خاص الموقع

ليش ما تمدح وليّ العهد؟

في 2024/05/01

(أحمد شوقي \ راصد الخليج) 

في خبر بدا لافتًا، استدعت المباحث العامة السعودية بالتعاون مع هيئة الإعلام عددًا من "مشاهير السوشيل ميديا" للتحقيق معهم حول عدم مدحهم وليّ العهد محمد بن سلمان عبر منصّاتهم الاجتماعية..!

أخذت هذه القضية بُعْدًا واسعًا، حين أُطلق وسمٌ بعنوان "ليش ما تمدح ولي العهد"، في سخرية وغضب من هذا التعاطي الحكومي مع الرأي العام ومحاولة تطويعه قسريًا لخدمة السلطة.

لقد شكّل تساؤل القيادي الدكتور فؤاد إبراهيم، في "لقاء المعارضة في الجزيرة العربية"، في منشور تحت الوسم ملخصًا لأراء الغاضبين، حين قال: "كيف يمكن لبلد يزعم بأنّه يواكب الحضارة الحديثة أنْ يطلب من مواطنيه قضاء أوقات في نظم القصائد، ويا ليت على ما يستحق؛ بل وعلى ما لا يستحق مثل مشاريعه الفاشلة والوهمية.."؛ في إشارة إلى "محمد بن سلمان".

هذا الأمر يلقي الضوء على ظاهرة أخرى خطيرة؛ طفت على السطح في الأيام الأخيرة، وهي الظاهرة المتعلقة بتمويل مؤسسات دولية مقابل تقارير تصدر للإشادة بالسعودية ودورها وإنجازاتها. فقد رصدت وسائل الإعلام أن الحكومة السعودية تنتهج استخدام علاقات التمويل للحصول على إشادات دولية بسياساتها، وذلك بهدف تسويقها داخليًا وتضليل الرأي العام بشأن نتائج برامجها.

أحدث الأمثلة على ذلك؛ هو إعلان المركز الوطني للتنافسية ومجموعة البنك الدولي في واشنطن، في 20 أبريل/نيسان 2024 المنصرم، عن اعتزامهما إنشاء مركز للمعرفة في السعودية، بدعوى سعي الجانبين إلى نشر ثقافة الإصلاحات الاقتصادية عالميًا. وقد قال ماجد القصبي وزير التجارة السعودي رئيس مجلس إدارة المركز الوطني للتنافسية أن اختيار السعودية مقرًا للمركز يأتي تأكيدًا على التقدم الكبير الذي حققته في تقارير ومؤشرات التنافسية العالمية، والتي جاءت نتيجة للإصلاحات الاقتصادية.

هذا؛ بينما عقّب عضو حزب التجمع الوطني المعارض عبدالله عمر بأن السلطات السعودية تستخدم علاقات التمويل للحصول على إشادات دولية بسياساتها بهدف تسويقها داخليًا، وكأنّ العالم منبهر بنجاحها الذي لا يراه أحد داخل السعودية ولا خارجها، متسائلاً عن الأسس التي اختيرت لإنشاء مركزًا للمعرفة ووفقًا لأي معايير وهل جاء من جهة معروفة بالنزاهة أم لا؟.

وقال إن السلطات تلجأ أحيانًا لجهات ومراكز مجهولة لتلميع سياساتها وتضخمها إعلاميًا، وكأنّها جهات بارزة في مجالاتها. وفي واقع الحال أن السعودية بوضعها الحالي غير مؤهلة إطلاقًا للقيام بهذا الدور، فلا وجود لإصلاح اقتصادي بمفهومه الذي يستهدف تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية.

هذا؛ ويتّهم المعارضون المملكة بالتهور والتسرّع في التحول نحو النيوليبرالية بصورة مدمرة للطبقة الوسطى وما دونها، واتباع نصائح صندوق النقد وسياسات الإفقار التي تنتج عنها بشكل أعمى. وهو ما سيظهر خلال المستقبل القريب، إذا استمر هذا التحول من دون مراعاة لوضع الشعب السعودي واتساع الفجوات وصعوبة المعيشة المتزايدة.

لعلّ الأرقام المتراجعة للاقتصاد السعودي، والتي يقابلها تشجيع وإشادة من بعض المؤسسات الدولية، تصبّ في صالح وجاهة هذه الاتهامات بشراء التأييد والدعايات. فقد أظهرت التقديرات السريعة للهيئة العامة للإحصاء السعودية أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمملكة قد انخفض بنسبة 0.9% خلال العام 2023، مقارنة بالعام 2022.

كما أعلنت مجموعة أرامكو النفطية السعودية أن أرباحها الصافية انخفضت بنسبة 24,7 بالمئة، في العام 2023 مقارنة بالعام 2022 الذي سُجّلت خلاله أرباح قياسية، وذلك بسبب انخفاض أسعار النفط والكميات المباعة.

كما قال مجلس الوزراء السعودي عند إقرار ميزانية العام 2024،  يقدّر العجز بمبلغ 79 مليار ريال مقارنة بفائض بقيمة 16 مليار ريال (4.255 مليار دولار) في العام 2023.  وفي أيار/ مايو 2023، قالت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا "إسكوا" إن هناك  3.3 مليون شخص من مواطني بلدان مجلس التعاون الخليجي يعيشون في فقر.

وكشف بيان لـ"إسكوا"، أن الفقر طال واحدًا من كل سبعة مواطنين في المملكة العربية السعودية، وواحدًا من كل عشرة في عُمان، وواحدًا من كل 13 مواطنًا في البحرين. وبحسب البيان ذاته، تتراوح نسب الفقراء في هذه البلدان بين 0.4 في المئة في قطر، و13.6 في المئة في المملكة العربية السعودية. وتسجِّل عُمان والسعودية أعلى نسبتين للفقراء، حيث يعيش 10.1 في المئة و13.6 في المئة من مواطني هذين البلدين على التوالي، في فقر.

كما أن اعتماد المملكة على لوبيات الضغط ليس حديثًا؛ بل دشّنه الأمير بندر بن سلطان في أمريكا منذ عقود. هذا؛ وتمتلك الرياض أسطولًا كاملاً من شركات الضغط والعلاقات العامة والمسؤولين السابقين والصحفيين ومراكز الفكر للنهوض بمصالحها في العاصمة الأميركية، وتوجيه أسلحة ذلك الأسطول باتجاه أي شخص أو كيان لا ترضى عنه الرياض. 

ومع أفول نجم بندر بن سلطان،  أسّس لوبي رسمي للسعودية في واشنطن بقيادة سلمان الأنصاري، وهذا اللوبي لجأ إلى صبّ الأموال لصالح وكلاء الضغط وشركات العلاقات العامة والسيناتورات السابقين والباحثين والصحفيين. ففي دراسة لموقع "ميدان"، فإن الأمر بدأ خلال العام 2015، حين أضافت المملكة العربية السعودية خمسة تعاقدات جديدة مع جماعات الضغط والعلاقات العامة، لترفع إنفاقها الرسمي على الضغط إلى 9.5 مليون دولار، مقارنة بـ 4.1 مليون دولار في العام 2014.

كانت البداية من موقع يعرفه السعوديون جيدًا في جادة "كونيكتيكت"، حيث مجموعة "كورفيس" (إم إس إل غروب) التي قادت من جديد جهود التغطية الإعلامية لصالح السفارة السعودية. وفي العام 2016، قامت المجموعة بنشر تفنيدات استباقية لمحتوى الـ 28 صفحة الخاصة بعلاقة السعودية بأحداث (سبتمبر/أيلول) لضمان موازنة للتغطية الإعلامية للتقرير.

كما تُظهِرُ سجّلات وزارة العدل الأميركية أنَّ عدد جماعات الضغط التي تعمل بعقود سارية لصالح الرياض يبلغ 30 مجموعة مختلفة، ما يضع السعودية في المرتبة الثانية على قائمة الدول الأكثر توظيفًا لجماعات الضغط في واشنطن. وبالإضافة إلى جماعات الضغط والباحثين والصحفيين ورجال الكونغرس، تتدفق الأموال السعودية تحت مسمّيات عدة إلى خزائن المؤسسات الأميركية من مراكز الأبحاث إلى الجامعات والجمعيات المرتبطة بصنّاع القرار في واشنطن.  فقد تبرّعت المملكة العربية السعودية بمبلغ يتراوح بين 10 ملايين إلى 25 مليون دولار لصالح مؤسسة كلينتون، مع بداية العام 2014، في الوقت الذي كانت هيلاري كلينتون تستهل حملتها الرئاسية.

كما تبرّعت مجموعة تسمي نفسها "أصدقاء السعودية" - يموّلها أمير سعودي- بمبلغ إضافي ما بين مليون و5 ملايين دولار. وقد تلقت مؤسسة غير هادفة للربح تدعى "معهد ماكين للقيادة الدولية"، لها علاقات مع سيناتور أريزونا المقرّب من الرياض جون ماكين، تبرعًا من حكومة المملكة العربية السعودية بمبلغ مليون دولار في العام 2014، وفقا لما ورد في الوثائق المودعة في مصلحة الإيرادات الداخلية الأميركية.

أما على مستوى المراكز البحثية، جاء تدفق الأموال السعودية متأخرًا إلى حد ما في العام 2014، في وقت كانت معظم المراكز البحثية فيه تعاني تقليصًا في موازناتها، وبخلاف مجلس ومجلة السياسات الخارجية الأميركية، والتي تلقت تمويلًا قدره مليون دولار من الرياض في العام 2007، سبّب إحراجًا كبيرًا لمديرها آنذاك شاس فريمان، وتشمل قائمة المراكز التي تلقت معونات سعودية في السنوات الأخيرة. وهي : مركز بروكينغز، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية، معهد الشرق الأوسط، مركز أتلانتيك كاونسيل، إضافة إلى مركز دول الخليج العربي في واشنطن.

قد يكون هذا الانفاق، في مصارف إنتاجية وقضايا وطنية وقوميةإ أكثر أمنًا للسعودية وقد يعطيها قوة حقيقية من دون داعٍ لشراء دعايات قوة ونجاح من أعداء الأمة.