في 2026/03/07
طه العاني - الخليج أونلاين
تتسارع تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتوقف منشآت طاقة حيوية في الخليج، ما يضع أسواق الطاقة أمام اختبار وصدمة إمداد مباشرة تمس نحو خُمس تجارة النفط البحرية وحصة مماثلة من الغاز المسال عالمياً.
وتشير المعطيات إلى أن الاضطراب أصاب ركائز سوق النفط والغاز، مع قفزات سعرية حادة وتباطؤ الشحن عبر هرمز، ما يفاقم الضغوط على الاقتصادات الأكثر اعتماداً على طاقة الخليج بين ارتفاع كلفة الاستيراد ومخاطر نقص فعلي في الإمدادات إذا طال أمد الأزمة.
اختناق الإمدادات
ويمثلُ إغلاق مضيق هرمز وتوقف منشآت إنتاج وتكرير في الخليج نقطة تحوّل مفصلية، إذ انتقلت الأسواق من تسعير المخاطر النظرية إلى مواجهة انقطاع فعلي يمس ركائز العرض العالمي للنفط والغاز.
وكشف تقرير نشرته قناة "CNBC"، في 2 مارس 2026، فإن نحو 13 مليون برميل يومياً مرّت عبر مضيق هرمز في 2025، ما يعادل 31% من تجارة النفط الخام المنقولة بحراً، مع تحذيرات من استهداف السفن عقب إعلان إغلاق المضيق.
وارتفع خام برنت بنسبة 2.6% إلى نحو 80 دولاراً للبرميل، بزيادة تقارب 10% منذ اندلاع النزاع، وسط توقعات بتجاوز 100 دولار إذا طال أمد التعطيل.
وفي السياق ذاته أورد تقرير نشرته "ذا إيكنوميك تايمز"، في 2 مارس 2026، أن "قطر أوقفت إنتاج الغاز الطبيعي المسال بعد استهداف منشآت رأس لفان ومسيعيد بطائرات مسيّرة، ما يمثل نحو 20% من الإمدادات العالمية للغاز".
وقفز عقد الغاز الأوروبي القياسي بأكثر من 46%، بينما ارتفع النفط خلال التداولات بأكثر من 13% ليصل فوق 82 دولاراً للبرميل، في أعلى مستوى منذ يناير 2025.
وتشير التقارير إلى أن قطر صدّرت نحو 81 مليون طن متري في 2025، يذهب أكثر من 80% منها إلى آسيا، ما عمّق الصدمة في سوق الغاز.
وامتد الاضطراب إقليمياً؛ إذ توقفت جزئياً عمليات مصفاة رأس تنورة السعودية بطاقة 550 ألف برميل يومياً احترازياً، وتعطل إنتاج يقارب 200 ألف برميل يومياً في إقليم كردستان العراق.
كما علّقت شركات شحن كبرى عبورها عبر مضيق هرمز، ما يفرض الالتفاف حول أفريقيا ويطيل زمن الرحلات ويرفع كلفة النقل.
جنوب وشرق آسيا
وتتحملُ اقتصاداتُ جنوب وشرق آسيا العبء الأكبر بحكم اعتمادها العميق على نفط وغاز الخليج، مع تفاوت في القدرة على امتصاص الصدمة بين دول تفتقر للمرونة التخزينية وأخرى تمتلك احتياطيات مؤقتة.
وبحسب "CNBC" استناداً إلى بيانات شركة "كيبلر" الدولية، تمثل قطر والإمارات 99% من واردات باكستان من الغاز المسال، و72% من واردات بنغلاديش، و53% من واردات الهند.
كما تستورد الهند نحو 60% من احتياجاتها النفطية من الشرق الأوسط، ما يجعلها عرضة لارتفاع مزدوج في كلفة النفط والغاز معاً نتيجة ارتباط جزء من عقود الغاز بمؤشر برنت.
وأشار التقرير إلى أن بنغلاديش تعاني عجزاً هيكلياً يتجاوز 1300 مليون قدم مكعب يومياً، ما يزيد هشاشتها أمام أي انقطاع إضافي.
أما في شرق آسيا، فيزود الشرق الأوسط اليابان بـ95% من وارداتها النفطية وكوريا الجنوبية بـ70%، بينما يبلغ اعتمادهم على الغاز الخليجي 6% لليابان و14% لكوريا الجنوبية.
ووفق البيانات نفسها، تمتلك اليابان مخزوناً يقارب 4.4 ملايين طن من الغاز المسال، وكوريا نحو 3.5 مليون طن، تكفي ما بين أسبوعين وأربعة أسابيع تقريباً، في حين تعادل واردات كوريا النفطية الصافية 2.7% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يضع حسابها الجاري تحت ضغط مباشر في حال استمرار الارتفاعات.
وأما الصين فيمر 38% من وارداتها النفطية عبر هرمز، ويأتي نحو 30% من وارداتها من الغاز المسال من قطر والإمارات، فيما بلغت مخزوناتها 7.6 ملايين طن بنهاية فبراير 2026، ما يوفر هامش أمان قصير الأجل لكنه لا يمنع احتدام المنافسة على الشحنات البديلة.
مشهد معقد
يؤكد الخبير الاقتصادي د. عبد الرحمن المشهداني أن "تداعيات التصعيد على قطاع الطاقة كبيرة وسلبية، حيث لا يقتصر التحدي على مضيق هرمز فحسب، بل يمتد لاستهداف ناقلات النفط والغاز، ما رفع تكاليف التأمين بنسب قياسية ودفع الشركات العالمية لتجنب المرور في المناطق الخطرة بالخليج العربي وبحر عمان".
وأضاف في حديثه مع "الخليج أونلاين":
- المنطقة تصدر نحو نصف الصادرات النفطية العالمية، ما يعني أن غلق المضيق سيشعل الأسعار بشكل كبير.
- استثمار التخزين الاستراتيجي والخزانات العائمة لدى الدول المنتجة، لن يكفي لوقت طويل أمام حجم الطلب العالمي الضخم.
- استهداف منشآت الطاقة وموانئ التصدير ومحطات الكهرباء تسبب بضرر بالغ.
- تعطل المنافذ البديلة كما في الإمارات سيعقد المشهد، لأن عمليات إعادة الإعمار والصيانة تحتاج لوقت طويل، ما يجعل تداعيات هذه الحرب تمتد لفترات بعيدة.
من الصعب إيجاد بدائل لقطاع الطاقة حالياً، خاصة أن أغلب الصادرات تتجه لجنوب شرق آسيا.
- روسيا أو الغاز القطري والجزائري لا يمكنهم تعويض النقص الحاصل، نظراً لارتباط السوق بتعاقدات مستمرة ومسبقة لا يغطيها "السوق الفوري".
- الأزمة قد لا تطول كثيراً بسبب كلفة الاستنزاف العالية على الأطراف المتصارعة.
- من المتوقع عودة الأسعار لمستوياتها الطبيعية بمجرد وضع الحرب أوزارها، مع بقاء التكاليف محكومة مستقبلاً بالتنافس بين الطاقة التقليدية والنظيفة.
- استمرار الحرب قد يغير من طبيعة المعركة نحو تدمير شامل للبنى التحتية، وهو ما سيؤدي إلى رفع تكاليف الطاقة لفترة انتقالية.
- لكن التسارع العالمي نحو الطاقة النظيفة سيسهم في النهاية في إبقاء أسعار الطاقة التقليدية ضمن المعدلات الطبيعية والمعقولة مستقبلاً.
تضخم وتنافس عالمي
ولا تتمثّل الخسارة فقط في احتمالات النقص، بل في موجة تضخم سعري وتنافس محتدم على الشحنات الفورية، ما يضغط على الحسابات الجارية ويعيد تسعير المخاطر الجيوسياسية في عقود الطاقة طويلة الأجل.
وذكر تقرير "أويل برايس"، في 2 مارس 2026، أن أوروبا تواجه ارتفاعات قياسية في أسعار الغاز تجاوزت 50% في بعض التعاملات، مع مخزونات أقل من مستويات الطمأنينة الموسمية، ما يهدد بانتقال الأثر إلى أسعار الكهرباء والصناعة.
كما أوردت "CNBC" أن تايلاند تُعد الأكثر انكشافاً سعرياً في جنوب شرق آسيا، إذ يبلغ صافي وارداتها النفطية 4.7% من الناتج المحلي الإجمالي، وكل ارتفاع بنسبة 10% في أسعار النفط يزيد عجز الحساب الجاري بنحو 0.5 نقطة مئوية، ما يعكس انتقال الصدمة من سوق الطاقة إلى مؤشرات الاقتصاد الكلي.
وذكرت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، في 3 مارس 2026، أن أي نقص ممتد في إمدادات الخليج قد يتجاوز في تأثيره أزمة 2022، حين فقدت أوروبا نحو 80 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنوياً، في حين تحصل حالياً على نحو 120 مليار متر مكعب من الخليج، ما يرفع احتمالات أزمة أوسع نطاقاً إذا طال أمد التعطيل.
ويتّضح مما سبق أن دول جنوب آسيا هي الأكثر تضرراً فوراً، تليها اقتصادات شرق آسيا الصناعية من زاوية الحساب الجاري والتضخم، بينما تمتد الصدمة إلى أوروبا عبر قناة الأسعار.
لكن الأثر الأعمق لا يقتصر على المدى القصير، بل يتمثل في ترسيخ علاوة مخاطر جيوسياسية طويلة الأمد في سوق الطاقة العالمي.