في 2026/07/21
(أحمد شوقي \ راصد الخليج)
مع التهديدات التي يواجهها الأمن الخليجي، تبرز أكثر من وجهة نظر أمنية واستراتيجية، وتتفاوت بين الاندماج الإقليمي في مظلة دفاعية شاملة، وبين الاعتماد على التعاون الخليجي البيني بمعزل عن الصراعات الدولية والتورط بها.
ولكن هناك معضلة رئيسية في الخيارات المتاحة، وهي أنها مترابطة ولا ينعزل أي خيار عن الآخر وعن شبح التورط، فالخيار الأول يحمل تحالفا إجباريا مع "إسرائيل" وهو ما يورط الخليج في معارك إسرائيلية وأمريكية تتناقض مع الوجدان الشعبي الخليجي وتموضع الخليج في عالم عربي وإسلامي، بينما الخيار الثاني يتطلب رؤية خليجية موحدة بسبب ترابط الأمن الخليجي برًّا وجوًّا وبحرًا، وهي معضلة أخرى بسبب تفاوت الأجندات والتوجهات الخليجية وتباينها.
وهنا يقع الخليج في معضلة أمنية، حيث تستهدف القواعد الأمريكية فيه، ومع حدة الصراع، قد يصل الاستهداف لبنيته التحتية والاستثمارية باعتبار أن المنظومة الاستثمارية قائمة على التموضع في المنظومة الاقتصادية الغربية وشركاتها الكبرى العابرة للقارات ومتعددة الجنسيات.
وهنا يمكن إلقاء الضوء باختصار على الإمكانات الدفاعية الراهنة لدول الخليج من واقع التقارير، وبعدها يمكن اقتراح تصور لمخرج آمن من الأزمة الراهنة:
السعودية:
تتصدّر المملكة المشهدَ الدفاعي في المنطقة بأضخم ميزانية وأكبر جيش بين دول المجلس، حيث يضم سلاحها الجوي ما يزيد على 380 طائرة قتالية، في مقدمتها مقاتلات F-15 بإصداراتها المتطورة — ولا سيما الـ F-15SA المزوّد بمنظومة رادار AESA من جيل جديد وقدرة مزدوجة المقعد للهجوم الأرضي — إلى جانب 71 مقاتلة تايفون يوروفايتر وما تبقى من أسطول التورنادو IDS.
وفي المجال الدفاعي، تراهن المملكة على درع اعتراضي متعدد الطبقات يجمع بين منظومتَي “ثاد” و”باتريوت”.
بيد أن الاعتماد الكبير على التكنولوجيا والدعم اللوجستي الغربي يطرح تساؤلات جوهرية حول الاستقلالية التشغيلية في سيناريوهات التصعيد الشامل، حين قد تُصبح سلاسل الإمداد وجداول الصيانة خاضعة لاعتبارات سياسية خارج نطاق القرار الخليجي المستقل.
الإمارات العربية المتحدة:
تحتل القوات المسلحة الإماراتية مرتبة متقدمة بين أكثر الجيوش تطوراً في المنطقة، إذ تُشغّل أسطولاً من مقاتلات “إف-16” و”ميراج”، إلى جانب ما يُعدّ اليوم من أكثر منظومات الدفاع الجوي تعددًا وثراءً في العالم.
وبخلاف السعودية التي ارتكزت على مصدر غربي موحّد، آثرت أبوظبي استراتيجية “التنويع الدفاعي المتعمّد”، إذ تجمع منظومتَي ثاد وباتريوت الأمريكيتين، ومنظومة براك الإسرائيلية، وبانتسير-S1 الروسية، وتشيونغونغ-2 الكورية الجنوبية، فضلاً عن المنظومة المحلية سكاي نايت، في بنية دفاعية ثلاثية الطبقات.
قطر:
اعتمدت قطر مساراً دفاعياً يرتكز على مبدأ الكيف لا الكم، والتنويع لا الاتكاء على مصدر واحد.
وتعتمد قوتها الجوية على ثلاثة أنواع من أحدث المقاتلات في العالم: 36 مقاتلة رافال، و48 طائرة F-15QA أبابيل — النسخة الأكثر تقدماً من إنتاج بوينغ للجانب القطري — إضافةً إلى 24 مقاتلة تايفون، مما يجعل الدوحة من القلائل على مستوى العالم التي تُشغّل هذا التنوع من المنصات المتقدمة في آنٍ واحد.
وعلى صعيد الدفاع الجوي، شيّدت قطر مظلة متكاملة تجمع منظومتَي باتريوت وNASAMS III للدفاع البعيد والمتوسط، ورادار إنذار مبكر AN/FPS-132 المتصل مباشرةً بمركز القيادة الأمريكية في قاعدة العديد الجوية — أكبر قاعدة أمريكية في المنطقة — مما يمنح قطر في الواقع قدرة رصد وإنذار تفوق ما تستطيعه بمواردها المستقلة.
الكويت والبحرين:
تواصل الكويت تحديث بنيتها الدفاعية بخطى ثابتة، مستندةً إلى منظومة باتريوت PAC-3 للدفاع البعيد المدى، ومنظومتَي أسبايد وسكايغارد للدفاع القصير. والأهم من التجهيز المادي أن الكويت تستضيف قواعد أمريكية متقدمة — في مقدمتها قاعدة علي السالم الجوية — تُشكّل بحد ذاتها رادعاً استراتيجياً يُضاف إلى المنظومات الوطنية.
أما البحرين فتُوظّف موقعها الجيوسياسي الاستثنائي واستضافتها لقيادة الأسطول الخامس الأمريكي — أقوى تجمّع بحري للولايات المتحدة خارج حدودها — بوصفهما الركيزة الأساسية لعقيدتها الدفاعية. وقد انضمت البحرين مؤخراً إلى نادي دول المجلس المشغّلة لمنظومة باتريوت PAC-3 MSE المتطورة، لتُكمل بذلك الدائرة الخليجية لهذا الدرع الاعتراضي الذي بات يُغطي الجانب الأكبر من الجغرافيا الخليجية.
وتعتمد كلتا الدولتين على مزج متوازن بين القدرات الدفاعية الذاتية والمظلة الأمنية التي توفرها التحالفات الدولية في مواجهة التهديد الإيراني المتصاعد.
هل استفادت دول الخليج من هذه المنظومة العسكرية؟
ومع تنامي الصراع وحدّته بدا واضحًا أن إيران استطاعت استهداف القواعد الأمريكية بنجاح ولم تشفع هذه المنظومات في حماية البنية التحتية في الكويت والبحرين وبدت المنظومات عاجزة أمام معظم الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، وبالتالي يعد العنوان الاستراتيجي العام هو "الانكشاف الاستراتيجي".
ماذا بعد؟
أمام حجم الإنفاق الهائل على تطوير المنظومات الدفاعية والهجومية لا يوجد إلا خياران: الأول هو تعميق التعاون مع أميركا والمضي في شوط المواجهة مع إيران إلى نهايته، وهو ما يحمل مجازفة كبرى تتصاعد مخاطرها مع الوقت حيث يجد الخليج نفسه في اصطفاف صريح مع "إسرائيل" وهو ما يمكن أن تكون له عواقب شعبية مع تنامي الرأي العام الخليجي الرافض لهذا الخيار.
والثاني: هو البحث عن منظومة خليجية مستقلة، وهذه المنظومة لابد وأن تضم دول الخليج كلها برؤية موحدة، ولا تستثني إيران باعتبار التشابك البنيوي لأمنها مع أمن دول الخليج، وهو ما عرضته إيران على دول الخليج، وهو ما يستحق الدراسة ومراجعة الخيار الخليجي.