سياسة وأمن » حروب

القواعد الأمريكية في الخليج العربي.. بين الحماية والتهديد

في 2026/05/08

رشا جدة (مجلة الفراتس)

"لم يتوقع أحدٌ ذلك، لقد صُدمنا. لم يكن بالحسبان أن يستهدفوا كلَّ هذه الدول الأخرى في الشرق الأوسط".

هذا ما عبّر عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد نحو أسبوعين من انطلاق الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مندهشاً من الضربات الانتقامية الإيرانية التي طالت دولاً في الخليج العربي. غير أن الحرب التي اندلعت يوم 28 فبراير 2026 لم تكن مفاجئةً البتة، فقد سبقتها إرهاصاتٌ متلاحقة. فمرشد إيران الأعلى علي خامنئي حذّر قبل أسابيع من القصف أن الحرب إن اندلعت ستكون إقليميةً، وهو ما حصل. أصبحت القواعد الأمريكية في الخليج أهدافاً رئيسةً لمئات الصواريخ والمسيرات الإيرانية، التي أصابت أيضاً أهدافاً مدنيةً وبنىً تحتيةً على أراضي دولٍ خليجية.

هذه القواعد الأمريكية اندمجت على مدى عقودٍ في معادلة الأمن والسياسة في المنطقة لردع الخصوم، وكانت منصاتٍ لإدارة الحروب وضمانةً أمنيةً تعتمد عليها دول الخليج في مواجهة التهديدات الإقليمية. لكن هذه المعادلة التي بدت مستقرةً أعواماً بدأت تضطرب مع تصاعد التوترات الإقليمية في منطقةٍ شديدة التقلب، وصولاً إلى الحرب. بهذا لم تعد الرواية الرسمية التي تقدِّم القواعد الأمريكية ضمانةً للأمن كافيةً لفهم واقعها الحالي. فبينما تؤكد واشنطن أن وجودها العسكري في الخليج يهدف إلى حماية الاستقرار وردع التهديدات، يكشف المسار العملي أن هذه القواعد أصبحت مع الوقت جزءاً من معادلة التوتر. إذ تحوَّلت القواعد إلى نقاط استهدافٍ ومصادر ضغطٍ سياسيٍ وأمنيٍ على الدول المستضيفة، لتصبح عبئاً متزايداً تتداخل فيه تكلفة الحماية مع مخاطر الانخراط في الصراعات.

منذ الحرب العالمية الثانية بَنَت الولايات المتحدة شبكةً واسعةً من القواعد العسكرية خارج أراضيها، وأصبحت على مدار عقودٍ جزءاً أساساً من أدواتها لإدارة نفوذها عالمياً ودعم عملياتها القتالية. واليوم تحتفظ بنحو سبعمئةٍ وخمسين قاعدةً عسكريةً خارجيةً، موزعةً على نحو ثمانين دولة. وتديرها وزارة الحرب الأمريكية، في إطار ترتيباتٍ ثنائيةٍ مع الدول المضيفة لتحقيق أهدافٍ ثلاثة: سرعة الاستجابة للأزمات، وردع الخصوم، وطمأنة الحلفاء.

وفي منطقة الخليج تحديداً، لم يحضر الأمريكان عسكرياً بغتةً، بل استغرقواً وقتاً في تحولهم من التواجد العسكري المؤقت إلى بنية قواعد دائمةٍ مرتبطةٍ مباشرةً بحسابات الطاقة والحروب الإقليمية.

خلال الحرب العالمية الثانية برزت أهمية النفط الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وقُدِّرت وقتئذٍ الاحتياطيات في البحرين والكويت وقطر والمملكة العربية السعودية والعراق وإيران بما يتراوح من خمسةٍ وعشرين إلى ثلاثمئة مليار برميلٍ من النفط. وفي السعودية وحدها تراوحت التقديرات ما بين خمسةٍ إلى مئة مليار برميل.

ومن بوابة النفط تلك دخلت البحرية الأمريكية منطقة الخليج أول مرةٍ سنة 1944، بعدما استهدفت قاذفاتٌ إيطاليةٌ – إذ كانت من ضمن دول المحور – منشآتٍ نفطيةً أمريكيةً في السعودية والبحرين. وكان الهدف المحوري حماية إمدادات النفط وخطوط الملاحة. في السنة نفسها بدأت واشنطن التفكير في بنيةٍ عسكريةٍ أكثر ثباتاً، وطلبت إقامة منشأةٍ عسكريةٍ جويةٍ في مطار مدينة الظهران بالسعودية. واجه المشروع اعتراضاً من بريطانيا في البداية، التي عدَّت السعودية واقعةً ضمن نطاق نفوذها. ولكن ما لبثت لندن أن قبلت عقب تفاهماتٍ مع واشنطن. وفي أغسطس 1945 وُقِّعت اتفاقية الظهران. ثم في 1946 عادت ملكية المطار بالكامل إلى السيادة السعودية، في حين استمر الوجود العسكري الأمريكي فيه بموجب اتفاقٍ سمح باستخدامه ثلاثة أعوام. وتحول في 1949 إلى اتفاقٍ يجدَّد سنوياً.

بالتوازي، أسست البحرية الأمريكية ما يُعرف بِاسم قوة الشرق الأوسط للدفاع عن مصالح أمريكا، ولتأمين التواجد المستدام في المنطقة أيضاً. فبعد الحرب العالمية الثانية أصبحت منطقةُ الخليج المصدرَ شبه الحصري للوقود الذي تعتمد عليه القوات الأمريكية المنتشرة في البحر المتوسط وغرب المحيط الهادئ. وفي 1950 استأجرت الولايات المتحدة مساحةً صغيرةً داخل قاعدةٍ بريطانيةٍ في البحرين، طُورت في 1966 وسيلةً لإدارة عملياتها مباشرةً، وحولت إحدى سفنها إلى مقر قيادةٍ متكاملٍ يتمركز في حيّ الجفير في البحرين، قاعدةً متحركةً لإدارة العمليات العسكرية في الشرق الأوسط.

مع انسحاب القوات البحرية البريطانية من الخليج العربي سنة 1971، انتقلت واشنطن إلى المواقع التي كانت تشغلها هذه القوات في الجفير، لتبدأ منها تأسيس وجودٍ عسكريٍ خاصٍ بها في المنطقة. ومع تصاعد التوترات الإقليمية في السبعينيات خاصةً بعد حرب 1973 بين مصر وإسرائيل، وبعدها الثورة الإيرانية وغزو الاتحاد السوفييتي أفغانستان سنة 1979، جاء التحول الأبرز في السياسة الأمريكية عبر "عقيدة كارتر" سنة 1980. اشتملت هذه العقيدة على أن أيّ تهديدٍ لتدفق النفط من الخليج يعد تهديداً مباشراً للأمن القومي الأمريكي. وهو ما برز في خطاب حالة الاتحاد حين شدَّد الرئيس الأسبق جيمي كارتر على هذا المبدأ، قائلاً: "أيّ محاولةٍ للسيطرة على الخليج ستواجَه بكلّ الوسائل اللازمة، بما في ذلك القوة العسكرية".

ولم تمضِ سوى ثلاثة أعوامٍ حتى بدأت واشنطن ترجمة هذا التوجه عملياً عبر إعادة تنظيم وجودها البحري في البحرين، وتأسيس القيادة المركزية للقوات البحرية "نافاسينت" لتعزيز حضورها والتأكيد على التزامها أمنَ المنطقة.

وراء هذا التوسع شبكةٌ من المصالح المتداخلة التي قد لا تُختزل في بُعدٍ أمنيٍّ واحد. وهنا يرى المدير السابق لمكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي الأمريكي ستيفن سايمون في حديثه مع الفراتس، أن دول الخليج العربي تمتلك احتياطياتٍ نفطيةً هائلةً حيويةً للاقتصاد العالمي. وأضاف أن الوجود العسكري الأمريكي في الخليج يخدم مصالحه الخاصة ومصالح دول الخليج العربي على حدٍّ سواءٍ، عبر ردع أيّ تهديدٍ قد يستهدف هذا المورد النفطي.

في المقابل، يعرض نائب الرئيس السابق لمركز مكافحة الإرهاب في وكالة المخابرات المركزية بول بيلار، قراءةً مختلفة. فيقول للفراتس إن الوجود العسكري لم يكن موجهاً فقط لردع خصومٍ خارجيين مثل روسيا أو الصين، ولكنه ركز بالأساس على خصومٍ إقليميين، من العراق سابقاً إلى إيران اليوم.

وبحسب بيلار، تجلّى هذا التحول إبان حرب الخليج الثانية (1990–1991)، التي مثلت نقطةً فارقةً في حجم الوجود العسكري الأمريكي وانتشاره في المنطقة. فقد أدّى غزوُ العراقِ الكويتَ إلى إرسال أكبر حشدٍ عسكريٍ أمريكيٍ مع إنشاء قواعد أمريكيةٍ في المنطقة. وبعد الحرب أعادت الولايات المتحدة رسم خريطة قواعدها واتفاقياتها الدفاعية، لتشمل جميع دول مجلس التعاون الخليجي. خاصةً الكويت التي تحولت إلى مركزٍ رئيسٍ للقوات الأمريكية، مع انتشار قواعد جويةٍ وبرّيةٍ ومخازن استراتيجيةٍ للمعدات.

ظلت هذه الترتيبات على وضعها حتى هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، لتصبح بعدها القواعد الأمريكية في الخليج جزءاً من بنية العمليات العسكرية في أفغانستان والعراق، ضمن ما اصطلح على تسميته "الحرب على الإرهاب". صارت المنطقة مسرحَ تشغيلٍ دائمٍ للجيش الأمريكي، أو "حاملةَ طائراتٍ عصيةً على الغرق" بحسب وصف الخبير في الأمن الإقليمي وشؤون الخليج مايكل آيزنشتات في حديثه مع الفراتس. يقول آيزنشتات إن أهمية هذه القواعد تكمن في توفير وجودٍ عسكريٍّ متقدمٍ يمكِّن الولايات المتحدة من بسط نفوذها وقوتها في المنطقة، بطرقٍ لا يتأتّى تحقيقها انطلاقاً من داخل الولايات المتحدة نفسها. وأضاف آيزنشتات الذي خدم ضابطاً مع القيادة العسكرية الأمريكية في العراق، إن دول الخليج توافق على استضافة هذه القواعد إيماناً بأنها توفر الأمن والحماية من التهديدات الإقليمية، وفي مقدمتها إيران.    

هذا التنوع في أدوار الوجود العسكري في الخليج أعاد تشكيل القواعد شبكةً متنوعةً تختلف في طبيعتها ووظائفها وأدوارها ما بين الدعم التمكيني والقيادة والعمليات القتالية.

طيلة عقودٍ أبقت الولايات المتحدة عشرات الآلاف من جنودها في الشرق الأوسط، موزعين بين قواعد في الخليج العربي ومحيطه. ومع هذا الانتشار، يظل عدد القواعد الأمريكية الدائمة في الشرق الأوسط محدوداً نسبياً، مقابل حضورٍ عسكريٍ يتسم بالمرونة والتغير. اليوم هناك ثماني قواعد ثابتةٍ يتمركز فيها الجنود دوماً، إلى جانب أحد عشر موقعاً آخر يصفها الخبير في الأمن الإقليمي وشؤون الخليج مايكل آيزنشتات بأنها مواقع أقلّ ديمومةً أو أصغر حجماً، تُستخدم لأغراضٍ تشغيليةٍ أو تمكينيةٍ دون وجودٍ دائم.

كانت حرب الخليج الثانية سبباً مباشراً في إنشاء قاعدةٍ عسكريةٍ رئيسةٍ كبيرةٍ داخل السعودية، هي قاعدة الأمير سلطان الجوية. شُيِّدت القاعدة خلال خمسة أشهرٍ فقط بقيمةٍ تزيد على أربعة عشر مليون دولار في حينه، وتحولت فوراً إلى نقطة انطلاقٍ رئيسةٍ للغارات الجوية التي استهدفت قوات صدام حسين في العراق والكويت أوائل سنة 1991. وبلغ الوجود الأمريكي ذروته خلال هذه الحرب بتمركز نحو خمسمئة وخمسين ألف جندي من قوات التحالف في صحراء السعودية.

استضافت القاعدة طائراتٍ مقاتلةً متطورةً مثل "إف - 15" و"إف - 16" وهي طائراتٌ حربيةٌ تُستخدم لتنفيذ الضربات الجوية، إلى جانب طائرات الإنذار المبكر "أواكس" المزودة بأنظمة استشعارٍ متقدمةٍ تُستخدم لرصد الأهداف وتوجيه العمليات الجوية. وعن الأهمية الاستراتيجية للقاعدة قال آيزنشتات إنها تُصنف قاعدةً عملياتيةً، ضمت مركز العمليات الجوية المشتركة، والتي تستخدم لشنِّ ضرباتٍ عسكريةٍ في المنطقة.

بعد انتهاء الحرب وتحرير الكويت في 1991 لم تُغلق القاعدة، بل دخلت مرحلةً جديدة. ففي الفترة ما بين 1991 و2003، أصبحت مركزاً لفرض حظر الطيران فوق جنوب العراق بزعم حماية المسلمين الشيعة من هجمات قوات صدام حسين. وخلال تلك الفترة توسعت القاعدة كثيراً، فوصلت في أواخر التسعينيات إلى ذروة نشاطها لتضم حوالي أربعة آلافٍ وخمسمئة جنديٍ أمريكيٍ، إلى جانب قواتٍ بريطانيةٍ وفرنسيةٍ موزعةً على نحو سبعمئة مبنىً في قلب الصحراء.

ومع انحسار الحرب في العراق وتصاعد المعارضة الشعبية في السعودية الوجودَ العسكري الأمريكي، بدأ تقليص الوجود الأمريكي شيئاً فشيئاً، خاصةً بعد استهداف جنودٍ أمريكيين مرّتين متتاليتين. ففي 1995 أسفر انفجار سيارةٍ مفخخةٍ في العاصمة الرياض عن مقتل سبعة أشخاصٍ، بينهم خمسة جنودٍ أمريكيين. وفي يونيو 1996 قُتل تسعة عشر جندياً أمريكياً وأُصيب نحو ثلاثمئةٍ آخرين بجروحٍ بسبب انفجار قنبلةٍ خارج أبراج الخُبَر، وهو مجمعٌ سكنيٌ بالقرب من مدينة الظهران. بعد ذلك، نقلت الولايات المتحدة مركز عملياتها الجوية الرئيس في الشرق الأوسط من قاعدة الأمير سلطان بالمملكة العربية السعودية إلى قطر. قبل أن تعيد افتتاح القاعدة مرةً أخرى في 2019، استجابة لتصاعد التوترات مع إيران.

كانت قطر قد أنشأت قاعدة العديد الجوية في 1996 جنوب غرب الدوحة بتكلفةٍ تجاوزت مليار دولارٍ، بعد اتفاقية التعاون الدفاعي التي وقعتها مع الولايات المتحدة. لم يكن للدوحة حينئذٍ قوةٌ جويةٌ، لكنها أرادت تشجيع الجيش الأمريكي على اتخاذها قاعدةً لطائراته، حسبما أوردت صحيفة نيويورك تايمز في أبريل 2003. وبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، استخدمت الولايات المتحدة قاعدة العديد سراً لتمركز طائرات سلاح الجو، تمهيداً للحرب على حركة طالبان في أفغانستان. 

جاء الكشف عن القاعدة عندما توقف فيها ديك تشيني، نائب الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش، خلال رحلةٍ إلى المنطقة رفقة مجموعةٍ من الصحفيين في مارس 2002. وتضم قاعدة العديد اليوم حوالي عشرة آلاف جنديٍ، ويصفها آيزنشتات بأنها قاعدةٌ عملياتيةٌ، علاوةً على أنها مقرّ قيادةٍ للقوات الأمريكية تضم المقر المتقدم للقيادة المركزية الأمريكية.

في مقابل قاعدة العديد، حافظ الجيش الأمريكي طيلة أعوامٍ على درجةٍ من الغموض حول قاعدة الظفرة الواقعة جنوب العاصمة الإماراتية أبوظبي. وكان يشير إليها قاعدةً في جنوب غرب آسيا. تستضيف القاعدة عادةً حوالي ألفَيْ جنديٍ أمريكيٍ، وكانت بمثابة قاعدة عملياتٍ رئيسةٍ للطائرات المسيَّرة المسلَّحة ومقاتلات "إف-35" في السنوات الأخيرة، القادرة على تفادي أنظمة الرصد وتنفيذ ضرباتٍ دقيقة.

وتحولت البحرين بعد حرب الخليج الثانية مركزاً لتوسيع الوجود الأمريكي في المنطقة وإدارته أيضاً. ففي 1995 أعادت الولايات المتحدة تفعيل الأسطول الخامس وقيادة القوات البحرية المركزية، وهما الجهتان المسؤولتان عن إدارة العمليات البحرية الأمريكية في المنطقة. تتولى هذه القيادةُ الإشرافَ على السفن التي تُرسل دورياً من الولايات المتحدة، سواءً من أسطول المحيط الهادئ أو الأطلسي، إلى جانب عددٍ من السفن التي تبقى متمركزةً في الخليج مدداً أطول. وفي فبراير 2002، أنشأت واشنطن قيادة "القوات البحرية المشتركة" بهدف تنسيق العمليات بين القوات البحرية الأمريكية وقوات الدول الحليفة في المنطقة.

ويتولى مقر قيادة الأسطول الخامس في حيّ الجفير بالبحرين إدارة العمليات البحرية عبر مساحةٍ تغطي ما يقرب من مليونين ونصف المليون ميلٍ مربعٍ من المياه. وتضم منطقة عملياته إحدى وعشرين دولةً، بما في ذلك ثلاث نقاط اختناقٍ حيويةٌ في مضيق هرمز وقناة السويس ومضيق باب المندب في الطرف الجنوبي من اليمن. كذلك يشمل نطاقُ مسؤوليته الخليجَ والبحر الأحمر وبحر العرب وأجزاءً من المحيط الهندي. 

وفي معادلة الوجود العسكري الأمريكي في دول الخليج، تعدّ الكويت مركزاً إسنادياً. إذ تستضيف معسكر "عريفجان"، وهو مقر قيادة القوات البرية الأمريكية في الشرق الأوسط، والمسؤول عن إدارة العمليات البرية وتوفير الدعم التمكيني وحماية القوات. وفي هذا السياق يعرِّف ستيفن سايمون القاعدة التمكينية (أو اللوجستية) بأنها منشأةٌ لتخزين المعدات والذخائر والوقود. وأضاف للفراتس أن القواعد التمكينية تختلف عن القواعد العملياتية أو قواعد الانطلاق أو التمركز، والتي تعدّ في الغالب قواعد جويةً تنطلق منها الطائرات الهجومية لتنفيذ مهامها.

وحسب المتحدث، يُعد الجناح الجوي الاستكشافي في قاعدة علي السالم الجوية بالكويت المركز الرئيس للنقل الجوي وبوابة إيصال القوة القتالية إلى القوات المشتركة وقوات التحالف ضمن منطقة عمليات القيادة المركزية. وتشمل قدرات القوات الجوية الأمريكية في الكويت طائرات استطلاعٍ دون طيارٍ، من بينها مسيّرة "إم كيو - 9 ريبر"  التي تُستخدم للمراقبة وجمع المعلومات ويمكن تسليحها لتنفيذ ضرباتٍ دقيقةٍ، إضافةً إلى قدرات نقلٍ جويٍّ قتاليّ. كذلك يقع أكبر مركزٍ تمكينيٍ جوّيٍ أمريكيٍ في المنطقة في مطار الكويت الدولي.

على أن اختلاف القواعد في منطقة الخليج العربي من حيث الأدوار يتجاوز الدور العسكري المباشر لتصبح أدواتٍ فاعلةً في صياغة السياسات الإقليمية، وإدارة التوازنات بين القوى المختلفة في المنطقة. وبهذا تشكل عنصراً أساساً ضمن حسابات الدول المستضيفة التي تراهن عليها في تعزيز أمنها ومكانتها الإقليمية. 

مع انتهاء حرب الخليج الثانية وتعزيز الولايات المتحدة تعاونها العسكري مع قطر وإنشائها قاعدة العديد الجوية، تحولت قطر بمرِّ السنين من دولةٍ تميل إلى تجنب الصدام مع جيرانها إلى فاعلٍ إقليميٍ أكثر استقلالية. وذلك بعدما كانت الدوحة سمحت منذ استقلالها سنة 1971 بنفوذٍ سعوديٍ على سياستها الخارجية، ما بدا نوعاً من الحماية غير المباشرة. وقد شكل الوجود الأمريكي مظلة ردعٍ جعلت أيّ تهديدٍ عسكريٍ محتملٍ لقطر من دول الجوار محفوفاً بمخاطر الاصطدام بالمصالح الأمريكية.

وقد بان أثر هذه المظلة إبان التوترات القطرية مع السعودية في التسعينيات. وبرز في اشتباكاتٍ حدوديةٍ سنة 1992 حول معبر الخفوس الحدودي، واتهاماتٍ متبادلةٍ بين الرياض والدوحة بالتدخل في الشؤون الداخلية لكلا البلدين، وتباين المواقف في أزماتٍ إقليميةٍ مثل الحرب الأهلية في اليمن 1994.

بعد التهدئة بين البلدين خلال العقد الأول من الألفية، توترت العلاقات مرةً أخرى جراء دعم قطر حركات الإسلام السياسي خلال ثورات الربيع العربي، ومن ثم دعمها الرئيس المصري السابق محمد مرسي المنتمي لحركة الإخوان المسلمين. وفي مارس 2014، استدعت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين سفراءها من قطر بسبب هذا الخلاف. وبعد ثمانية أشهر استؤنفت العلاقات الدبلوماسية مرةً أخرى.

سرعان ما اكتسب الوجود الأمريكي في قاعدة العديد بقطر أهميةً إقليميةً خاصةً مع تصاعد الخلاف بين قطر  من ناحيةٍ وبين مصر والسعودية والإمارات والبحرين من ناحيةٍ أخرى. فقد قطعت الدول الأربعة  العلاقات الدبلوماسية والروابط البحرية والجوية مع قطر في الفترة من 2017 وحتى 2021، متهمةً إياها بدعم ما وصفته بالجماعات الإرهابية، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، والجماعات التي تدعمها إيران في منطقة القطيف شرقي المملكة العربية السعودية. وأدت العقوبات التي فرضتها تلك الدول إلى تعطيل واردات المواد الغذائية التي تعتمد قطر عليها من السعودية والإمارات.

بالمقابل، أكدت واشنطن على التعاون الدفاعي المشترك مع قطر والعمل لردع التهديدات الخارجية لوحدة الأراضي القطرية ومجابهتها. كذلك حرصت على الحفاظ على استمرارية عملياتها العسكرية في قاعدة العديد الجوية، التي عدتها مركزاً رئيساً للعمليات ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في العراق وسوريا. وقد عبَّرت واشنطن في الوقت ذاته عن تقديرها الدور القطري في دعم الوجود العسكري الأمريكي.

وحول دور القواعد العسكرية الأمريكية في الخارج، نشرت مؤسسة "راند" تقريراً في 2013، خلص إلى أنها تؤدي مجموعةً من الأدوار المتشابكة في الاستراتيجية الأمنية. وذكر أن القواعد الأمريكية في الخارج تعزز القدرة على الاستجابة السريعة للأزمات، خاصةً في مراحلها الأولى. ويتيح هذا الوجود الوصول إلى قواعد يمكن من خلالها تقديم دعمٍ جويٍ مباشرٍ ويعزز مرونة التحرك عبر الانتشار البحري، إلى جانب دوره في تطوير التعاون الأمني مع الشركاء ورفع قدراتهم العسكرية. وفي الوقت نفسه، أوضح التقرير أن هذا الانتشار يظل مرتبطاً بحساباتٍ معقدةٍ تشمل التكاليف الثابتة والمتغيرة، والمخاطر المرتبطة بالتمركز في الخارج، خاصةً في المناطق ذات الحساسية السياسية لدى الدول المُضيفة.

أضاف التقرير أن القواعد الأمريكية تخلق علاقة اعتمادٍ متبادلٍ مع الدول المستضيفة التي تستفيد من المظلة الأمنية والدعم العسكري. فإلى جانب كونها جزءاً من استراتيجيةٍ أوسع لفرض النفوذ وإدارة التوازنات الإقليمية، فهي أيضاً تسهم في ردع الخصوم وطمأنة الحلفاء بالدول المستضيفة.

وفي هذا السياق أرجع المسؤول السابق في الاستخبارات بول بيلار في حديثه مع الفراتس قبول دول الخليج العربية استضافة القواعد الأمريكية على أراضيها إلى ما وصفه بالضمانة والحماية الأمنية الأمريكية لتلك الدول من تدخلاتٍ عسكريةٍ من جيرانها. وقد عَدّ نشر قواتٍ أمريكيةٍ وطائراتٍ وأنظمة دفاعٍ صاروخيٍ متقدمةٍ في دول الخليج يوحي بأن أيّ هجومٍ على هذه الدول يُعَدّ هجوماً على الولايات المتحدة نفسها.

في المقابل، يظل هذا الحضور مع ما يوفره من مزايا استراتيجيةٍ محكوماً بحساباتٍ أكثر تعقيداً، مرتبطةٍ بشبكةٍ من الالتزامات والتكاليف وتقاسم الأعباء بين واشنطن والدولة المستضيفة، تؤثر جميعها في كيفية إدارته واستمراره.

بينما تتحمل واشنطن تكاليف التشغيل العسكري المباشر، تساهم الدول المستضيفة في تمويل البنية التحتية وتقديم تسهيلاتٍ إمداديةٍ، وأحياناً دعم هذا الوجود عبر صفقات تسليحٍ أو شراكاتٍ اقتصادية. وتُقدر تكلفة تشغيل مجمل القواعد العسكرية الأمريكية حول العالم وصيانتها بنحو خمسةٍ وخمسين مليار دولارٍ سنوياً، ترتفع إلى حوالي ثمانين مليار دولارٍ عند احتساب تكاليف تمركز الأفراد. وقد أنفقت الولايات المتحدة ما بين 70 و182 مليار دولارٍ على بناء هذه القواعد وتوسيعها خلال الفترة من 2000 إلى 2021، حسب تقريرٍ لمؤسسة كوينسي البحثية والمختصة بالسياسة الخارجية الأمريكية والأمن نُشر سنة 2021.

يضيف التقرير أن الدول المضيفة تساهم في تكاليف القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها سواءً من خلال مدفوعاتٍ ماليةٍ مباشرةٍ، أو عبر توفير خدماتٍ ومزايا عينيةٍ مثل الأراضي والبنية التحتية والإعفاءات الضريبية. وهذا ضمن ترتيباتٍ أوسع لتقاسم الأعباء مع الولايات المتحدة.

ويختلف شكل تقاسم تكاليف القواعد بين الولايات المتحدة والدول المضيفة من دولةٍ لأخرى ومن منطقةٍ لأخرى. فوفقاً لتقرير مؤسسة راند بعنوان "أوفرسيز بيستغ [. . .]" (القواعد العسكرية الأمريكية في الخارج) نُشر سنة 2013، فإنه في سنة 2002 تحملت الكويت نحو 58 بالمئة من إجماليّ تكاليف الوجود الأمريكي فيها. بالتوازي غطّت قطر 61 بالمئة من الكلفة والسعودية 65 بالمئة منها، في مقابل 33 بالمئة تحملتها ألمانيا و27 بالمئة تحملتها بريطانيا.

تبيِّن راند أن التكاليف والنسب والأرقام تغيرت على مدار الأعوام، ولم تصدر بياناتٌ جديدةٌ بشأنها. وهو ما أكدته للفراتس كذلك الخبيرة في الميزانية الفيدرالية ومديرة البرامج في مشروع الأولويات الوطنية، ليندسي كوشغاريان. إذ ترى أنه لا تتوافر حالياً سوى معلوماتٍ محدودةٍ للغاية بشأن تقاسم التكاليف ومساهمات الدول المضيفة بشأن القواعد والعمليات العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج. وتضيف أنه في الوقت نفسه فإن لدى الولايات المتحدة نحو سبعمئةٍ وخمسين منشأةً عسكريةً حول العالم، بتكلفةٍ تتراوح ما بين خمسين إلى سبعين مليار دولارٍ سنوياً. وتقول: "الولايات المتحدة تنفق على قواعدها العسكرية المنتشرة في الخارج مبالغ تفوق ما تنفقه معظم الدول على جيوشها بأكملها".

ولا ينفصل هذا التقاسم المالي عن التوترات السياسية، خاصةً وسط تصاعد الجدل داخل الولايات المتحدة فيما إذا كانت الدول الحليفة تتحمل حقيقةً نصيبها العادل من هذه الأعباء. انعكس هذا بدايةً في خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سنة 2017، أثناء ولايته الأولى، حين أشار صراحةً إلى أن المملكة العربية السعودية لا تعامل بلاده بإنصاف. وقد اعتبر أن الولايات المتحدة تتحمل أعباءً ماليةً كبيرةً في الدفاع عن المملكة، في امتدادٍ مباشرٍ لخطابه الانتخابي حينها، والذي شدّد فيه على أن الرياض لا تتحمل نصيبها العادل من تكلفة المظلة الأمنية الأمريكية. رفض وزير الخارجية السعودي آنذاك عادل الجبير هذه الطروحات، مؤكداً أن المملكة تتحمل كامل التزاماتها حليفاً.

بعد أربعة أشهرٍ فقط من الخطاب، وقّعت السعودية صفقة أسلحةٍ مع الولايات المتحدة بحوالي مئةٍ وعشرة مليارات دولارٍ أمريكي. وهنا يرى الخبير في الأمن الإقليمي مايكل آيزنشتات في حديثه معنا أن الالتزام السعودي بإبرام صفقات أسلحةٍ ضخمةٍ وتنفيذ استثماراتٍ واسعة النطاق في الولايات المتحدة منذئذٍ كان بمثابة محاولةٍ لتهدئة انتقادات الرئيس ترامب.

أما ليندسي كوشغاريان، فترى أن المملكة العربية السعودية أكبر زبونٍ للمبيعات العسكرية الخارجية الأمريكية. وقالت إن العلاقة العسكرية بين السعودية والولايات المتحدة تتسم بالقوة، وتشتري المملكة الأسلحة الأمريكية وتتلقى التدريب العسكري الأمريكي، وتشارك في مناوراتٍ عسكريةٍ مع القوات الأمريكية. وأردفت أن الولايات المتحدة نشرت مؤخراً (منذ حرب إيران سنة 2026) نحو ألفي جندي، بالإضافة إلى أنظمة اعتراضٍ صاروخيةٍ من طرازَيْ ثاد وباتريوت في قاعدة الأمير سلطان الجوية.

خطاب ترامب حول ضرورة تحمّل دول الخليج تكلفة الحماية التي توفرها القواعد الأمريكية لها انعكس عملياً في 2020، إذ دفعت السعودية نحو خمسمئة مليون دولارٍ للمساعدة في تغطية تكلفة القوات المتمركزة لديها. وفي الحالة القطرية اتخذت العلاقة مساراً مختلفاً، تمثل بالاستمرار بتطوير قاعدة العديد. فقد وقّعت قطر ووزارة الدفاع الأمريكية في 2019 مذكرة تفاهمٍ لدعم الأنشطة الأمريكية في القاعدة، بهدف إضفاء طابعٍ رسميٍ على التزامها بتكاليف الإدامة والبنية التحتية. وواصلت الدوحة هذا النهج بأن أنفقت منذ توقيع التفاهم ما لا يقلّ عن ثمانية مليارات دولارٍ على تطوير مرافق القاعدة، وهو ما دفع الولايات المتحدة سنة 2024 إلى الإشادة بهذا الأمر.

ويبدو أن نمط تقاسم الأعباء ما عاد محصوراً على دول الخليج، بل يمتد إلى مناطق أخرى حول العالم. تقول كوشغاريان إن أكبر القواعد العسكرية الأمريكية تتركز في ألمانيا وكوريا الجنوبية واليابان، حيث تساهم تلك الدول أيضاً في تغطية التكاليف. كذلك تدير الولايات المتحدة إحدى عشرة حاملة طائراتٍ حول العالم. 

لذا ترى كوشغاريان أن الولايات المتحدة لا تزال تتحمل العبء المالي الأكبر لهذه القواعد والعمليات، معتبرةً أن هذه الترتيبات مدفوعةٌ إلى حدٍّ كبيرٍ بما تعدّه واشنطن مصالحها الاستراتيجية، وهو ما يدفعها إلى إبداء استعدادٍ واسعٍ وتحمّل تكاليفها.

غير أن هذا التقدير لا يحظى بإجماعٍ، فيشير المسؤول السابق في الاستخبارات بول بيلار إلى أن دول الخليج تميل في حالاتٍ كثيرةٍ إلى تحمّل جزءٍ معتبرٍ من العبء المادي مقارنةً بغيرها. ويوضح أن هذه الدول توفر الأرض والمرافق وغالباً الوقود لتشغيل القواعد دون مقابل، في حين تواصل الولايات المتحدة تحمل نفقاتها العسكرية الأساسية، مثل رواتب الأفراد. ولفت بيلار إلى أن تحديد الجهة التي تتحمل النصيب الأكبر يظل رهيناً بطبيعة استخدام كلّ قاعدة.

وإن كان تقاسم التكاليف عبئاً، فمجريات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كشفت عن ثمنٍ آخر لوجود القواعد الأمريكية في دولٍ خليجيةٍ، وهو أن أصبحت هذه الدول في دائرة الاستهداف الإيراني المباشر.                                        

على مدار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أطلقت إيران مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة على دول الخليج، متذرعةً بإتاحة تلك الدول أراضيها منطلقاً للهجمات الأمريكية. ومع أن معظم دول الخليج نَفَت ذلك ورفضت علناً السماح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي في عمليات عسكرية ضد إيران، برّرت إيران هجماتها على دول الخليج بمنطق استهداف القواعد العسكرية الأمريكية هناك، لا استهداف سيادة تلك الدول. 

اعتبر علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، أن القواعد الأمريكية في المنطقة تُعد أرضاً أمريكية، وليست تابعةً للدول التي تستضيفها. وفي السياق نفسه، شدّد الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان على هذا التمييز، معتذراً لدول الخليج عن الضربات التي طالت أراضيها ومؤكداً في الوقت ذاته أن إيران لم تستهدف أيّاً من جيرانها.

لكن الضربات لم تقتصر على منشآتٍ عسكريةٍ، بل امتدت لتصيب أهدافاً مدنية، وفق ما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز. وقد تسببت في مقتل ما لا يقلّ عن خمسةٍ وعشرين مدنياً وإصابة أكثر من مئتي شخص. وتضاعف هذا الخطر مع اضطرار عدة قطعاتٍ من القوات الأمريكية إلى الانتقال من قواعدها إلى مواقع مدنيةٍ، مثل الفنادق والمكاتب في أنحاء المنطقة. ومع دعوة الحرس الثوري الإيراني المواطنين للإبلاغ عن هذه المواقع الجديدة من أجل تعقّبها.

يضاف لذلك حقيقة أن القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط تعتمد على اتفاقياتٍ ثنائيةٍ مع الدول المضيفة، وهو ما يمنح هذه الدول دوراً في تحديد استخدام تلك القواعد، خاصةً في أوقات النزاع. وفي هذا الإطار يوضح  المسؤول السابق بمجلس الأمن القومي الأمريكي ستيفن سايمون، أن الدول المضيفة تمتلك فعلياً حق الاعتراض على كيفية استخدام الولايات المتحدة قواعدها داخل أراضيها. وهو ما يقوله للفراتس أيضاً الخبير في شؤون الأمن مايكل آيزنشتات، "الدول المضيفة تحتفظ بسيطرةٍ فعليةٍ على كيفية استخدام هذه القواعد". وقد شدّد على أن الولايات المتحدة لم تنفذ أي عمليات انطلاقاً منها دون موافقةٍ مسبقةٍ من هذه الدول.

هذا على الرغم أن الدولة المستضيفة أحياناً بررت انخراطها في العمليات العسكرية لارتباطها باتفاقاتٍ مع الولايات المتحدة على أراضيها. فقد أعلنت الولايات المتحدة مشاركة عدّة دولٍ، من ضمنها البحرين، في التحالف الدولي في البحر الأحمر للتصدي لهجمات الحوثيين، التي استهدفت سفناً مرتبطةً بإسرائيل ودولٍ داعمةٍ لها. لتكون البحرين الدولة العربية الوحيدة المشارِكة إلى جانب نحو عشرين دولةً غربية. وقد عُزيت مشاركة المنامة إلى استضافتها الأسطول الخامس الأمريكي وقيادة القوات البحرية المشتركة، إلى جانب قوة المهام المشتركة 153 وهي قوةٌ بحريةٌ لتأمين الملاحة في البحر الأحمر.

في المقابل، وفي ظل حرب إيران، لم تكشف أيّ تقارير رسميةٍ عن انطلاق هجماتٍ على إيران من القواعد الأمريكية في الخليج، إلا مقاطع فيديو نشرت إحداها صحيفة نيويورك تايمز، وقد أظهر هجومٌ من البحرين باتجاه إيران في ما يبدو أنه أول مؤشرٍ على هجومٍ انطلق من دولةٍ خليجية. وكذلك عرضت قناة فرنسا 24 مطلع أبريل 2026 ما قالت أنه انطلاق صواريخ أرض أرض أمريكيةٍ من طراز "هايمارس" من الأراضي الكويتية باتجاه إيران.

وهنا يلفت بول بيلار إلى أنه في الساعات الأولى من الحرب استخدمت الولايات المتحدة صواريخ دقيقةً من طراز "بريسيشن سترايك" و"أيه تي أيه سي إم إس" لاستهداف مواقع بحريةٍ إيرانية. وأوضح أن هذه الصواريخ لا يمكن إطلاقها إلا من منصاتٍ أرضيةٍ، وهو ما يرجح أنها أُطلقت من  إحدى دول الخليج العربية بالنظر إلى مداها ومواقع الأهداف، على عكس عدم إعلان واشنطن عن ذلك رسمياً.

في المقابل، إلى جانب الانتهاك والخسائر البشرية، تكبدت دول الخليج العربي تكلفةً اقتصاديةً مرتفعةً نتيجة هذه الحرب، واضطرت إلى استخدام جزءٍ كبيرٍ من مخزوناتها من الصواريخ الاعتراضية. استهلكت البحرين مثلاً نحو 87 بالمئة من صواريخ باتريوت للدفاع الجوي. فيما استخدمت الإمارات والكويت نحو 75 بالمئة، وقطر نحو 44 بالمئة من هذا المخزون. 

وتتفاقم هذه الخسائر في الوقت الذي يكلف ثمن تصنيع المسيَّرة الإيرانية من طراز "شاهد - 136" بين خمسين ومئة ألف دولارٍ، بينما يكلف ثمن الصاروخ الاعتراضي الواحد من طراز "باك - 3"، و يطلق ضمن منظومة باتريوت، نحو أربعة ملايين دولار. لذا يرى بيلار أن الحرب الأمريكية على إيران شكلت صدمةً لدول الخليج، وجعلت الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها يبدو في نظر بعض هذه الدول عبئاً أكثر منه عنصر حماية.

يضيف بيلار لنا أن هذه الدول كانت لديها بالفعل شكوكٌ سابقةٌ بشأن مستوى الدعم الأمني الأمريكي الذي يمكن أن تعتمد عليه، حتى قبل اندلاع الحرب. وأشار إلى أن إدارة ترامب خلال ولايته الأولى، لم تردَّ على الهجوم الإيراني الذي استهدف منشأةً تابعةً لشركة "أرامكو" السعودية سنة 2019، ولم تتدخل في 2025 لمنع هجومٍ إسرائيليٍ على الأراضي القطرية. ويرى بيلار أن هذه الشكوك تعمقت بوضوحٍ مع تصاعد الهجمات الإيرانية التي طالت أهدافاً داخل دول الخليج.

ولفت إلى أن إيران التي اتبعت في السنوات الأخيرة سياسة تهدئةٍ نسبيةٍ مع جيرانها الخليجيين تحاول التمييز بين بينهم وبين الوجود العسكري الأمريكي على أراضيهم، معتبرةً أن خلافها الأساس ليس مع دول الخليج بالتحديد بل مع هذا الوجود. وأوضح بيلار أن طهران لوَّحت بإمكانية وقف هجماتها في المنطقة إذا لم تُستخدم أراضي دول الخليج نقطة انطلاقٍ لعملياتٍ أمريكية. وخلص إلى أن الوجود العسكري الأمريكي، الذي يُفترض أن يوفر الحماية، يجعل هذه الدول في نظر إيران أهدافاً مباشرةً بدلاً من أن يكون ضماناً لأمنها.

ومع التشكيك في جدوى الضمانات الأمنية بالنسبة لدول الخليج، تواصلت البحرين والإمارات العربية المتحدة والأردن والكويت وقطر والمملكة العربية السعودية مع أوكرانيا، الدولة التي تمتلك خبرةً في التصدي للطائرات المسيّرة الروسية المصممة على غرار الطائرات الإيرانية. وحصلت الإمارات على مساعدةٍ من فرنسا، من خلال نشر طائرات "رافال"، وهي مقاتلاتٌ فرنسيةٌ متطورةٌ متعددة المهام تُستخدم في الدفاع الجوي وتنفيذ الضربات، لحماية قواعدها البحرية والجوية من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية.

مع ذلك يعتقد مايكل آيزنشتات أن أهمية القواعد الأمريكية عند دول الخليج مرشحةٌ للتزايد مستقبلاً، باعتبارها أحد أبرز أدوات الردع والدفاع في مواجهة إيران. ويشير إلى أن دولاً مثل الإمارات والسعودية وقطر لم تسمح باستخدام قواعدها لشنّ هجماتٍ على إيران، ومع ذلك تلقّت هجماتٍ، ما يعكس أن هذه القواعد تظلّ عنصر حمايةٍ ضرورياً. ويتقاطع هذا الطرح مع ما يذهب إليه ستيفن سايمون، إذ يرى أن بعض دول الخليج تعدّ مزايا الوجود العسكري الأمريكي تفوق الأضرار التي لحقت بها.

ومن جانبها، تقول الخبيرة في الميزانية الفيدرالية ليندسي كوشغاريان، إن وجود هذه القواعد يمنح القادة الأمريكيين هامشاً واسعاً لشنّ حروبٍ دون مبرراتٍ أخلاقيةٍ أو قانونيةٍ واضحةٍ، وفي غياب تهديدٍ مباشرٍ للولايات المتحدة. وتضيف أن هذا النهج لا يخدم المصالح الأمريكية ولا ينعكس إيجاباً على المواطنين، بل يؤدي إلى استنزاف الموارد العامة التي كان من الممكن توجيهها لتلبية الاحتياجات الداخلية. وتؤكد أن القواعد الأمريكية في دول الخليج على وجه الخصوص تسهم حالياً في دفع المنطقة نحو حربٍ اختياريةٍ كان بالإمكان تفاديها.

شهد الوجود الأمريكي في الخليج تحولاتٍ متتالية. بدأ بتواجدٍ مؤقتٍ لحماية تدفقات النفط في أربعينيات القرن الماضي، وتطور إلى حضورٍ أكثر استدامةً خلال الحرب الباردة، قبل أن يتحول إلى بنيةٍ عسكريةٍ متكاملةٍ تُستخدم في إدارة الحروب والصراعات الإقليمية. ولم يعكس هذا التطور تغير الاستراتيجية الأمريكية فقط، بل عَكَسَ أيضاً طبيعة العلاقة مع دول الخليج التي ارتبط أمنها ضمنياً باستمرار هذا الوجود. وجاء اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران نقطة تحولٍ جديدةً، وأصبحت القواعد الأمريكية هدفاً مباشراً للهجمات، وألحقت ضرراً بدول الخليج وخسائر بشريةٍ وأمنيةٍ، إلى جانب أعباء اقتصاديةٍ كبيرة. وقد أعاد ذلك فتح نقاشاتٍ أوسع حول جدوى تلك القواعد ومستقبلها في دول الخليج وتحولها من فائدةٍ إلى عبء.