في 2026/05/20
يوسف حمود - الخليج أونلاين
أعادت الهجمات التي تعرضت لها السعودية والإمارات، في 17 مايو 2026، ملف الطائرات المسيّرة إلى واجهة المشهد الأمني الخليجي، بعدما أعلنت الرياض اعتراض 3 مسيرات دخلت المجال الجوي للمملكة من جهة العراق، فيما أعلنت أبوظبي التعامل مع 3 مسيرات دخلت البلاد من جهة الغرب.
وجاءت هذه التطورات بعد أشهر من الهجمات التي طالت دول الخليج منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" وإيران، في 28 فبراير 2026، حيث شهدت المنطقة موجات من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت منشآت حيوية ومواقع عسكرية ومرافق طاقة ومطارات في أكثر من دولة خليجية.
وتكشف البيانات العسكرية والتقارير الأمنية، خلال السنوات الأخيرة، أن المسيّرات أصبحت جزءاً رئيسياً من التهديدات الحديثة في المنطقة، مع توسع استخدامها من قبل الجيوش النظامية والجماعات المسلحة، إلى جانب تطور قدراتها في المدى والطيران المنخفض والدقة وإمكانية تنفيذ هجمات جماعية أو متزامنة.
هجمات مايو
آخر الهجمات جاءت حين أعلنت وزارة الدفاع السعودية، مساء الأحد 17 مايو 2026، أن الدفاعات الجوية اعترضت ودمرت 3 طائرات مسيرة دخلت المجال الجوي للمملكة قادمة من جهة العراق.
وقال المتحدث باسم الوزارة اللواء الركن تركي المالكي إن القوات المسلحة تعاملت مع التهديد فور دخوله الأجواء السعودية، مؤكداً جاهزية المنظومات الدفاعية للتعامل مع أي تهديد يستهدف سيادة المملكة.
وفي اليوم نفسه كانت وزارة الدفاع الإماراتية أعلنت التعامل مع 3 مسيرات دخلت البلاد من جهة الغرب، موضحة أن إحدى المسيّرات أصابت مولداً كهربائياً بمحيط محطة "براكة" للطاقة النووية في منطقة الظفرة بإمارة أبوظبي، بينما استمرت التحقيقات لمعرفة مصدر الهجوم والجهات المسؤولة عنه.
وجاءت هذه التطورات بعد سلسلة هجمات شهدتها المنطقة منذ اندلاع الحرب، في فبراير 2026، حيث تعرضت منشآت ومطارات ومواقع حيوية في الخليج لهجمات بمسيّرات وصواريخ، بالتزامن مع التصعيد العسكري بين إيران والولايات المتحدة و"إسرائيل" وتوسع التوترات الإقليمية في الخليج والبحر الأحمر.
وأظهرت هذه الهجمات استمرار استخدام المسيّرات حتى بعد الهدنة الأخيرة، ما يعكس تحولها إلى جزء أساسي من التهديدات الأمنية اليومية في المنطقة، خصوصاً مع سهولة إطلاقها وتعدد الجهات القادرة على استخدامها في النزاعات الإقليمية.
تغيير شكل التهديدات العسكرية
شهدت الحروب الحديثة توسعاً كبيراً في استخدام المسيّرات، سواء في مهام الاستطلاع أو الهجمات المباشرة أو التشويش وإرباك الدفاعات الجوية، حيث أصبحت بعض الطائرات الصغيرة قادرة على تنفيذ عمليات دقيقة بكلفة منخفضة مقارنة بالأسلحة التقليدية الأكبر حجماً.
وتشير تقارير دفاعية دولية إلى أن بعض المسيّرات يمكن تصنيعها أو تعديلها بتكاليف محدودة نسبياً، في حين قد تحتاج عملية اعتراضها إلى أنظمة دفاع وصواريخ مرتفعة الكلفة، وهو ما دفع عدداً من الجيوش إلى تطوير أنظمة متخصصة للتعامل مع الطائرات الصغيرة والمنخفضة الارتفاع.
كما تتميز بعض المسيّرات بقدرتها على التحليق لمسافات طويلة وعلى ارتفاعات منخفضة، إلى جانب إمكانية إطلاقها من منصات متحركة أو مناطق يصعب رصدها، ما يزيد من تعقيد عمليات التتبع والرصد المبكر، خصوصاً في البيئات الصحراوية أو البحرية الواسعة.
وخلال السنوات الأخيرة، توسع استخدام المسيّرات في الشرق الأوسط بشكل كبير، سواء عبر الجيوش النظامية أو الجماعات المسلحة، وأصبحت جزءاً أساسياً من الهجمات التي تستهدف منشآت النفط والمطارات ومحطات الطاقة والبنية التحتية الحيوية.
أبرز الأهداف
تعرضت منشآت نفطية ومرافق طاقة ومطارات خليجية، خلال السنوات الماضية، لهجمات متكررة باستخدام المسيّرات، من بينها منشآت نفطية سعودية ومطارات مدنية ومرافق كهرباء، إضافة إلى استهدافات مرتبطة بالحرب الإقليمية الأخيرة التي بدأت في فبراير 2026.
وفي الإمارات أعادت حادثة "براكة" الأخيرة الاهتمام بملف حماية المنشآت الحيوية، خصوصاً أن الاستهداف طال محيط محطة نووية مدنية، حتى وإن لم يؤثر على أنظمة التشغيل أو السلامة داخل المنشأة نفسها، وفق البيانات الرسمية الإماراتية.
كما أظهرت الهجمات السابقة أن المطارات المدنية ومنشآت الطاقة تعد من أكثر الأهداف عرضة للهجمات بالمسيّرات، نظراً لتأثير أي اضطراب فيها على حركة النقل والطاقة والخدمات العامة، إضافة إلى الأثر الاقتصادي والإعلامي المرتبط بهذه العمليات.
وتزامن ذلك مع تصاعد التحذيرات الدولية بشأن أمن الملاحة والطاقة في الخليج، حيث دفعت التهديدات المتزايدة شركات الشحن والطيران والطاقة إلى مراجعة إجراءات الحماية ورفع مستويات الجاهزية الأمنية في عدد من المواقع الحيوية.
توسع أكبر مستقبلاً
يرى الباحث العسكري والأمني محمد المحمودي أن الهجمات الأخيرة على السعودية والإمارات تعكس تحول المسيرات من "سلاح مساعد إلى تهديد أمني رئيسي في الخليج، خصوصاً بعد أن أثبتت قدرتها على الوصول إلى منشآت حساسة وإرباك الدفاعات الجوية رغم الإنفاق الدفاعي الضخم الذي شهدته المنطقة، خلال السنوات الماضية".
ويقول لـ"الخليج أونلاين": إن المشكلة الأساسية "لا تتعلق فقط بإسقاط المسيرة أو اعتراضها، بل بطبيعة هذا السلاح نفسه؛ لأنه منخفض الكلفة وسهل الإطلاق ويمكن استخدامه بأعداد كبيرة ومن اتجاهات مختلفة بينما تحتاج عملية اعتراضه أحياناً إلى أنظمة وصواريخ مرتفعة الكلفة، ما يجعل المعركة غير متكافئة اقتصادياً وعملياتياً".
ويضيف أن الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة و"إسرائيل" كشفت لدول الخليج أن التهديدات الجوية لم تعد محصورة بالصواريخ الباليستية والطائرات التقليدية، بل انتقلت إلى الطائرات الصغيرة والحرب الإلكترونية والتشويش.
وأكد أن هذا الأمر دفع عدداً من الدول الخليجية إلى البحث عن خبرات جديدة، بينها التجربة الأوكرانية في إسقاط المسيرات واعتراضها خلال الحرب مع روسيا.
ويشير إلى أن "المرحلة المقبلة ستشهد توسعاً أكبر في أنظمة الرصد القصير المدى والذكاء الاصطناعي والتشويش الإلكتروني، إلى جانب زيادة الاستثمار الخليجي في تصنيع المسيرات محلياً وأنظمة مكافحتها؛ لأن التعامل مع هذا النوع من التهديدات لم يعد مسألة مرتبطة بهجوم عابر بل أصبح جزءاً دائماً من معادلة الأمن والدفاع في المنطقة".
التعامل الخليجي
وسعت دول الخليج، خلال السنوات الأخيرة؛ لزيادة استثماراتها في أنظمة الدفاع الجوي والرصد والإنذار المبكر، مع تطوير قدرات مرتبطة بالحرب الإلكترونية والتشويش وأنظمة مكافحة المسيّرات، بالتوازي مع تحديث الرادارات ومنظومات الاعتراض.
كما شهدت المنطقة توسعاً في التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة ودول أوروبية في مجالات الدفاع الجوي والتقنيات المرتبطة بمواجهة الطائرات المسيّرة، خصوصاً بعد الهجمات التي تعرضت لها منشآت النفط والطاقة في الخليج خلال الأعوام الماضية.
وفي السعودية والإمارات تحديداً، تزايد التركيز على تطوير الصناعات العسكرية المحلية المرتبطة بالمسيّرات وأنظمة الاعتراض والحرب الإلكترونية، ضمن خطط تهدف إلى تقليل الاعتماد الكامل على الاستيراد الخارجي في التقنيات الدفاعية الحساسة.
واتجهت دول خليجية إلى الاستفادة من الخبرة الأوكرانية في مواجهة الطائرات المسيّرة، بعد أن طورت كييف تقنيات اعتراض وتشويش متقدمة خلال حربها مع روسيا، خصوصاً ضد المسيّرات الإيرانية من طراز "شاهد".
وأعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في أبريل 2026، أن بلاده تجري تعاوناً دفاعياً مع السعودية وقطر والإمارات، إلى جانب محادثات مع الكويت والبحرين وسلطنة عمان، في مجالات مرتبطة بمواجهة المسيّرات وأنظمة الاعتراض والحرب الإلكترونية.
كما كشفت تقارير دولية أن أوكرانيا أرسلت خبراء وأنظمة مرتبطة بمواجهة المسيّرات إلى دول خليجية خلال الحرب الأخيرة، في وقت توسعت فيه التفاهمات الدفاعية بين الجانبين لتشمل التصنيع المشترك للمسيّرات منخفضة الكلفة، وأنظمة الرصد والتشويش والاعتراض.