سياسة وأمن » حروب

اختبار النار.. الدروس التي خرجت بها دول الخليج من الحرب

في 2026/06/26

كامل جميل - الخليج أونلاين

لم تكن الحرب التي اندلعت في 28 فبراير 2026 بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد مواجهة عسكرية عابرة في الشرق الأوسط، بل تحولت خلال أيام إلى اختبار حقيقي للأمن الخليجي.

فبعدما امتدت تداعيات الحرب وجدت دول المنطقة نفسها أمام واقع جديد، يتمثل في أن أي صراع بين القوى الكبرى يمكن أن يطرق أبوابها حتى لو لم تكن طرفاً مباشراً فيه.

الخليج، الذي ظل لعقود منطقة تعتمد على مظلات أمنية وتحالفات دولية، اكتشف خلال هذه المواجهة أن الجغرافيا قد تفرض عليه الدخول في حسابات صراعات لا يصنعها.

ومع الوصول إلى اتفاق وقف إطلاق النار وإنهاء مرحلة التصعيد يتصدر السؤال الأهم: ما الدروس التي خرجت بها دول الخليج من هذه الحرب؟

قوة إيران تتعاظم

لقد اكتسبت إيران مصدراً جديداً للنفوذ والضغط على الاقتصاد العالمي، وهي ليست بصدد التخلي عنه، فقد أثبتت طهران قدرتها على فرض حصار فعّال على أهم ممر نفطي حيوي في العالم، وذلك باستخدام عدد قليل نسبياً من الصواريخ والطائرات المسيرة. 

ويتضح أن نفوذ إيران سيمكن طهران من تهديد مضيق هرمز عندما تريد، بصرف النظر عن طبيعة الاتفاق الذي توصلت إليه مع البيت الأبيض.

وقامت السعودية والإمارات بإعادة توجيه صادراتهما النفطية عبر خطي "الشرق-الغرب" و"حبشان-الفجيرة" توالياً، وتعمل الإمارات حالياً على إنشاء خط أنابيب ثانٍ لتجاوز المضيق.

أما بالنسبة للدول الأخرى في المنطقة، فإن البدائل عن المضيق تُعد أقل جدوى من الناحيتين السياسية والتجارية؛ فعلى سبيل المثال، سيتعين على كل من الكويت وقطر والبحرين تصدير منتجاتها عبر خطوط أنابيب تمر إما عبر المملكة العربية السعودية أو العراق.

خسائر جسيمة

لكي نعلم خطورة ما تواجهه دول الخليج، يجب إدراك حجم الضرر الذي تعرضت من جراء الحرب والهجمات الإيرانية.

وبين أواخر فبراير ومنتصف أبريل، أطلقت إيران أكثر من 6400 صاروخ وطائرة مسيرة على دول الخليج، تسببت في أضرار جسيمة بالبنية التحتية، واضطرابات صناعية، وسقوط ضحايا.

وبحسب ما تفيد تقارير خليجية مختلفة، فإن من أبرز الأضرار:

استهداف محطة براكة للطاقة النووية الإماراتية.

أضرار طالت منشآت النفط والشحن في الفجيرة ومرافق حيوية في دبي وأبوظبي.

تأثر حركة النقل والتجارة من جراء ضربات طالت مطار دبي الدولي وميناء جبل.

استهداف مطار الكويت الدولي ومنشآت الكهرباء والمياه والنفط.

هجمات متكررة طالت قواعد عسكرية ومنشآت استراتيجية كويتية أوقعت خسائر بشرية ومادية.

استهداف مجمع رأس لفان القطري.

تعرض منشآت في رأس لفان ومسيعيد لأضرار أربكت قطاع الطاقة.

استهداف مطارات ومواقع مدنية ومنشآت طاقة سعودية.

هجمات متكررة على البحرين أبرزها حريق كبير في مصفاة بابكو.

توقف حركة الملاحة من جراء إغلاق هرمز وإلغاء تغطيات التأمين البحري.

إغلاق الأجواء الخليجية وشل حركة الطيران والسياحة تسببت بخسائر قُدّرت بنحو 40 مليار دولار.

تراجعات حادة في أسواق المال الخليجية.

الحرب وجّهت ضربة لصورة الخليج بصفتها منطقة آمنة للاستثمار.

بناء سياسة فاعلة

يرى الكاتب والباحث السياسي ياسر عبد العزيز، الذي تحدث لـ"الخليج أونلاين" أن الحرب الأخيرة تفرض على دول الخليج إعادة صياغة رؤيتها الاستراتيجية تجاه إيران خلال السنوات المقبلة، مؤكداً أن التعاطي مع هذا الملف لا ينبغي أن يقتصر على طهران وحدها، بل يجب أن يشمل شبكة الفاعلين الإقليميين والدوليين المرتبطين بها.

ويشير إلى أن المشهد يتجاوز طرفي الصراع المباشرين؛ إيران والولايات المتحدة، ليضم "إسرائيل" التي دفعت باتجاه المواجهة، إلى جانب تركيا، والاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي، باعتبارهم أطرافاً مؤثرة في رسم ملامح التوازنات الإقليمية. 

وعلى أساس ما سبق، يؤكد أن قراءة مواقف هذه القوى خلال الحرب تمثل خطوة أساسية في بناء سياسة خليجية أكثر فاعلية.

ويلفت عبد العزيز إلى أن الحوار المباشر مع إيران يظل ضرورة لتخفيف حدة التوتر الممتد منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، معتبراً أن ملفات تصدير الثورة، والتمدد الإقليمي، والطائفية السياسية، لا يمكن التعامل معها إلا من خلال مفاوضات تستند إلى عناصر قوة حقيقية، وليس من موقع رد الفعل.

ويعتقد أن دول الخليج تمتلك بالفعل أوراق ضغط مهمة، من بينها "التحالف الباكستاني التركي السعودي"، الذي يرى أنه قادر على توفير توازن إقليمي يمنح دول الخليج موقفاً تفاوضياً أكثر قوة مع طهران، فضلاً عن الاستفادة من الموقع الجيوسياسي لدول الخليج وإمكانية توسيع هذا المحور ليشمل دولاً في آسيا الوسطى، بما يعزز القدرة على احتواء النفوذ الإيراني.

وفي المقابل، يرى أن الحرب كشفت محدودية فاعلية الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، معتبراً أن القواعد الأمريكية لم تحقق مستوى الردع المتوقع، رغم الكلفة المالية الكبيرة التي تتحملها دول الخليج لاستضافتها.

من جانب آخر، يدعو عبد العزيز إلى قراءة متأنية للدور الإسرائيلي، مشيراً إلى أن تل أبيب بدأت تتحدث عن محور سني يضم قطر وتركيا، وتربطه بجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما يراه مؤشراً على تصورات إسرائيلية لصراعات المرحلة المقبلة، الأمر الذي يستوجب ـ بحسب رأيه ـ إعادة تقييم مسار اتفاقيات إبراهيم وأي توجهات مستقبلية نحو التطبيع.

وعلى الصعيد الأوروبي يلفت عبد العزيز إلى أن مواقف عدد من الدول الأوروبية بدت أكثر تمايزاً عن الموقف الأمريكي خلال الأزمة، مشيداً بمواقف كل من إيطاليا وإسبانيا وفرنسا، التي اعتبر أنها أظهرت إدراكاً لأهمية استقرار الخليج وضرورة وقف الحرب.

وبناءً على ما تم ذكره، يخلص عبد العزيز إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب من دول الخليج دراسة مواقف جميع القوى المؤثرة، وبناء شبكة علاقات وتحالفات تستند إلى المصالح الاستراتيجية، بما يعزز أمن المنطقة، ويمنحها قدرة أكبر على التعامل مع التحديات الإقليمية المقبلة.