في 2026/07/01
طه العاني - الخليج أونلاين
تتجه الأنظار إلى مضيق هرمز مع دخول مرحلة ما بعد وقف الحرب، لكن إعادة فتحه لا تبدو مرهونة بالاتفاقات السياسية وحدها، بل بقدرة المجتمع الدولي على إزالة الألغام البحرية التي تحولت إلى أكبر تهديد أمام عودة الملاحة بصورة طبيعية.
ورغم التحسن التدريجي في حركة السفن، تؤكد التقديرات العسكرية والبحرية أن عمليات تطهير المضيق ستكون من أكثر المهام تعقيداً خلال السنوات الأخيرة، في ظل طبيعة الألغام المزروعة، واتساع مساحة العمليات، وارتباط استعادة الثقة الكاملة باستكمال إزالة المخاطر.
تحديات ميدانية
وتبدأ معركة استعادة المضيق فعلياً من تحت سطح البحر، حيث تواجه فرق إزالة الألغام مهمة معقدة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والفنية والزمنية.
وقدّرت المنظمة البحرية الدولية، في 26 يونيو 2026، وجود نحو 80 لغماً في الممرات الملاحية التاريخية داخل مضيق هرمز، وهو ما يفسر استمرار العمل بمسارين بديلين للملاحة.
ويحاذي أحد الممرين السواحل العُمانية، أما الآخر فيمرّ عبر المياه الإيرانية، وسط اعتقاد بأن الممر الملاحي الأوسط لا يزال يحتوي على متفجرات تعيق استعادة حركة العبور الطبيعية.
ورغم اتفاق السلام المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، ما زالت عملية إعادة فتح الممر القديم مرتبطة بإزالة تلك الألغام، وهي مسؤولية يفترض أن تتولاها إيران بموجب الاتفاق، إلا أن المواقف الإيرانية بقيت متباينة بين التأكيد على حرية العبور والإشارة إلى ضرورة الحصول على تصاريح مسبقة.
كما ذكرت "رويترز"، في 15 يونيو 2026، أن إزالة الألغام قد تستغرق بين 40 و50 يوماً قبل أن تستعيد شركات الشحن والتأمين والنفط ثقتها الكافية بالعودة إلى الملاحة الطبيعية.
وترى مصادر أمنية غربية أن مجرد احتمال وجود ألغام كفيل بإبقاء المخاطر مرتفعة، خصوصاً أن قيمة الناقلة العملاقة وحمولتها قد تصل إلى نحو 300 مليون دولار.
وتعزز هذه المخاوف تصريحات رئيس الوكالة البحرية التابعة للأمم المتحدة، أرسينيو دومينجيز، الذي وصف الاتفاق على إعادة فتح المضيق بأنه "خطوة مهمة"، لكنه شدد على أن تنفيذه يحتاج إلى وقت لضمان توافر جميع متطلبات السلامة والأمن.
من جانبها، أوصت منظمة "إنترتانكو" مالكي الناقلات بتأجيل رحلاتهم عبر المضيق حتى تتضح الصورة بالكامل، ووصفت المسار الإيراني بأنه "مثير للقلق".
مهمة تقنية
ولا تقتصر صعوبة المهمة على إزالة الألغام، بل تمتد إلى طبيعة التقنيات المطلوبة وآليات العمل التي تجعل عملية التطهير بطيئة ودقيقة في آن واحد.
ويوضح خبراء عسكريون أن تطهير الألغام يرتكز على خطوات أساسية، تتمثل بالاستكشاف والرصد، والكسح الملاحي، وتنتهي بالتمشيط المُحكم لضمان خلو المنطقة من أي مخلفات، فيما يكمن التحدي الأكبر في تركز هذه الألغام بمحاذاة المياه العُمانية، مما يضاعف صعوبة تأمين هذا الممر الحيوي.
وتشير تقديرات الكلية الحربية البحرية الأمريكية إلى أن فتح ممر آمن يتطلب مشاركة ما بين 20 و30 سفينة متخصصة في مكافحة الألغام، مدعومة بأنظمة آلية وسفن قيادة، في حين قد يستغرق تطهير حقل يضم بين 50 و100 لغم من 21 إلى 53 يوماً إذا كان الحقل معقداً.
وفي السياق نفسه، كشفت صحيفة "ذا ناشيونال" الإماراتية، في 26 يونيو 2026، عن استعداد البحرية الإيطالية للمشاركة ضمن مهمة دولية محتملة، مؤكدة أن نجاح العملية يعتمد بصورة أساسية على دقة المعلومات الاستخباراتية، والأحوال الجوية، وتثبيت وقف إطلاق النار، فضلاً عن استكمال الإجراءات السياسية اللازمة قبل إصدار أوامر التحرك.
وأضافت الصحيفة أن الوصول إلى المضيق قد يستغرق بين أسبوع وأسبوعين، يعقبه أسبوع أو أسبوعان لتحديد مواقع الألغام، قبل بدء عمليات تحييدها التي قد تمتد عدة أشهر، نظراً لاتساع مساحة العمليات.
ويبلغ طول مضيق هرمز نحو 167 كيلومتراً، وعرضه نحو 10 كيلومترات، وأعماقه تتراوح بين 60 و100 متر، وتصل إلى 200 متر في بعض المناطق.
وتعتمد السفن الأوروبية الحديثة على مفهوم "صيد الألغام" بدلاً من "كسحها"، إذ تستخدم أنظمة سونار متطورة، ومركبات غير مأهولة، وغواصات آلية، وكاميرات تحت الماء، لتحديد موقع كل لغم والتعامل معه منفرداً.
فيما صُممت هياكل بعض هذه السفن من مواد غير مغناطيسية للحد من احتمال تفعيل الألغام الحساسة للمجالات المغناطيسية.
عقبات وهواجس
يوضح المحلل السياسي والأمني رعد هاشم أن انسيابية عمليات كسح الألغام في المضيق تتطلب تعاوناً دولياً وثيقاً، سواء جاء ذلك تلبية لدعوة أمريكية أو انطلاقاً من المسؤولية الدولية الجماعية المفروضة لحماية أمن وسلامة هذا الممر الملاحي الحيوي.
ويضيف لـ"الخليج أونلاين":
- الألغام التي زرعتها إيران ليست من الأنواع الحديثة التي يسهل اكتشافها، كما أن خريطتها الجغرافية وتحديد أهدافها يكتنفه الغموض.
- غرس الألغام بشكل مقصود بالقرب من المياه العُمانية، يعكس نية مبيتة وخبيثة لإحداث إشكالية أمنية بالغة الخطورة.
- ليس من الحكمة المخاطرة بالاستمرار في تمرير ناقلات النفط الضخمة دون تأمين كامل، والمسؤولية الدولية مشتركة في عمليات الكشف عن هذه التهديدات، في ظل غياب رؤية واضحة أو تعاون الجانب الإيراني.
- طهران تتعمد إنكار وجود هذه الألغام وتمارس المراوغة عبر حجب خرائط انتشارها، لتعطيل إمدادات الطاقة العالمية، وجلسات التعاون القائمة على مذكرات التفاهم قد تسهم في الاستدلال على تلك الخرائط وتأمين المسارات المائية.
- القوات المختصة تعتمد حالياً على تتبع الممرات الآمنة التي عبرت منها السفن بنجاح خلال الأيام الماضية كحل مؤقت، لا سيما في الحيز الأوسط للمضيق والجانب العُماني، تمهيداً لتنظيف بقية النقاط والممرات من قبل الجهد الهندسي للدول المشاركة.
- طبيعة هذه الألغام القديمة تجعل من الصعب اكتشافها وتفكيكها بأمان، وذلك سيؤدي حتماً إلى تأخير مؤقت لحركة الشحن، يليه فتح جزئي وتدريجي للممرات إلى حين استكمال تأمين القناة الملاحية بالكامل.
- الخطورة ستظل قائمة ومقلقة لشركات الشحن والتأمين، لاحتمالية جرف مياه البحر والرياح لبعض الألغام الضائعة إلى مسافات بعيدة خارج حدود المضيق، مما يعني أن استعادة الثقة وعودة الملاحة لطبيعتها قد تستغرق ما يزيد على العام.
استعادة الثقة
ويبقى نجاح عمليات التطهير مرهوناً بإزالة الخطر الفعلي واستعادة الثقة لدى شركات النقل والطاقة، بعدما أدى انتشار الألغام إلى تعطل نحو 2200 سفينة خلال الأشهر الماضية، وهي مرحلة قد تستغرق وقتاً أطول من إزالة الألغام نفسها.
وتوضح "بلومبيرغ" أن "اتفاق السلام" أسهم في رفع صادرات المنطقة إلى نحو 80% من مستويات ما قبل الحرب، مع زيادة أعداد ناقلات النفط المغادرة من الخليج، في حين أظهرت بيانات الملاحة تحسناً تدريجياً في حركة العبور.
كما أعلن وزير الطاقة الأمريكي كريس وايت، في 25 يونيو 2026، عبور 72 سفينة ونحو 20 مليون برميل من النفط خلال 24 ساعة، مؤكداً أن تعطل عودة التدفقات الطبيعية خلال الفترة الماضية ارتبط مباشرة بوجود الألغام البحرية.
لكن تقديرات قطاع الأمن البحري تشير إلى أن استعادة الحركة الكاملة لا ترتبط بزيادة أعداد السفن فقط، بل بتوفير ضمانات أمنية كافية لشركات التأمين والشحن، ما يجعل نجاح عمليات إزالة الألغام الفيصل الحقيقي بين استمرار الحذر وعودة الملاحة الطبيعية عبر أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.