في 2026/03/24
طه العاني - الخليج أونلاين
تعيد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران رسم خريطة تدفقات الثروة النفطية عالمياً، مع انتقالٍ سريع لمراكز الربح والخسارة بين الدول والشركات، في ظل اضطراب أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
وتكشف تطورات الأسواق أن الصدمة الحالية لا تقتصر على ارتفاع الأسعار، بل تمتد لإعادة تشكيل طرق التجارة، وتوزيع الإيرادات، وحتى موازين النفوذ في سوق الطاقة العالمي.
وتدفع الهجمات المباشرة على البنية التحتية للطاقة، نحو موجة ارتفاعات حادة في الأسعار، تعكس حجم الاضطراب في الإمدادات.
قفزة الأسعار
وبحلول نهاية يوم الجمعة 20 مارس، قفزت أسعار النفط بنحو 4% بالتزامن مع خفض العراق إنتاجه، في ظل تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وبلغ سعر خام برنت 112.4 دولاراً للبرميل، فيما سجل خام "غرب تكساس" الوسيط 98.35 دولاراً بارتفاع 2.8%.
وجاء هذا الارتفاع بعد استهداف إيران لأول مرة منشآت الإنتاج الخليجية، أبرزها حقل "رأس لفان" في قطر و"شاه" للغاز في الإمارات ما أدى إلى تعليق العمليات، إلى جانب ضربات طالت ميناء الفجيرة، أحد أهم مراكز تصدير النفط عالمياً بطاقة تتجاوز مليون برميل يومياً.
كما تفيد البيانات أن إنتاج الإمارات النفطي انخفض إلى أكثر من النصف منذ بداية الحرب، في وقت يمر فيه نحو خُمس إمدادات النفط والغاز عالمياً عبر مضيق هرمز، الذي أصبح فعلياً تحت ضغط إيراني عسكري مباشر.
وبحسب وكالة "بلومبيرغ" الأمريكية، فإن الصدمة الحالية في أسعار الطاقة هي الأكبر في تاريخها، مع تأثير أكبر على المنتجات المكررة مثل الديزل ووقود الطائرات مقارنة بالنفط الخام، نتيجة اضطراب الإمدادات المتوسطة والثقيلة.
مكاسب الشركات
وتحوّلت أزمة ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري إلى فرصة استثنائية لشركات الطاقة الكبرى، رغم تعقيدات التشغيل في مناطق النزاع.
وترجّح صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية أن تتجاوز إيرادات شركات النفط الأمريكية 63 مليار دولار هذا العام إذا استمرت الأسعار عند مستوياتها الحالية، فيما قد تحقق تدفقات نقدية تتجاوز 5 مليارات دولار خلال مارس الجاري وحده، مع ارتفاع الأسعار بنسبة 47% منذ بداية الحرب.
كما تظهر تقديرات شركة "ريستاد إنرجي" النرويجية أن بقاء الأسعار قرب 100 دولار للبرميل قد يرفع إيرادات الشركات الأمريكية بنحو 63.4 مليار دولار.
وفي السياق، نقلت صحيفة "تلغراف" البريطانية عن محللي بنك "غولدمان ساكس" أن شركتي "شل" و"بريتيش بتروليوم" قد تحققان أرباحاً إضافية تصل إلى 5 مليارات جنيه إسترليني (6.6 مليارات دولار)، مستفيدتين من ارتفاع أسعار النفط والغاز، رغم تعطل بعض الأنشطة في الخليج.
وفي هذا السياق، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 12 مارس 2026، إن بلاده بوصفها أكبر منتج للنفط عالمياً تستفيد مالياً من ارتفاع الأسعار، في إشارة إلى الوجه الآخر لأزمة أسعار الطاقة بالنسبة للاقتصاد الأمريكي.
هندسة اقتصاد الأزمات
يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد ذكر الله أن "الحرب أعادت رسم خريطة تدفقات الثروة عالمياً، حيث أدى اضطراب الملاحة في مضيق هرمز إلى قفزة حادة في أسعار النفط الخام وتغيير في اتجاهات المنفعة الاقتصادية".
ويوضح لـ"الخليج أونلاين":
- المشهد ينقسم بين خاسرين فوريين كالقوى الآسيوية المعتمدة على إمدادات المضيق، ورابحين من المنتجين خارج منطقة الصراع المستفيدين من ارتفاع الأسعار دون التعرض لمخاطر عسكرية مباشرة.
- الأزمة تسببت في تغييرات بهياكل التوريد، تجلت في تعليق صادرات مشتقات نفطية وارتفاع هوامش تكرير وقود الطيران، مما ألقى بظلاله على كلفة الشحن وسلاسل الإمداد العالمية.
- أرباح شركات النفط الغربية ترتبط بعلاوة المخاطر الجيوسياسية المضافة للأسعار، ما يترجم إلى هوامش ربح أعلى للمنتجين، ويزيد من الفائض التجاري في قطاع الطاقة لبعض القوى الكبرى.
- البنية الهيكلية لأسواق الطاقة تجعل هذه الشركات مستفيدة تلقائياً من الأزمات، في ظل سيناريوهات الركود التضخمي التي ترفع أسهم الطاقة على حساب قطاعات اقتصادية أخرى.
- تراكم أرباح الحروب له تداعيات قاسية، منها إشعال التضخم وتجميد خطط خفض الفائدة، والضغط على السندات مع توجه الاستثمارات نحو الدولار كملاذ آمن.
- ظهور توترات اجتماعية في الدول المعتمدة على واردات الغاز من مناطق النزاع، حيث بدأت حكومات بتقليص أيام العمل واعتماد التعليم عن بعد لمواجهة نقص الإمدادات الحاد.
- هذه الصدمات ستسرع التحول الطاقوي في أوروبا، حيث تعكف بيوت الخبرة على إعادة تقييم الاستثمارات في الطاقة المتجددة وتقليل الاعتماد على الواردات التقليدية لتغيير التحالفات العالمية.
- المرحلة القادمة ستشهد إعادة ترتيب للأولويات المالية وتقلبات في تدفقات رؤوس الأموال، مما قد يؤثر على المشاريع الإنمائية الكبرى المرتبطة بعوائد الطاقة نتيجة شح الموارد.