في 2026/06/02
يوسف حمود - الخليج أونلاين
شهد خليج عدن، خلال مايو 2026، تصاعداً جديداً في التهديدات البحرية، بعد اختطاف ناقلة النفط "M/T Eureka" قبالة سواحل محافظة شبوة جنوب شرقي اليمن، ومحاولات اختطاف فاشلة لسفن أخرى في حوادث أعادت ملف القرصنة البحرية إلى الواجهة، بعد سنوات من التراجع النسبي للهجمات التي كانت تضرب واحداً من أهم الممرات التجارية في العالم.
وجاءت العملية في وقت حساس تشهده المنطقة، مع مخاوف من عودة التوترات الأمنية في البحر الأحمر وخليج عدن، وارتفاع كلفة التأمين البحري، وتزايد المخاوف الدولية من اضطراب حركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا عبر باب المندب وقناة السويس بعد أزمة مضيق هرمز.
وأثارت الحوادث اهتماماً إقليمياً ودولياً واسعاً، خصوصاً بعد إعلان مصر رسمياً متابعتها ملف البحارة المصريين الذين كانوا على متن الناقلة المختفطة، بالتزامن مع تقارير أمنية تحدثت أيضاً عن محاولة اقتراب مشبوهة من سفينة تجارية قرب سواحل المكلا ومحاولات قرب جزيرة سقطرى، ما عزز المخاوف من عودة نشاط القرصنة البحرية في المنطقة.
كيف اختُطفت الناقلة؟
في الـ3 من مايو 2026، أعلنت مصلحة خفر السواحل اليمنية أن 9 مسلحين صوماليين يحملون أسلحة خفيفة ومتوسطة بينها قذائف RPG نفذوا عملية سطو مسلح على ناقلة النفط "M/T Eureka" أثناء وجودها قبالة سواحل محافظة شبوة، قبل السيطرة الكاملة عليها واقتيادها باتجاه السواحل الشمالية الشرقية للصومال.
وأوضحت السلطات اليمنية أن الناقلة كانت تحمل نحو 2800 طن من وقود الديزل، وكانت قد غادرت ميناء الفجيرة الإماراتي قبل أيام، قبل أن تتوقف بالقرب من ميناء المكلا، ثم تتعرض للهجوم أثناء مواصلة رحلتها في خليج عدن، وفق بيانات رسمية وتقارير شركة الأمن البحري البريطانية "Ambrey".
وأكدت بيانات منصة "MarineTraffic" أن السفينة واصلت الإبحار تحت سيطرة الخاطفين باتجاه سواحل إقليم بونتلاند الصومالي، بينما كان على متنها 12 بحاراً من الجنسيتين المصرية والهندية، بينهم 8 بحارة مصريين، ما دفع القاهرة إلى التحرك الدبلوماسي العاجل.
كما كشفت تقارير بحرية عن حادثة أمنية ثانية وقعت قبالة سواحل المكلا ذات الوقت، تمثلت بمحاولة اقتراب قوارب مشبوهة من سفينة تجارية، قبل أن تنسحب بعد رفع السفينة حالة الطوارئ واتخاذ إجراءات مناورة بحرية، دون وقوع عملية اختطاف كاملة.
إعلان مصري
بعد أيام وفي 11 مايو، أعلنت وزارة الخارجية المصرية متابعتها "من كثب" لحادث اختطاف الناقلة، مؤكدة أن وزير الخارجية بدر عبد العاطي أوعز إلى السفارة المصرية في مقديشو بالتواصل مع السلطات الصومالية ومتابعة أوضاع البحارة المصريين والعمل على ضمان سلامتهم وسرعة الإفراج عنهم.
وجاء التحرك المصري بعد انتشار مناشدات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أبرزها رسالة نشرتها زوجة أحد البحارة المختطفين، أميرة محمد أبو سعدة، طالبت فيها السلطات المصرية بالتدخل لإنقاذ زوجها المهندس محمد راضي عبد المنعم المحسب وزملائه المحتجزين على متن السفينة.
وكشفت مصلحة خفر السواحل اليمنية تفاصيل إضافية عن سير العملية، موضحة أنها أرسلت ثلاثة زوارق دورية من عدن وشبوة فور تلقي البلاغ، إلا أن الزوارق لم تتمكن من مواصلة المطاردة بسبب محدودية قدراتها الفنية وسوء الأحوال الجوية واتجاه السفينة سريعاً نحو المياه الصومالية.
كما أكدت السلطات اليمنية أن التنسيق مع الشركاء الدوليين اقتصر على المتابعة وتبادل المعلومات دون تنفيذ تدخل مباشر لاعتراض السفينة، رغم رصد موقعها بحرياً، وهو ما أثار تساؤلات بشأن مستوى الاستجابة الدولية في خليج عدن والبحر العربي خلال الفترة الأخيرة.
عودة القرصنة إلى خليج عدن
وخلال النصف الثاني من شهر مايو 2026، أكد مصدر في خفر السواحل اليمنية في تصريحات لعدة وسائل إعلام، فشل عمليتي قرصنة كانتا تستهدفان سفناً تجارية على بُعد 66 ميلاً من سقطرى، فيما كشفت هيئة التجارة البحرية البريطانية (22 مايو) أن سفينة تجارية أطلقت عيارات نارية تحذيرية باتجاه زورق صغير اقترب منها شمال جزيرة سقطرى اليمنية، ما أجبره على تغيير مساره.
وأعادت حادثة "M/T Eureka" والحوادث الأخرى إلى الواجهة ملف القرصنة الصومالية التي بلغت ذروتها بين عامي 2008 و2012، حين سجل المكتب البحري الدولي "IMB" مئات الهجمات البحرية قبالة السواحل الصومالية واليمنية، بينها عمليات خطف لناقلات نفط وسفن تجارية واحتجاز بحارة مقابل فديات مالية ضخمة.
ودفعت تلك الهجمات المجتمع الدولي إلى إنشاء تحالفات بحرية متعددة، من أبرزها قوة المهام المشتركة "CTF-151" بقيادة الولايات المتحدة، إضافة إلى عملية "أتالانتا" التابعة للاتحاد الأوروبي، إلى جانب انتشار سفن حربية صينية وهندية ويابانية وتركية في خليج عدن.
كما فرضت شركات الملاحة العالمية خلال تلك السنوات إجراءات أمنية مشددة، تضمنت الاستعانة بحراس مسلحين ورفع سرعة السفن وإنشاء ممرات بحرية آمنة، ما ساهم تدريجياً في خفض عدد الهجمات وتراجع نشاط القراصنة بشكل كبير بعد عام 2013.
لكن تقارير أمنية بحرية حذرت، خلال الأشهر الماضية، من عودة النشاط الإجرامي في بعض المناطق البحرية، مستفيداً من التوترات الأمنية في البحر الأحمر، وضعف الرقابة البحرية، وانشغال بعض القوات الدولية بمتابعة التهديدات المرتبطة بالحرب الإقليمية والهجمات على الملاحة.
خطورة عودة الحوادث
يمثل خليج عدن وباب المندب واحداً من أهم الممرات التجارية في العالم، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط والبضائع القادمة من الخليج وآسيا نحو أوروبا، ما يجعل أي اضطراب أمني في المنطقة ذا تأثير مباشر على حركة التجارة والطاقة العالمية.
وأظهرت بيانات شركات التأمين البحري ارتفاع أقساط التأمين ورسوم العبور على السفن التجارية في بعض مسارات البحر الأحمر وخليج عدن، بالتزامن مع تصاعد التهديدات البحرية، وهو ما يزيد من كلفة النقل والشحن على الشركات العالمية.
كما دفعت التطورات الأخيرة بعض شركات الشحن إلى مراجعة إجراءات الحماية البحرية، عبر تعزيز فرق الحراسة المسلحة واستخدام أنظمة مراقبة أكثر تطوراً، إضافة إلى دراسة تغيير بعض المسارات البحرية نحو طرق أطول وأكثر أماناً.
وتحذر تقارير بحرية من أن استمرار الهجمات أو تكرار عمليات الاختطاف قد يدفع المنطقة مجدداً إلى مرحلة تشبه سنوات القرصنة الكبرى، خصوصاً مع هشاشة الأوضاع الأمنية في الصومال واليمن، واتساع المساحات البحرية التي يصعب مراقبتها بشكل كامل.
الحوثيين وإيران والقرصنة
يرى تحليل صادر عن منتدى الشرق الأوسط أن إيران نجحت عبر مليشيا الحوثيين في إعادة تنشيط تهديدات القرصنة البحرية الممتدة من مضيق هرمز إلى القرن الإفريقي، ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى توسيع الضغوط على الملاحة الدولية وخلق بؤر توتر متزامنة في الممرات البحرية الحيوية.
وبحسب التحليل، فإن الهجمات الحوثية في البحر الأحمر وباب المندب دفعت القوات البحرية الدولية إلى تركيز جزء كبير من قدراتها العسكرية في تلك المنطقة، ما أوجد فراغاً أمنياً في غرب المحيط الهندي استغلته شبكات القرصنة الصومالية لإعادة تنظيم أنشطتها واستئناف هجماتها ضد السفن التجارية.
وأشار التقرير إلى أن دور الحوثيين لم يقتصر على خلق الفراغ الأمني، بل شمل تقديم دعم مباشر للقراصنة الصوماليين عبر تزويدهم بأسلحة وأجهزة ملاحة ومعلومات استخبارية، ما ساهم في رفع قدرتهم على تنفيذ عمليات أكثر دقة وفاعلية في الممرات البحرية الدولية.
كما تحدث التحليل عن وجود قنوات تنسيق بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية، استناداً إلى تقارير أممية واستخباراتية، معتبراً أن هذا التعاون يأتي ضمن مساعٍ إيرانية لتوسيع نفوذها البحري وربط الجماعات المسلحة في اليمن والقرن الأفريقي ضمن شبكة تخدم مصالحها الإقليمية.
وخلص التقرير إلى أن إيران نجحت في تحويل البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي إلى جبهة بحرية مترابطة، تستخدم فيها الهجمات الحوثية والقرصنة الصومالية كأدوات ضغط على التجارة العالمية، محذراً من أن المقاربات الغربية الحالية لا تزال تتعامل مع تهديدات الشرق الأوسط وإفريقيا كملفين منفصلين رغم ترابطهما المتزايد.