سياسة وأمن » حروب

المغامرات على الساحة اليمنية خلفها مخاطر كبيرة

في 2026/07/18

وكالات

خرق الطيران الإيراني الحظر المفروض على هبوطه في مطارات اليمن، بمناسبة نقل الوفد الحوثي المشارك بتشييع المُرشد الإيراني الراحل علي خامنئي. والعملية لم تكُن المرَّة الوحيدة التي تحاول فيها إيران إحداث اضطرابات خشِنة تحمل عنها بعض الوزر المُلقى على كاهلها من جراء الحرب الأميركية - الإسرائيلية عليها. فقد حصلت محاولات سابقة من قبل جهات إيرانية لإدخال الحوثيين اليمنيين في الصراع، كما حصل مع حزب الله اللبناني ومع بعض فصائل الحشد الشعبي في العراق. لكن حركة "أنصار الله" الحوثية تجنَّبت خوض النزال، لأسباب مالية ولوجستية غير مساعدة، ولأن اعتباراتهم الداخلية لا تسمح لهم بالمغامرة في دخول الحرب، حيث الذين أيدوهم من القبائل بمناسبة إطلاقهم صواريخ على إسرائيل مساندةً للفلسطينيين، لا يوالونهم بذات القدر إذا ما أقدموا على دخول الحرب إلى جانب إيران.

توتر كاد يتحول إلى حرب

التوتر الكبير الذي حصل يوم الاثنين الماضي بُعيد قصف طائرات الحكومة الشرعية التي يرأسها رشاد العليمي لمطار صنعاء، لمنع هبوط طائرة إيرانية على مدرجاته؛ كاد أن يتفاقم إلى حرب واسعة، ذلكَ أن حركة "أنصار الله" اتهمت المملكة العربية السعودية بالوقوف وراء العملية، والحركة أطلقت بعض الصواريخ على مطار أبها جنوب المملكة، لكن المضادات السعودية اعترضتها قبل أن تصل لأهدافها. المعادلات القائمة لا تسمح بتطوير الصدام، فالعليمي خفَّف من حدة مواقفه العالية السقف، والحوثيون تهيبوا مخاطر اللحظة، واكتفوا ببعض البلاغات المُتشددة المُعتادة، من دون أن يُقدموا على أي حراك عسكريٍ ملحوظ، رغم أن إيران دخلت على خط التوتر فوراً، محذرةً من مغبة خرق تفاهم العام 2023 الذي أبرمته في الصين مع الرياض.

لا قدرة للحوثيين على تلبية مطالب إيران

ليس للحوثيين حالياً قدرة على تلبية طلب إيران بإغلاق مضيق باب المندب، فأي عملية معزولة سيقومون بها، قد تجُرّ عليهم الهلاك. وهم غير قادرين على خوض حرب مع قوات مجلس القيادة الرئاسي أيضاً، لأن وضعهم المالي صعب جداً، وغالبية اليمنيين الذي يقطنون في مناطق نفوذهم يعانون من فقرٍ مُدقِع، ويعيش معظمهم على المساعدات العربية والأممية، كما أن العلاقة بين شيوخ قبائل اليمن والحوثيين في أدنى وضعية، واحتمالية اندلاع مواجهات فيما بينهم قائمة أكثر من أي وقتٍ مضى. بالمقابل فإن العليمي وحكومته يعانون من مشكلات وازنة في الجنوب، وهم لم يعالجوا التوترات السابقة مع المجلس الانتقالي كما يجب، والمملكة العربية السعودية التي تدعمهم، لا ترغب بإحداث أي نزاع عسكري حالياً، وهي حريصة على تفاهمات العام 2022 والعام 2023 وتعرف أن الاضطرابات في اليمن ستخدُم أجندة إيران التي ستستثمرها في الحرب الدائرة، وقد تؤدي إلى توتر غير مرغوب في مياه خليج عدن وفي مضيق باب المندب، وهذا الأمر سيعقِّد المشهد في ظل الخلاف القائم حول مضيق هرمز على مدخل الخليج العربي.

اختلال موازين القوى

ويشكل اختلال موازين القوى في المنطقة؛ عاملاً أساسياً في منع أي مغامرات غير محسوبة قد يقوم بها الحوثيون، فهؤلاء يعيشون في المناطق الوعِرة بشبه حصار مالي وتجاري وتسليحي، حتى إن المواد الحساسة التي يحتاجونها لتصنيع المُسيرات والصواريخ؛ لم تعُد متوافرة لديهم، وإغلاق الموانئ الإيرانية أضرَّ بهم، كذلك فإن الرقابة البحرية على تهريب الأسلحة أصبحت أكثر انطباقاً، وتواصلهم مع جماعات صومالية موالية صعبٌ جداً، وقد أوقفت زوارقهم في البحر، ولم يتمكنوا من إيصال أسلحة حديثة إلى هذه الجماعات. وفرض العقوبات الدولية منع كل التحويلات المالية لهم، والمساعدات المعيشية قد تتوقف بالكامل عن المناطق التي يسيطرون عليها، إذا ما دخلوا بأي مواجهات جديدة.

لا توقعات بتجدد الحرب

من غير المتوقع أن تتجدد الحرب في اليمن، ويبدو أن التهديدات المتبادلة تأتي من باب تأكيد الحضور، ولا تخفي قراراً بالمواجهة. فشراكة الحوثيين لإيران في حربها دونه معوقات سياسية وعسكرية واقتصادية، وربما عقائدية. وتكفي الإشارة إلى التباين الحاصل بين الحوثيين "الزيديين" والتفسير الفقهي الذي يعتمده قادة طهران. فأنصار الله لا يقرُّون بأن المعركة الحاصلة هي استحقاق تاريخي يسبق ظهور الإمام "المُخلِّص"، ولا يعترفون بغيابه. وهؤلاء يأخذون بالاعتبار مصالحهم الداخلية في أي أعمال يقومون بها، وتعاونهم مع إيران؛ لا يعني أنهم ينصاعون لتوجيهاتها في كل شأن، وغالباً ما يكون الأمر فيه تبادل منافع، ولأن الحالة الاعتراضية تناسبهم لتعبئة الداخل أكثر مما تناسبهم أجواء الاستقرار والسكينة.

يعرف أطراف المعادلة اليمنية منسوب الصعوبات التي تواجه أي عملية عسكرية، وتجارب الماضي أثبتت أن الاستهداف الخارجي للجبال اليمنية الوعرة؛ فيه مشقة كبيرة، كما أن الصمود في هذه الجبال صعبٌ جداً، ولم تعد العزلة تتلاءم مع الحياة العصرية التي تحتاج إلى التواصل مع العالم، كما تحتاج للمال ولمقومات العيش الأخرى. لدى طرفي الصراع في مجلس القيادة الرئاسي والحوثيين نقاط قوة متوازنة وكذلك نقاط ضعف، وملف الجنوب عبئاً إضافياً على الطرفين أيضاً، حيث الجنوبيون يرفضون إعطاء الحوثيين مساحة كبيرة في التأثير على الحياة السياسة اليمنية من جهة، وقادة المجلس الانتقالي الجنوبي لم يستكينوا نهائياً للتسوية التي حصلت مع مجلس القيادة الرئاسي في شباط/ فبراير الماضي من جهة ثانية.