في 2026/08/24
وكالات
لم يعد الذكاء الاصطناعي في دول الخليج مجرد ملف تقني أو جزء من خطط التحول الرقمي، بل يتحول تدريجياً إلى أحد محاور الاستراتيجية الاقتصادية لما بعد النفط. فالسعودية والإمارات وقطر والكويت، إلى جانب عُمان والبحرين، تعمل بدرجات متفاوتة على بناء منظومات للذكاء الاصطناعي تشمل مراكز البيانات والحوسبة المتقدمة، وتمويل الشركات، وتطوير النماذج، واستقطاب شركات التكنولوجيا العالمية.
وتكشف الاستثمارات المعلنة خلال العامين الأخيرين عن حجم الرهان الخليجي على القطاع. وتتصدر السعودية المشهد من حيث حجم الخطة المعلنة، بعدما خصصت شركة هيوماين، المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة، ما يصل إلى 100 مليار دولار لبناء منظومة للذكاء الاصطناعي تشمل مراكز البيانات والبنية التحتية والحوسبة والشراكات التقنية.
كما عقدت الشركة شراكات مع شركات عالمية مثل إنفيديا وأمازون ويب سيرفيسز وإيه إم دي وكوالكوم وسيسكو و«إكس إيه آي».
وتتحرك الإمارات في الاتجاه نفسه، ولكن عبر شبكة أوسع من الصناديق والشركات. ويبرز مشروع «ستارغيت الإمارات»، الذي تقوده «جي42» بالشراكة مع «أوبن إيه آي» وأوراكل وإنفيديا وسوفت بنك وسيسكو، ضمن مجمع إماراتي-أميركي للذكاء الاصطناعي في أبوظبي تصل قدرته المستهدفة إلى 5 غيغاواط.
وتستهدف المرحلة الأولى قدرة بنحو غيغاواط واحد، مع بدء تشغيل أول 200 ميغاواط خلال 2026.
كما تمثل الإمارات مركزاً مهماً لرأس المال الخليجي الموجه إلى الذكاء الاصطناعي عالمياً، خصوصاً من خلال «إم جي إكس» وغيرها من المؤسسات الاستثمارية.
وقد أصبحت أبوظبي شريكاً رئيسياً في تمويل مشروعات البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، في محاولة لتحويل الإمارات إلى مركز عالمي للحوسبة والتكنولوجيا المتقدمة.
وفي قطر، أسس جهاز قطر للاستثمار شركة «كاي» المتخصصة في الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وأعلنت «كاي» وشركة بروكفيلد إقامة شراكة استراتيجية بقيمة 20 مليار دولار لتطوير مراكز وبنية تحتية للحوسبة والذكاء الاصطناعي داخل قطر وخارجها.
أما الكويت، فقد اختارت مساراً مختلفاً نسبياً يقوم على الدخول في الاستثمارات العالمية. فقد انضم جهاز الاستثمار الكويتي إلى شراكة للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي تضم «إم جي إكس» و«بلاك روك» و«غلوبال إنفراستركشر بارتنرز» ومايكروسوفت، وهي شراكة تستهدف تعبئة 30 مليار دولار للاستثمار في مراكز البيانات والبنية التحتية اللازمة لتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وفي عُمان، يبدو التركيز أكبر على تهيئة البيئة الاستثمارية والتقنية، مع تنفيذ البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة، وإطلاق منطقة مخصصة للذكاء الاصطناعي بهدف جذب الشركات والمشروعات العالمية إلى السلطنة.
أما البحرين، فتتبنى نهجاً يركز على استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحكومية والاقتصادية، وتطوير الشركات الصغيرة والمتوسطة والمهارات البشرية.
ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يفتح فرصاً تصل إلى 370 مليار دولار من الاستثمارات المستدامة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بحلول 2030، وهو ما يفسر تزايد اهتمام الدول الخليجية بتوطين هذه التقنيات.
واللافت أن الرهان الخليجي لا ينحصر في تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل يتجه إلى السيطرة على سلسلة القيمة نفسها، من الطاقة اللازمة لتشغيل مراكز البيانات، إلى الرقائق والحوسبة السحابية، وصولاً إلى النماذج والخدمات.
وهنا تكمن أهمية هذه الاستثمارات بالنسبة إلى اقتصادات الخليج. فالدول التي راكمت ثرواتها من النفط والغاز تحاول توظيف جزء من رأس المال والطاقة المتاحة لبناء قطاع اقتصادي جديد، تكون فيه البيانات والحوسبة والذكاء الاصطناعي بمثابة النفط الجديد.
لكن حجم الإنفاق وحده لن يكون كافياً، فالاختبار الحقيقي سيكون في قدرة هذه الدول على تحويل مليارات الدولارات إلى شركات وتقنيات ومواهب محلية، وإلى إنتاج اقتصادي مستدام، لا مجرد استضافة مراكز بيانات ضخمة لشركات أجنبية. وهذا ما سيحدد في النهاية ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح فعلاً اقتصاد الخليج في مرحلة ما بعد النفط.