ثقافة » تربية وتعليم

الشهادات المزوّرة في الخليج: الجريمة والعقاب

في 2018/09/15

قاسم حسين- البيت الخليجي-

شهد شهر أغسطس 2018 تفجّر أكبر فضيحةٍ تهزّ المنظومة التعليمية والإدارية في البحرين وبعض دول الخليج، بعد الكشف عن موضوع الشهادات الأكاديمية المزوّرة، التي طالت مسؤولين كباراً وموظفين عموميين منتشرين في مختلف القطاعات المهنية.

المشكلة لم تكن جديدة، وإنّما كان لها ذيولٌ قديمة، فصحيفة “الوسط” البحرينية تناولت الموضوع قبل عشرة أعوام في تحقيق خاص، وخلال هذه السنوات كانت الصحف السعودية تطرحه بين فترةٍ وأخرى، مع كل كشفٍ عن حالات تزويرٍ وانتحال شهاداتٍ كاذبة. وكان لهذه الأخبار وضع سيء على الرأي العام، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالقطاع الصحي. فكثيراً ما نُشرت أخبارٌ عن اكتشاف وافدين عرب وأجانب يحملون شهادات مزوّرة ويمارسون مهناً طبية، وما يمثّله ذلك من خطرعلى صحة وأرواح البشر.

 

من الكويت إلى البحرين

الموجة الجديدة تفجّرت بشدّة في أعقاب كشف مئات الشهادات المزوّرة في الكويت، وكان على رأس جبل الجليد وزير التربية والتعليم، ما أحدث هزةً جديدةً في المنظومة التعليمية التي وصل الفساد إلى رأسها. وكانت الصحافة الكويتية تلاحق هذا الموضوع قبل أعوام، مع انكشاف حالات شراء شهادات وهمية من دول أخرى، عربية وأجنبية، لكن الذي زاد من تفاعل القضية هذه المرة انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، التي سهّلت وسرّعت تداول هذه الفضائح على أوسع نطاق. وامتد التأثير إلى البحرين بعد أن نشر أحد المغرّدين باسم رمزي (لافروف)، أسماء وصور حاملي هذه الشهادات المزوّرة، والجامعات الوهمية التي ادّعوا الدراسة فيها، لتتحوّل إلى قضية رأي عام ساخنة، دفعت الحكومة إلى تشكيل لجنةٍ للتحقيق فيها.

ترافق ذلك، مع نشر مقاطع فيديو مؤثرة، تناول أحدها شركة باكستانية متورّطة في بيع عشرات الآلاف من الشهادات المزوّرة على الزبائن، بينهم 200 ألف منهم يعملون في دول الخليج، حيث يبتلعها أكبر سوق جائع للعمالة الآسيوية، مع عدم وجود أنظمة رقابة صارمة للتدقيق على المؤهلات أو الاكتراث بتقييمها، فضلاً عن وجود مافيات تسهّل عملية الهجرة والتوظيف في هذه الدول، مع سيطرةٍ للعناصر الأجنبية على إدارات الموارد البشرية في كثيرٍ من الأحيان.

عملية الرصد والمتابعة أدّت بالكثيرين إلى اكتشاف أسرارٍ أخرى، بينها وجود “آلاف” الجامعات الوهمية في الولايات المتحدة، وينافسها في ذلك ويتفوق عليها الهند، أكبر مخزون بشري يمدّ الخليج بالقوى العاملة من مختلف التخصصات. وزادت الدهشة مع نشر إحدى القنوات الخليجية تسجيلاً صوتياً لمسؤولة بإحدى الجامعات المصرية، تتحدّث فيه مع المذيع الذي انتحل شخصية طالب خليجي يريد شراء شهادة جامعية، وما وعدته به من سهولة الحصول عليها مع الأسعار!

ما جرى أصاب المنظومة التعليمية والإدارية في الخليج بهزّةٍ كبرى، أعادت طرح التساؤل حول الثقة الممنوحة للأجانب، الذين يحظون بالتقدير وتُعطى لهم الأولوية في التوظيف والامتيازات على حساب المواطنين، في أغلب الدول الخليجية. كما أعاد طرح الأسئلة المعادة حول الجهات التي تقف وراء انتشار هذه الظاهرة واستمرارها لعقود، فضلاً عن عدم وجود نظام رقابة يضمن اصطياد أصحاب الشهادات المزوّرة، وما يشكلونه من خطرٍ على حاضر ومستقبل البلاد. فاكتشاف مئات المهندسين المزوّرين يعني تخطيطاً وتنفيذاً سيئاً في عمران المدن والقرى، وفي حركة البناء وتصميم الشوارع والجسور وزيادة حوادث المرور. ووجود معلمين مزوَّرين في الجامعات يعني انهيار منظومة التعليم العالي وضرب مخرجاتها. بل إن وجود طبيب واحد مزوَّر فقط في قسم الطواريء بأحد المستشفيات كفيلٌ بإزهاق عشرات الأرواح خلسةً كل عام. وهو ما يثير موجةً كبيرةً من المخاوف، خصوصاً حين تكثر حالات الوفيات الطارئة، أو يغادر طبيبٌ مزوّرٌ إلى بلده بعد أن يترك رسالة مؤداها: “أعتذر… لم أكن طبيباً”، بعد 14 عاماً من العمل المخادِع في مستشفى بأحد بلدان المنطقة.

 

تعدّدت الأسباب

وفي البحث عن الأسباب، يركّز البعض على الدور الرئيسي للحكومات، التي تفتقر إلى أنظمة رقابة وتقييم للمؤهلات، والتساهل في توظيف الأجانب مقابل التشدّد في توظيف المواطنين الخريجين، سواءً لأسبابٍ سياسية أو اقتصادية أو مناطقية، أو حتى لتداخل مصالح شبكات الفساد المستفيدة من منافع عملية توظيف الأجانب.

على أن الخطر على الدولة والمجتمع لا يقتصر فقط على الأجانب من حملة الشهادات المزوّرة، بل يشمل نظراءهم من حاملي الشهادات الوهمية من المواطنين، خصوصاً أن من بين هؤلاء وزراء وسفراء ومسؤولين كباراً وصغاراً، فضلاً عن نوابٍ بمجالس الأمة أو الشورى، اشتروا شهادات من جامعات وهمية تقوم بخدمة إيصال الشهادة إلى منزلك، أشهرها “جامعة لاهاي الدولية” التي أصبحت مثلاً يُضرب على عمليات النصب والتدليس والاحتيال.

فضيحة الشهادات المزوّرة، تعيد طرح نظرتنا كمجتمعٍ إلى العلم، الذي لم يعد الركن الأكبر لعملية التنمية والنهوض بالبلاد، وإنّما مجرد وسيلةٍ للوجاهة والتباهي و”الرزّة” بالتعبير الخليجي؛ إلى جانب اتخاذ الكثيرين الشهادة سلّماً للوصول إلى مناصب لا يستحقونها، أو الحصول على ترقياتٍ لم يتأهلوا لها، أو علاوات مالية غير مستحقة، ما يدخل في باب الفساد وهدر المال العام؛ فضلاً عن التسبب بإبعاد أصحاب الكفاءات العلمية الحقيقية، الذين قضوا سنوات طويلة من الكفاح للحصول على المؤهلات العلمية، فتذهب فرصهم لمن لا يستحقونها.

إن إفلات المتورطين في هذه الجريمة من العقاب، أو التهاون بمحاسبتهم، أو “الطبطبة” عليهم، سيؤدي حتماً إلى تدمير قناعات جيل الشباب الجديد بأن التحصيل العلمي هو الطريق إلى بناء مستقبل الفرد والوطن، لصالح فكرة أن شراء شهادة مزوّرة هو طريقك الأسهل والأسرع للوصول إلى المنصب والمال، عبر الغش والتدليس والكذب والاحتيال.

خطورة هذه الفضيحة لا تقتصر على الجانب الأخلاقي فحسب، بل تتعدّى إلى ضرب النظام المهني والإداري، في القطاعين العام والخاص، كما تمثّل استخفافاً بالدولة وتلاعباً على مؤسساتها واحتقاراً لقوانينها ومسّاً بهيبتها، إلى جانب الاستخفاف بالقواعد والمبادىء الأساسية للإدارة والحكم الرشيد.