سياسة وأمن » حروب

بعد حرب إيران.. الدفاع الخليجي يتجه نحو التكامل متعدد الأطراف

في 2026/04/25

يوسف حمود - الخليج أونلاين

شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن في 23 أبريل 2026 اجتماعاً ضم ممثلين عن مجلس التعاون الخليجي والأردن مع مسؤولين أمريكيين في مقر وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون"، حيث ركزت المناقشات على المستجدات الإقليمية وتعزيز الشراكة الدفاعية، ضمن جولة ثانية من المشاورات التي تأتي بعد أسابيع من التصعيد العسكري في المنطقة.

ويعكس هذا الاجتماع انتقال التنسيق من مرحلة إدارة التصعيد إلى إعادة ترتيب الأولويات الدفاعية، خصوصاً في ظل التحديات التي كشفتها الحرب، وعلى رأسها تصاعد تهديدات الطائرات المسيرة والصواريخ قصيرة المدى، وما فرضته من ضغوط مباشرة على أمن الطاقة والممرات الحيوية في الخليج.

وخلال مارس وأبريل 2026، أظهرت التحركات العسكرية والسياسية لدول الخليج اتجاهاً واضحاً نحو تسريع مسارات التسلح والتعاون الدفاعي، عبر شراكات متعددة مع الولايات المتحدة وأوروبا وأوكرانيا، إلى جانب توسيع قدراتها الذاتية في مجالات الدفاع الجوي والتقنيات العسكرية الحديثة.

إعادة تنظيم منظومة الدفاع 

وعكس اجتماع واشنطن الأخير توجهاً أمريكياً لإعادة تفعيل الأطر متعددة الأطراف في التعاون الدفاعي مع دول الخليج، حيث ركزت النقاشات على تعزيز مفهوم الدفاع الجماعي، بعد أن أظهرت الحرب محدودية الاعتماد على القدرات الوطنية المنفردة في مواجهة التهديدات الجوية المعقدة.

وشهد اللقاء مشاركة دبلوماسية وعسكرية رفيعة، من بينها سفيرة السعودية في واشنطن الأميرة ريما بنت بندر، وسفيرة الكويت الشيخة الزين الصباح، وهو ما يعكس الطابع الاستراتيجي للاجتماع، الذي تجاوز التنسيق العسكري المباشر إلى بحث مسارات طويلة الأمد لتعزيز الاستقرار الإقليمي.

كما تناولت المشاورات تطوير آليات تبادل المعلومات الاستخباراتية، وربط أنظمة الدفاع الجوي، بما يسمح بإنشاء شبكة إنذار مبكر إقليمية، قادرة على التعامل مع التهديدات العابرة للحدود، خاصة في ظل الاستخدام المكثف للطائرات المسيرة خلال فترة التصعيد.

ويشير هذا التوجه إلى محاولة بناء مظلة دفاعية متكاملة على مستوى الخليج، بدلاً من الاكتفاء بصفقات تسليح منفصلة، وهو ما يعكس تحولاً في طبيعة التفكير العسكري من الرد التكتيكي إلى التخطيط الاستراتيجي طويل المدى.

أوكرانيا تدخل بقوة  

شهدت الفترة بين أواخر مارس وأبريل 2026 توقيع اتفاقيات دفاعية بين أوكرانيا وعدد من دول الخليج، حيث أعلن الرئيس فولوديمير زيلينسكي عن شراكات تمتد لعشر سنوات مع السعودية وقطر، إلى جانب تفاهمات مع الإمارات، في خطوة تعكس اتجاهاً نحو تنويع مصادر التعاون العسكري.

وتشمل هذه الاتفاقيات تطوير أنظمة مضادة للطائرات المسيرة، ونقل تقنيات الحرب الإلكترونية، وتبادل الخبرات في تشغيل أنظمة القيادة والتحكم، وهي مجالات برزت كأولوية بعد الهجمات التي استهدفت منشآت حيوية في الخليج خلال فترة الحرب.

كما أعلن زيلينسكي (23 أبريل) التوجه نحو تصنيع مشترك للطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، بالتعاون مع دول خليجية، في إطار شراكات تمتد إلى القطاعين العام والخاص، مع التركيز على تطوير البرمجيات وأنظمة التشغيل، وليس فقط إنتاج المعدات العسكرية.

ويعكس هذا التعاون توجهاً خليجياً للاستفادة من الخبرة الأوكرانية في الحروب الحديثة، خاصة في مجال مواجهة المسيرات، التي أصبحت تمثل التهديد الأكثر تأثيراً من حيث الكلفة والقدرة على استهداف البنية التحتية الحيوية.

صفقات أمريكية 

وافقت الولايات المتحدة خلال مارس 2026 على صفقات تسليحية كبيرة مع دول خليجية، حيث بلغت قيمة الصفقة مع الإمارات نحو 8.4 مليارات دولار، وشملت تحديثات لطائرات مقاتلة وأنظمة رادار وصواريخ دقيقة، في إطار تعزيز قدرات الرصد والاعتراض الجوي.

كما وافقت واشنطن على صفقات مع الكويت بقيمة تقارب 8 مليارات دولار، ركزت على أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، بما في ذلك رادارات متطورة وأنظمة مخصصة لرصد الطائرات المسيرة والصواريخ قصيرة المدى، وهو ما يعزز قدرات الإنذار المبكر والاستجابة السريعة.

وفي 12 أبريل 2026، أعلنت الكويت توقيع اتفاق مع شركة "رايثيون" لتوريد منظومة دفاع جوي جديدة تشمل صواريخ أرض–جو متوسطة المدى، وأنظمة قيادة وتحكم متكاملة، في خطوة تهدف إلى سد فجوات ظهرت خلال الهجمات الأخيرة على المنطقة.

وتأتي هذه الصفقات ضمن سياق أوسع من الالتزامات الدفاعية التي أُعلنت خلال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مايو 2025، والتي شملت استثمارات بمئات المليارات، مع تركيز متزايد على أنظمة الدفاع الجوي والتقنيات المرتبطة بمواجهة التهديدات غير التقليدية.

تحركات أوروبية متسارعة  

وشهدت الفترة نفسها تحركات أوروبية متسارعة لدعم القدرات الدفاعية الخليجية، حيث أعلنت بريطانيا توسيع نشر مقاتلات "تايفون" في قطر، في إطار تعزيز القدرة على رصد واعتراض الأهداف الجوية، بالتنسيق مع القوات المحلية والتحالفات العسكرية في المنطقة.

كما أرسلت لندن منظومة "سكاي سيبر" إلى السعودية، وهي منظومة دفاع جوي قصيرة ومتوسطة المدى مخصصة لاعتراض الطائرات والصواريخ والمسيرات، وتستخدم لحماية المنشآت الحيوية ضمن شبكة دفاعية متكاملة.

وفي البحرين، تم دمج قاذفات صواريخ خفيفة متعددة المهام ضمن منظومة الدفاع الجوي، بهدف تعزيز القدرة على التعامل مع الأهداف منخفضة الارتفاع، خاصة الطائرات المسيرة التي شكلت التهديد الأبرز خلال فترة التصعيد العسكري.

كما أعلنت إيطاليا في 5 مارس 2026 استعدادها لتوفير دفاعات جوية لدول الخليج، في خطوة تعكس تزايد الاهتمام الأوروبي بأمن المنطقة، نظراً لأهميتها في إمدادات الطاقة العالمية ووجود مصالح عسكرية ومدنية أوروبية مباشرة فيها.

وإلى جانب التحركات متعددة الأطراف، شهدت الفترة الأخيرة نشاطاً في التعاون الدفاعي الثنائي، حيث بحث أمير قطر الشيخ تميم بن حمد مع وزير الدفاع الإيطالي (23 أبريل) سبل تعزيز التعاون العسكري، في لقاء تناول التطورات الإقليمية وانعكاساتها على أمن المنطقة.

تحول في العقيدة العسكرية

يرى المحلل العسكري محمد المحمودي، أن التحركات الدفاعية الخليجية بعد الحرب "لا يمكن قراءتها كاستجابة ظرفية فقط، بل كتحول في العقيدة العسكرية نفسها".

ويشير إلى أن الأولوية "انتقلت من بناء قدرات تقليدية ثقيلة إلى تطوير أنظمة مرنة قادرة على التعامل مع تهديدات منخفضة الكلفة وعالية التأثير، مثل الطائرات المسيرة والصواريخ قصيرة المدى التي فرضت واقعاً عملياتياً جديداً خلال التصعيد الأخير".

ويؤكد لـ"الخليج أونلاين"، أن تنوع الشراكات العسكرية، سواء مع الولايات المتحدة أو أوروبا أو أوكرانيا، يعكس إدراكاً خليجياً متزايداً لمخاطر الاعتماد على مصدر واحد للتسليح"، مشيراً إلى أن هذا التنوع لا يهدف فقط إلى تنويع الموردين، "بل إلى نقل المعرفة وبناء قدرات محلية في مجالات التصنيع العسكري والتقنيات الدفاعية الحديثة".

كما يؤكد أن التركيز المتزايد على الدفاع الجوي المشترك وتبادل المعلومات الاستخباراتية "يشير إلى بداية تشكل منظومة أمن إقليمي أكثر تكاملاً، حيث لم تعد الحدود السياسية عائقاً أمام التهديدات، ما يستدعي بنية دفاعية مترابطة قادرة على الرصد والاستجابة بشكل جماعي وسريع".

ويشير إلى أن المرحلة المقبلة "ستشهد تصاعداً في الاستثمار في التكنولوجيا الدفاعية، خصوصاً الذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية، إلى جانب تطوير الصناعات العسكرية المحلية"، مؤكداً أن التحدي الحقيقي "لن يكون في حجم الإنفاق، بل في كفاءة توجيهه نحو بناء منظومة دفاع مستدامة وقادرة على التكيف مع طبيعة التهديدات المستقبلية".