ونشوب صراع آخر بين أولاد "حمد" أنفسهم.

نص التقرير

أَلِف الجمهور العربي في تلك الأيام أخبار تظاهرات التغيير المنتشرة بأنحاء المنطقة انتشار النيران بالهشيم من بلاد المغرب إلى مصر واليمن وصولا إلى سوريا، ولم تكن منطقة الخليج بمعزل عن كل ذلك بحال، بعد أن اندلعت التظاهرات في واحدة من أشد المناطق حساسية في خاصرة المملكة العربية السعودية. في البحرين، الفناء الخلفي للرياض كما يتعارف عليه بشكل غير رسمي، بدأت القصة مع متوالية تظاهرات الإصلاح وسط عواصف الربيع العربي التي هبت دون سابق إنذار، وتجمع مئات من الشباب البحريني أمام السفارة المصرية في العاصمة "المنامة"، في الرابع من فبراير/شباط عام 2011، تضامنا مع شباب الثورة المصرية المطالبين برحيل حسني مبارك صديق البحرين الوفي.

كان هذا التجمع هو التصرف الأجرأ من نوعه في دول الخليج في هذا الوقت المضطرب، لكن الدهشة زالت لاحقا حينما علم الجميع أن جمعية العمل الوطني الديمقراطي البحرينية المعارضة المعروفة باسم "وعد" هي التي خاطرت بهذا التنظيم للدعوة لإصلاحات بحرينية داخلية، بعد أن نجحت في انتزاع موافقة رسمية على هذه الاحتجاجات في الوقت الذي رفضت السلطات البحرينية فيه عدة طلبات سابقة لأنشطة مماثلة[1]، إلا أن الإذن الحكومي في تلك المرة كان بمنزلة المتنفس الذي شجع مجموعة من الشباب البحريني على تكرار تجربة التظاهر في 13 فبراير/شباط من العام نفسه بقرى المحافظة الشمالية، وفي هذه المرة لم ينته الموقف بسلام أبدا كسابقه، وتطورت الأحداث لاشتباكات مع رجال الأمن كانت بمنزلة شرارة لدوامة عنف اجتاحت المملكة الصغيرة وقتها لأشهر.

بلغت المؤسسات البحرينية قمة التوتر بعد أن قُتل أول متظاهر على يد قواتها الأمنية في المواجهات، وفي ليلة انتظرت الحكومة البحرينية فجرها بفارغ الصبر لتفادي أزمة القتيل الأول، خرج الوضع عن السيطرة مع يوم تشييع جثمان المتظاهر "علي مشيمع"، لينتهي اليوم بقتيل ثان وعشرات آلاف المتظاهرين الوافدين للاعتصام في دوار اللؤلؤة، أحد أهم ساحات المنامة، مع حلول الليل.

شكّل ملك البحرين "حمد بن عيسى آل خليفة" سريعا لجنة للتحقيق في أسباب مقتل الشخصين لتدارك الموقف، لكن المعارضة الشيعية لم تنتظر كثيرا لاستغلال الفرصة، وعلقت كتلة "الوفاق" مشاركتها في مجلس النواب مطالبة بتحول البلاد إلى "ملكية دستورية"، وهنا على الأرجح شعر "آل خليفة" بتهديد حكمهم التاريخي، لذا لم تتوقف المحاولات الأمنية لاقتحام دوار اللؤلؤة، وسرعان ما ظهرت روايات رسمية تتهم المعتصمين بالعنف لتبرير عنف الشرطة المضاد، مع انتشار الجيش في الشوارع، ولجوء السلطة إلى مواجهة التظاهرات المعارضة بإطلاق تظاهرات مؤيدة للملك والحكومة، باختصار: كانت كل مشاهد الربيع العربي يعاد نسخها تماما في قلب المنامة.

       

ازدادت الاضطرابات بعد أيام شهدت مصرع وإصابة عشرات الأشخاص في المواجهات مع قوات الأمن، مع انطلاق دعوات للاعتصام في قطاعات الدولة لشل حركتها، وهنا أدرك الديوان الملكي أن القوة المفرطة وحدها لن تُفضي إلى نتيجة، وفي الواقع لم تكن هذه توجهات الأسرة الحاكمة بأكملها، وإنما خط مفرد للأمير "سلمان بن حمد" ولي العهد، من رآها على ما يبدو فرصة سانحة لإثبات جدارته بين العائلة الملكية في مواجهة عراب الحل الأمني "خليفة بن سلمان آل خليفة" عم أبيه ورئيس الوزراء منذ أكثر من 40 عاما، لذا أقنع "سلمان" والده بإصدار أمر ملكي يُعطيه جميع الصلاحيات اللازمة للدخول في تهدئة، ثم بدء حوار وطني مع المعارضة البحرينية المعتصمة في شوارع المنامة، لكن الجنود على الأرجح لم تصل إليهم تعليمات ولي العهد، واستمرت المواجهات ورفض المعتصمون المبادرة.

       

ووسط إصرار الاثنين على خطوطهما الخاصة لمعالجة الأزمة، طار الملك إلى حليفه السعودي الرئيس، وبعد أيام من إعطائه ولي العهد الضوء الأخضر للتفاوض مع المحتجين، حلت طائرته في الرياض في 23 من فبراير/شباط لمقابلة الملك الراحل عبد الله، ليبدأ اجتماعا مغلقا مع الأخير وولي عهده "سلطان بن عبد العزيز" ورئيس المخابرات العامة السعودية "مقرن بن عبد العزيز". وفي الاجتماع، قدمت المملكة الحل لتعارض خط ولي العهد البحريني مع الصقر الأمني "خليفة"، وعرض الملك عبد الله إرسال ثلاثة آلاف جندي سعودي في حالة تأهب بمدينة الدمام شرق المملكة للتدخل في المنامة لحماية حكم "حمد"، وفي ذلك التوقيت تحركت مجموعة من الضباط السعوديين بالفعل إلى البحرين لتنسيق هذا التدخل مع القوات المحلية هناك. [2]

وبينما كان "سلمان" يحرز تقدما في حله السلمي بالفعل، ويعرض على المعتصمين عرضا نادر الوجود في الخليج، إذ قدم لهم اتفاقا بإنشاء برلمان يتمتع بسلطات تشريعية حقيقية، وتشكيل حكومة جديدة، وإلغاء تقسيمات الدوائر الانتخابية، التي كانت تضمن ألا يفوز ممثلو الشيعة إلا بمجموعة محددة من المقاعد، في ظل كل ذلك لم يعط صقور الأسرة الحاكمة للمعارضة أي وقت، وصدرت الأوامر عصر ذلك اليوم لقوات الشرطة البحرينية بمهاجمة الطلاب في جامعة البحرين والمناطق القريبة من دوار اللؤلؤة، وكان ذلك تمهيدا لخطة الملك حمد البديلة، ودخلت بموجبها في اليوم التالي القوات السعودية للبحرين مدعومة بقوات شرطية إماراتية تحت اسم "قوات درع الخليج".[3]

لم تكن الرياض على استعداد أبدا للسماح بسقوط حكم آل خليفة بعد أن تبنت رواية تتهم المتظاهرين بالولاء لإيران، وهي رواية ثبت خطأها فيما بعد ونفتها واشنطن في برقيات ويكيليكس مسربة قبيل ظهورها بالأساس أثناء الاحتجاجات[4]، إلا أن الرياض ومن ورائها جناح آل خليفة المتشدد خشوا نجاح محاولات سلمان لإجراء إصلاحات تأتي في نهاية المطاف بحكومة شيعية على حدودها، ما قد يدفع شيعة المنطقة الشرقية السعودية أنفسهم إلى إجراءات مماثلة ذات مطالب إصلاحية تاريخية في المملكة. لذا، لم تتردد القوات البحرينية مدعومة بالقوات السعودية والإماراتية عقب ذلك في اقتحام دوار اللؤلؤة وفض اعتصامهم بالقوة، مخلفة ثلاثة متظاهرين قتلى ورجلي شرطة، ما رفع عدد قتلى المواجهات إلى ثلاثة عشر قتيلا.

لم يكن انقسام "آل خليفة" وليد لحظات حراك 2011، فقد شهدت نهاية الثمانينيات صراعا مماثلا كان بطله هذه المرة الملك الحالي "حمد بن عيسى"، الشاب وقتها، بعد مرض والده الشيخ "عيسى بن سلمان"، حين خاض الأمير الشاب الذي تطلع للحكم في تلك الفترة صراعا على عدة جبهات في الأسرة الحاكمة، كان حاضرا فيه أيضا عمه ومنافسه على ولاية العهد آنذاك الأمير "خليفة"، مختلفين في توجهاتهما الخارجية من اليوم الأول، إذ مال حمد إلى المعسكر الأميركي مدعوما من جيرانه آل سعود، بينما فضل خليفة دوما البريطانيين، وفي الحالتين فإن الصراع بدا وكأنه امتد على استقامته بالأدوار نفسها تقريبا حتى يومنا الحالي، وهو صراع قد يهدد نظام البحرين الملكي الهش نسبيا إلا بدعم سعودي لا ينقطع.

التاريخ المتكرر

في نهاية الثمانينيات، تدخل الأمير السابق "عيسى بن سلمان" لصالح نجله "حمد" على حساب أخيه "خليفة"، فأجرى تعديلا وزاريا قضى بتعيين وزير دفاع جديد هو "خليفة بن أحمد آل خليفة"، بدلا من نجله -الذي لم يعد وزيرا للدفاع تحت قيادة عمه بل قائدا لقوة الدفاع-، ليصب ميزان القوى الجديد في صالح "حمد" بعدما جعل الأمير وزير الدفاع الجديد تحت قيادتين، رئيس الوزراء من ناحية، والقائد العام لقوة الدفاع "حمد" من ناحية أخرى، من بدأ يستعد لتسلم مقاليد الإمارة مع ازدياد نفوذه وتقليص نفوذ عمه خليفة في ظل تدهور صحة الأمير الأب. [5]

استغل حمد كافة الأوضاع التي تمر بها البحرين لدعم وجوده في المشهد، وتحميل عمه رئيس الوزراء أوزار أي فشل، خاصة في القضايا الحدودية المثارة وقتها مع الجارة قطر، حيث فشلت القوات البحرينية في صد إنزال قطري آنذاك على جزر "فشت الديبل"، ما استغله حمد لتحميل المسؤولية كاملة لعمه، وتسويق نفسه في ذات الوقت كرجل عسكري يتقدم في هذه المواقف، وظل كذلك حتى انتزع الإمارة في 6 من مارس/آذار 1999، بينما احتفظ خليفة بمنصبه رئيسا للوزراء، حتى دارت الدائرة ودخل الأمير البالغ من العمر 82 عاما صراعا مع نجل حمد بسيناريو تاريخي مكرر، خاصة فيما يتعلق بطريقة التعامل مع احتجاجات الشيعة تاريخيا. [6]

كان صعود الأمير سلمان مع صعود والده خطوة بخطوة، ففي الشهر نفسه الذي تولى فيه والده مقاليد السلطة في البحرين بعد وفاة جده، عُيّن قائدا عاما لقوة دفاع البحرين برتبة فريق أول، وهو ذات المنصب الذي تولاه الأب وتمكن خلاله من السيطرة على مكامن نفوذ الدولة على حساب عمه، ليمتلك الابن "سلمان" سلطة على كل من قوات الدفاع البحرينية والحرس الوطني وقوى الأمن الداخلي، بعدما تحرك الملك لتفكيك وزارة الدفاع من أجل انتزاع السيطرة على القوات المسلحة من البرلمان. [7] ولم يكتف الأمير الصغير بدوره العسكري المهم في الدولة، فبدأ بالدخول البطيء على جانب الإدارة المدنية عقب تعيينه عام 2002 رئيسا لمجلس "التنمية الاقتصادية"، ليشرف على صياغة ومراقبة إستراتيجية تنمية اقتصادية بحرينية من خلال الاستثمارات الأجنبية، وهي الموقعة التي أسست لصدامه مع مجلس الوزراء وعم أبيه الصقر الأمني بالتحديد.

كان "حمد" متمرسا في صراعات ولاية العهد مع عمه، لذا بدا وكأنه ينقل الخبرات نفسها باستمرار إلى ولده، وبخطوات حثيثة دفعه مرة أخرى إلى مناصب ذات نفوذ بعد أمر ملكي بتعيينه نائبا للقائد الأعلى ومشرفا على تنفيذ السياسة العامة لقوة دفاع البحرين والحرس الوطني. وعلى الجانب الآخر، لم يكن خليفة في كل هذه الخطوات غير منتبه لمحاولة تقويض صلاحياته، فبدأ سلسلة من الصدامات مع ولي العهد ذي النفس الإصلاحي في البلاد، وبدا وكأنه ربح معركته الشخصية معه في احتجاجات 2011، حتى فوجئ بالأخير نائبا أول له لتطوير أداء أجهزة السلطة التنفيذية في مارس/آذار 2013.

ينظر خليفة إلى هذا الصراع بصورة مختلفة عن صراعه القديم مع الملك الحالي، لذا لم يحصر اهتماماته بقضية الصلاحيات فقط، بل وضع نصب عينيه منصب ولاية العهد لأبنائه، في ظل محاولات من الملك الحالي لانتزاع منصب رئاسة الوزراء منه لأجل "سلمان" أيضا، وهو أمر سيعد تغييرا تاريخيا في حال حدوثه بعدما أمسك خليفة بهذا المنصب منذ عام 1971.

حرب "سلمان" 

لعب سلمان بأسلوب أبيه نفسه لتقويض نفوذ وسلطات "خليفة"، لذا دخل الأمير الشاب من بوابة "مكافحة الفساد"، إحدى البوابات الأثيرة لتقويض أجنحة السلطة في أي مكان، فشن هجوما ضاريا على شركة "ألكُوَا" عام 2008 والشركة الحكومية البحرينية للألومنيوم "ألبا" تحت دعاوى الفساد، وأتبع هذا الهجوم برفع دعوى قضائية ضد شركة "ستوجيتز" اليابانية في تكساس بتهم دفع رشاوى لموظفين في "ألبا" مقابل تعاملات تجارية استثنائية، ولم يكن الدافع الوحيد لسلمان في هذه الخطوات خالصا لصالح "مكافحة الفساد" بطبيعة الحال، بل كانت التهم الموجهة لشركة "ألبا" تحديدا متعلقة بفترة تخضع فيها لإدارة مقرّبين من رئيس الوزراء التاريخي، وقدحت الإجراءات القضائية ضدهم في الولايات المتحدة بشكل مباشر في نزاهة رئاسة الوزراء لتورط مساعدين له في تلك القضايا.

أمعن سلمان في إحكام خطته، ونجح في الحصول على خدمات عدد من كبار المستشارين لاستكمال نسج الفخاخ القانونية لأذرع رئيس الوزراء، من بينهم ابن خاله "عيسى بن علي الخابي"، من تقول الدعوى إن شركة "ألكُوَا" قد عرضت رشوة عليه، وتمت الأمور عبر محامين من شركة تدعى "أكيز غامب شراوس هاوروفيلد" تولت الإجراءات القانونية في الولايات المتحدة، فيما قامت شركة "كرول" للمعلومات -وهي شركة استخبارات تجارية- بإجراء مسح داخل "ألكُوَا"، بالإضافة إلى فحص جنائي آخر لأجهزة الحاسوب التابعة لعدد من المسؤولين التنفيذيين في "ألبا" المتّهمين بقبض رشاوى من "ستوجيتز"، وهنا نجح سلمان في إجبار وزارة العدل الأميركية على فتح تحقيقات واسعة طالبة معلومات إضافية من بريطانيا وسويسرا، وممضية عاما كاملا في تدقيق تلك الاتهامات المتعلقة بشركات تتخذ من الولايات المتحدة مقارّ لها. [8]

لم يستسلم خليفة هو الآخر، واستدعى جيشا من المحامين للدفاع عن رجاله وتقديم استشارات قانونية، كان من بينهم المحامي الفرنسي الأبرز "أردفان أمير أصلاني" الذي يقوم بتقديم استشارات قانونية لعدد من أبرز دول الخليج، لكن الصراع الثنائي على السلطة خرج كما هو متوقع عن السيطرة، والتقطته يد المعارضة متخذة من قضية "ألبا" ذريعة لمهاجمة النظام الملكي، الأمر الذي أجبر سلمان على التخفيف من حملته الضاغطة داخل العائلة نفسها.

تعد شركة "ألمنيوم" البحرين -ميدان صراع النفوذ الحالي- واحدة من مصادر الدخل الرئيسة في البلاد، وكان يرأسها "عصام بن عبد الله فخرو" المقرب من رئيس الوزراء، وعندما ظهر أن بعض مرؤوسيه قد حصلوا على رشاوى من "ألكوا"، اضطر "فخرو" للاستقالة، ليحل محله "محمود الكوهجي" مستشار "سلمان بن حمد" الشخصي، من أحرز نصرا مؤقتا على خليفة عقب إعطائه الضوء الأخضر لشركة "كرول" للتحقيق في حالات جديدة من الفساد المشتبه به في شركات بحرينية عامة أخرى، لا سيما شركة طيران الخليج الشهيرة. [9]

لم يهدأ سلمان في تلك الفترة مشتكيا دوما من بطء عملية التنمية البحرينية بصفته رئيسا لمجلس التنمية الاقتصادية، وله حق اتخاذ القرارات بشأن الوزراء المعنيين، وبدعم ملكي يجعل من مجلس التنمية فوق الوزراء، في وقت تخوض فيه المملكة حملة إصلاحية لإعادة هيكلة الشركات الحكومية قبل عملية الخصخصة المزمعة وإصلاح سوق العمل، وهو ما كان في خطة "سلمان" [10] التي ستبدأ بفرض رسوم على العمالة الأجنبية، وجمع عائدات لتدريب العمالة المحلية، إلا أن رئيس الوزراء تصادم مع هذه الخطة، وخفض من هذه الرسوم لعرقلة الاقتراح، وهنا تدخل الملك لصالح ابنه مهددا، حتى اضطر رئيس الوزراء لإعلان الدعم بشكل رسمي للخطط الاقتصادية لولي العهد، الأمر الذي عُد الهزيمة الثانية أمام الأمير الصغير. [11]

لم يكن تمرد صقور آل خليفة مقتصرا على ولي العهد فقط، بل طال الملك أحيانا بعد انتهاء احتجاجات عام 2011 وأمره بعودة 2500 موظف ممكن شاركوا في الاحتجاجات لوظائفهم، إلا أن ما يُعرف بـ "جناح الخوالد" برئاسة وزير القصر "خالد بن أحمد آل خليفة" لم يمتثل لهذا الأوامر، وأبقى بعض الموظفين خارج أعمالهم. [12]

ضاق "حمد" على ما يبدو بصراع العروش الدائر في مملكته الصغيرة، لذا سرعان ما أخرجه إلى المحيط الخليجي لاجئا إلى الإماراتيين لدعمه في مواجهة عمه رجل البحرين القوي، وأصبح المطلوب من ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد" أن يدعم جناحا في أسرة آل خليفة لإحداث تغييرات في تركيبة الحكم الحالي، تغييرات ستكون ملامحها الأولية إبعاد خليفة من منصب رئيس الوزراء إما لصالح ولي العهد الحالي مع إحداث تغيير في منصب ولي العهد أيضا، وإما الاستعانة برجل آخر لمنصب رئيس الوزراء مع استمرار سلمان وليا للعهد. [13]

عادة لا تحدث التغييرات في البحرين بمباركة أبوظبي وإنما بمباركة الرياض، لكن حمد لجأ إلى المناورة بأخذ الدعم الإماراتي أولا لمعرفته بوجود تحفظ سعودي -منذ عهد الملك الراحل عبد الله- على إحداث خلل بتوازن القوى في البحرين ربما يؤدي إلى اضطراب واسع يمتد إلى المملكة نفسها، في حين يأمل "حمد" في ممارسة أبوظبي تأثيرا على الرياض لحلحلة موقفها في هذا الملف، وهو موقف تعترف فيه الدولة الخليجية الكبرى بقوة عمه خليفة وإمساكه بزمام الملفات التاريخية البحرينية، أمر يدفع حمد يوما بعد يوم إلى خوض مغامراته بعيدا عن الرياض.

يُدرك حمد تماما أن خلع عمه من منصبه ليس نزهة، فخليفة الممسك بزمام وكالة الأمن القومي البحرينية بجانب رئاسته للوزراء، لديه من الشبكات والنفوذ والعلاقات التاريخية ما يجعله عصيا على محاولات أبوظبي التلاعب بتركيبة الحكم البحرينية وبسط نفوذها مقابل انحسار النفوذ السعودي، وهو هدف إماراتي في خصوصه، لذا لم يكن هناك مفر من أن تكون السعودية حكما في هذا الصراع، وتوجه "حمد" إليها مجددا برغبة في صعود نجله "ناصر"، الوجه الملكي الجديد، مكان عمه خليفة، ورغم أن موقف الملك سلمان لم يتغير كثيرا لأسباب أخيه الراحل عبد الله نفسها، فإن "محمد بن سلمان" ولي العهد يبدو وأنه سيمتلك رأيا مختلفا قد يقلب الأمور رأسا على عقب كما فعلها في مملكته، فالأمير السعودي الشاب يُريد أن ينتقل بسلالة الحكم في الخليج إلى جيل جديد، ومع قرب ابن سلمان الشديد من أبوظبي وابن زايد تحديدا، يبدو رهان "حمد" سليما على الأرجح بالحج نحو كعبة الإماراتيين، حيث يمتلك الآن دعمهم بعد لقاء ابن زايد بـ "ناصر" مؤخرا، وهو لقاء ربما يمهد لانضمام ابن سلمان إلى ركبهما. [14]

صراع الإخوة

على صعيد سلمان الذي ظهر له منافس جديد وهو شقيقه ناصر، وعلى عكس ما يستنبط من دعم الرياض لبقائه في منصبه، فإن هذا الدعم يبدو أنه ليس لشخصه بقدر ما يُعد دعما لاستقرار البحرين نفسها، فقبل أعوام قليلة، وفي مهرجان "الجنادرية"، مال الملك السعودي الراحل عبد الله على ملك البحرين هامسا له: هذا ولدك (يقصد سلمان) نريد تغييره، لينخرط الملك "حمد"، الذي أربكته المفاجأة، في الدفاع عن ابنه وانفتاحه وعلاقاته، وفور عودته نصح ابنه بتقوية علاقته بالقصر الملكي السعودي.

في ذلك التوقيت، كانت الأعين الغربية ترصد مستقبل الحكم في البحرين، وتحديدا في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول من عام 2009، حين تلقت السفارة الأميركية في المنامة برقية من وزارة الخارجية معنونة بـ: "البحرين: الأمراء الناشئون ناصر وخالد". كانت هذه البرقية المسربة من ويكيليكس، الذي بث آلاف الوثائق من وزارة الخارجية الأميركية، تصف الأمير ناصر وشقيقه خالد بأنهما هدفان مهمان، وطلبت من السفارة جمع تفاصيل عن السيرة الذاتية لكل منهما، سواء المعلومات الأساسية والشخصية كتاريخ ميلادهما، وقدرتهما على التحدث باللغة الإنجليزية وخلفياتهما التعليمية وما إلى ذلك، أو المعلومات السرية والسوداء التي يمكن استخدامها كرافعة نفوذ عليهما في أي وقت مستقبلي، كأي أخطاء شخصية أو حتى الخلافات بينهما وبين شقيقهما ولي العهد وطبيعتها حال وجدت، وما إذا كانت تسببت في مشاكل داخل الأسرة الحاكمة. [15]

آنذاك، لم يكن سلمان يفكر بأخويه كمنافسين محتملين، إذ كانا في عمر صغير، لكن واشنطن كانت ترصدهما منذ الصغر مرجحة ما سيأتي على ما يبدو، أما الآن فالأقرب للمنافسة هو ناصر البالغ من العمر 31 عاما، المتزوج من ابنة نائب وزير الدفاع وحاكم إمارة دبي القوي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، والممسك بزمام الحرس الملكي البحريني الذي استطاع أن يجعل منه جيشا صغيرا حقيقيا في فترة وجيزة، وكلها أسباب منطقية لوضعه في حسابات المنافسة، بعدما دفع به الملك في إطار المفاوضات الجارية مع الرياض لتغيير تركيبة الحكم في المنامة.

عمل ناصر هو الآخر على اكتساب مساحة نفوذ في الجيش قبل السياسة، بعدما أنهى في عام 2006 دراسته في كلية ساند هيرست العسكرية البريطانية الأشهر، وعمل ضابطا في قوة الدفاع، إلى أن وصل في عام 2011 إلى قمة الحرس الملكي برتبة عقيد، ويعرف الأمير الشاب أهمية المكانة العسكرية في أسرته الحاكمة، فعمل على تعزيز قدراته في هذا الصدد عبر مجموعة دورات تلقاها أبرزها دورة المارينز في الولايات المتحدة، والتي فتح من خلالها علاقات تنمو بثقة مع واشنطن، وكذلك الأمر في تكوينه لعلاقات جيدة مع بريطانيا مقر دراسته والتي استكمل بها بعض الدورات العسكرية الأخرى، ومن خلال تلك الدورات وصفقات التسليح للحرس الملكي أصبح لناصر وجودا على الخريطة الغربية المهتمة بالأوضاع البحرينية.

كثف الشاب الصغير من حضوره مدنيا أيضا، لكن هذه المرة كان من بوابة العمل الإنساني، فقد ترأس ناصر المؤسسة الخيرية الملكية بعد عام واحد من إنهاء دراسته، بعدما أعيد هيكلتها لتناسب رئيسها الجديد المتطلع للحضور ميدانيا، وهنا حاولت مؤسسته الملكية ابتلاع غالبية المؤسسات الأخرى في محاولة لتأميم العمل الخيري والإغاثي لصالحه، كما دخل المجال الرياضي أيضا لاستكمال باقة الظهور بعدما سجل أولى النقاط على أخيه في صراع النفوذ حينما انتزع منه رئاسة المجلس الأعلى للشباب والرياضة، الذي ظل في يد ولي العهد عرفا منذ أن كان الملك الحالي وليا للعهد، قبل أن يصعد إلى كرسي الإمارة ويسلمه لسلمان الذي سلمه بأمر ملكي لأخيه ناصر دون سبب وجيه سوى فرض ناصر على الساحة. [16]

يُعلن الأمير الشاب بذلك عن حضوره كلاعب أساسي في لعبة الكراسي الأميرية في البحرين، ليكسر حلقة الصراع الثنائي بين أخيه الكبير سلمان وعم أبيه رئيس الوزراء خليفة، فقد حجز الصغير لنفسه كرسيًا عسكريًا كمسؤول عن حماية الأسرة المالكة عبر قيادته للحرس الملكي، وآخر مدنيًا في حقل العمل الإنساني حتى لا يفوته أي مؤهل مطلوب أو ورقة نفوذ لازمة في ذاك الصراع المحتدم، كل ذلك أتى متوافقًا مع رغبة الملك الأب في حسم صراعه مع عمه والإطاحة به من رئاسة الوزراء لصالح أحد أبنائه.
 لكن قرار اختيار وريث منصب رجل البحرين القوي ليس سهلًا كما يُتخيل حينما يكون بين الابن الكبير والابن الصغير في مواجهة الجناح المتشدد داخل أسرة آل خليفة، والمعروف بـ"تنظيم الخوالد" الذي يفرض سيطرته على الأمن والجيش، وهو التنظيم الذي تربطه علاقات تاريخية مع السعودية، ارتباط لعب دورا رئيسا بوقوفه حاجزا أمام الأجندة الإصلاحية لولي العهد، خاصة ما يرتبط بالملف الشيعي، لذا سيكون تحريك سلمان من منصبه في ولاية العهد إلى رئاسة الوزراء الخيار الأشد ثورية من ملك البحرين، وهي صفة غير معهودة فيه، وذلك تزامنا مع تصعيد ناصر وليًا للعهد، في حين يمتلك حمد بن عيسى خيارًا آخر بجعل ناصر الرجل القوي خلف رئيس الوزراء الحالي ويُبقي على سلمان وليا للعهد كما هو، ولكن بالتنسيق مع "الخوالد" الذين حاول استرضاءهم من قبل، وعلى كلا الفرضيتين ستتكرر على الأرجح الثنائية الملكية مرة أخرى بين الأخوين، من سيكتبان الفصل الجديد من صراع العروش البحريني.