في 2026/10/24
متابعات
مع قرار مصر إسناد السعودية عسكرياً في حربها ضدّ حركة «أنصار الله» في اليمن، يتجدّد الاهتمام بتجربة التدخّل المصري العسكري في هذا البلد ما بين عامَي 1962 و1967، والتي لا تزال القراءات التاريخية في شأنها متباينة بل ومتعاكسة. ففي كتابها «مقامرة عبد الناصر» (أكسفورد، 2013) مثلاً، ذهبت الباحثة جيسي فيريس، إلى فرضية خطيرة يكشفها عنوان الكتاب الفرعي: «كيف أدّى التدخل في اليمن إلى حرب الأيام الستة وتدهور قوة مصر». حشدت فيريس لإثبات تلك الفرضية - التي لا تعدم الصحّةَ بعضُ جوانبها - مواد وثائقية وتحليلية كثيفة لم تخلُ من تحيّز واضح ضدّ دوافع التحرك المصري، إذ وضعته في إطار هوامش مناورة القاهرة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة منذ مطلع الستينيّات، وصولاً إلى ما وصفته بـ«الحرب العربية الباردة» بين مصر والسعودية، التي امتدّت من تشرين الأول 1962 حتى انسحاب القوات المصرية من اليمن في كانون الأول 1967 (بعدما بلغ عديدها ذروته هناك - عام 1965 - نحو 70 ألف جندي).
مصر في اليمن: مدّ ثوري أم معركة في حرب الإمبرياليات؟
في 26 أيلول 1962، أطاحت مجموعة من ضباط الجيش اليمني بقيادة العقيد عبد الله السلال، بالإمام محمد البدر بن أحمد (من أسرة آل حميد الدين التي حكمت «المملكة المتوكلية اليمنية»)، بعد نحو أسبوع واحد من تولّيه الحكم خلفاً لوالده الإمام أحمد بن يحيى. وبعد يومين فقط على الانقلاب، اعترفت مصر بنظام السلال الذي لم يكن يسيطر وقتذاك إلّا على العاصمة وبعض المناطق خارجها، قبل أن تدفع بقواتها لدعم حكمه في غضون شهر واحد. على هذه الخلفية، سرعان ما توتّرت العلاقات بين القاهرة والرياض، وصولاً إلى قطعها في تشرين الثاني من العام نفسه، ليدخُل البلدان، بحسب أنتوني ناتنغ في كتابه عن عبد الناصر (1972)، حالة حرب حقيقية، فيما كانت لكلّ منهما اصطفافات قوية داخل اليمن. وتوحي سرعة ردّ مصر بأحد استنتاجَين لا ينفي أحدهما الآخر: إمّا أنها كانت على علم مُسبق بخطة السلال، وإمّا أنها رأت في الانقلاب فرصة لبناء نفوذ استراتيجي جنوب البحر الأحمر وعلى حدود السعودية، وتحجيم نفوذ الأخيرة. ويعزّز الاستنتاجَ الأول ما لاحظه ناتنغ - وهو وثيق الصلة بسياسة مصر الخارجية وإدارة المفاوضات الإنكليزية - المصرية قبل 1954-، من أن عبد الناصر لم يُولِ اليمن اهتماماً شخصياً يُذكر في منتصف الخمسينيات، وأحجم مراراً عن زيارته.
بذلك، شكّل الانقلاب فرصة لتغيير طبيعة الحكم في اليمن كلياً، بعدما سعت قيادة الثورة المصرية لإحداث تغيير فيه في منتصف الخمسينيات، من دون أن تلقى تجاوباً من نظام الإمام أحمد. ففي عام 1956، وبعدما رفض الأخير دعوة لزيارة القاهرة، أوفدت مصر أنور السادات (عضو مجلس قيادة الثورة آنذاك) إلى تعز لـ«حثّ حاكم اليمن المسنّ على إدخال بعض الإصلاحات السياسية»، أو تفويض بعض صلاحياته لابنه ووريثه (الذي كان في القاهرة قبيل زيارة السادات)، فرفض الإمام تلك المُقترحات جملةً وتفصيلاً. وإذ نجح عبد الناصر، في آذار 1958، في ضمّ اليمن رسمياً إلى «الجمهورية العربية المتحدة» (الوحدة الاندماجية بين مصر وسوريا)، فإن هذه «الدول العربية المتحدة» بقيَت حبراً على ورق حتى حلّها عبد الناصر أواخر 1961. في الوقت نفسه، تقارَب اليمن بشكل أكبر مع «الاتحاد الفيدرالي العربي» (المعروف بالاتحاد الهاشمي) الذي شكّله الأردن والعراق لـ«مواجهة التوسّع الشيوعي في المنطقة»، وإن كان الهدف الرئيس منه، بحسب تحليل فواز جرجس في كتابه عن القوى العظمى والشرق الأوسط (أكسفورد، 1994)، «موازنة نفوذ عبد الناصر الإقليمي والحفاظ على النظام الفرعي للدولة العربية».
أمّا بعد انقلاب السلال، فيبدو أن السادات كان المهندس الرئيس للمقاربة المصرية؛ إذ هو عُدّ أوّل مسؤول مصري يتلقّى نبأ الانقلاب، ومن ثمّ اتّصل به نائب رئيس الوزراء آنذاك، عبد الرحمن البيضاني، طالباً إرسال طائرة مقاتلة واحدة تأكيداً لـ«دعم مصر للثورة» في اليمن. ومع تعاظم الدعم السعودي للإمام المخلوع، رفع أنصار النظام الجمهوري الجديد سقفَ مطالبهم من السادات، داعين مصر إلى إرسال جنود ودبابات إليهم وتوفير غطاء جوي لهم. ورغم تريّث عبد الناصر في حسم المسألة لعدّة أيام، فإن خشيته من فشل نموذج الثورة العربية - إلى جانب تفاصيل أخرى أوردها ناتنج لا تحسم وثائق مصرية مُتاحة صحّتها من عدمها -، حسمت قراره، ودفعته إلى دعم خصوم الثورة المضادّة في اليمن، وذلك على قاعدة أن الإسراع في إرسال المستشارين العسكريين المصريين لإسناد السلال، يتيح كسر شوكة أنصار الإمام الملكيين، قبل أن تتدارك السعودية وبريطانيا الموقف.
ولم يكن الاتحاد السوفياتي وقتذاك بعيداً عن المشهد؛ إذ كانت موسكو أول عاصمة غير عربية تعترف بالجمهورية في تشرين الأول 1962. وأعقبت هذا الاعترافَ تفاهماتٌ سوفياتية - مصرية وصلت إلى حدّ تقديم دعم عسكري للقوات المصرية في اليمن، علماً أن هذه التفاهمات تبلورت في ضوء تبنّي القاهرة «الميثاق الوطني» في العام نفسه، والذي وجد فيه الكرملين «وثيقة تقدّمية»، ومثالاً على مدى تقدّمية مجموعة «دول عدم الانحياز»، و«اقترابها من الشيوعية». ويصف فواز جرجس ذلك بأنه موقف سوفياتي براغماتي يغلّب المصالح الجيوسياسة على الأيديولوجيا، يقابله إدراك عبد الناصر بأنه لا غنى عن السوفيات لمواجهة التهديدات الأميركية من جهة، وكسر مساعي العزلة التي سعت المملكة، بدعم أميركي متزايد منذ عهد الرئيس دوايت أيزنهاور، إلى فرضها على مصر في المشرق العربي.
التجربة المصرية في اليمن: أعباء الدور وعواقبه
على أن سياسات عبد الناصر في اليمن تبقى محلّ سجال حادّ، خصوصاً بالنظر إلى كلفتها المرتفعة، وعدم جنيها مكاسب ملموسة، إذ يمكن القول إن انهماك مصر في اليمن استنزف الأولى في حرب مطوّلة، كان دخولها سهلاً نسبيّاً بقرارات سريعة متتالية، فيما تحوّلت مسألة الخروج منها، من دون تحقيق نصر حاسم، إلى خيار اضطراري مؤلم، حُسِم بعد تأجيلات مُكلِفة. ويمكن ملاحظة أن مصر دخلت بقوتها كاملة على خطّ الأزمة اليمنية منذ منتصف تشرين الأول 1962؛ إذ أُرسلت وقتذاك بعثة من «الجمهورية العربية المتحدة» إلى اليمن لتقييم الوضع، تلتها زيارة أخرى أجراها المشير عبد الحكيم عامر، قبل أن يُعلن السلال، خلال أيام، رئيساً للجمهورية والحكومة وقائداً للجيش اليمني. وفي الـ31 من الشهر نفسه، صدر «الدستور المؤقّت» لخمس سنوات، ومن ثمّ فوّض السلال، في شباط 1963، السلطة إلى «مجلس رئاسي» مُكوّن من ضباط وزعماء قبائل وخبراء اقتصاديين. كذلك، أدّت القاهرة دوراً محورياً في اتفاق صنعاء الاقتصادي مع الاتحاد السوفياتي في كانون الأول 1963، الذي أدخل 400 مهندس وفني وخبير سوفياتي إلى اليمن للعمل في قطاعات الزراعة والمياه، ودراسة إمكانات تطوير الصناعة والإذاعة وإقامة مرافق مصرفية.
أيضاً، امتدّ الدعم المصري إلى شتّى جوانب الحياة السياسية والاجتماعية في اليمن، بما يوحي بوجود «مشروع مصري تحديثي» هناك. وعلى سبيل المثال، نجح الوجود المصري في إخماد الحرب الأهلية في الشمال، وساعد السلال على إعلاء الخيار الوطني على القبلي، في وقت يرى فيه مناوئو هذا التدخل أن الأخير ضيّق الخناق على المشاركة السياسية لقطاعات من اليمنيين. وإلى جانب ذلك، افتتحت «وكالة أنباء الشرق الأوسط» مكتباً كبيراً لها في صنعاء، وبثّت «صوت العرب» برامج إذاعية من هناك، فيما تقلّص الجهاز الإداري اليمني لمصلحة المستشارين المصريين، وشكّل الجنود المصريون أيضاً قوام الحرس الرئاسي للسلال.
على أن الجيش المصري واجه في شمال اليمن التحدّي الكلاسيكي الذي يعترض أيّ جيش نظامي يخوض صراعاً مع جماعات قبلية غير نظامية التكوين. ويلفت ديفيد ويتي، في دراسته «مصر في اليمن الشمالي 1962-1967» (مجلة «التاريخ العسكري»، نيسان 2001)، إلى أنه رغم وجود مستشارين عسكريين مصريين في اليمن قبل انقلاب السلال، وما يعنيه ذلك من توفّر معرفة مُفترضة بأوضاع اليمن وتجاذباته، فإن الجيش المصري بدا، مع تعمّق الأزمة، غير مستعدّ لتدخّل بالحجم والتوقيت والمدى الزمني الذي تمّ به الأمر. وهذا ما يؤكّده أيضاً أحد القادة العسكريين الذين عايشوا الحرب، وهو الفريق صلاح الدين الحديدي، الذي شبّه مصر في كتابه «شاهد على حرب 1967» (مكتبة مدبولي، 1974) بـ«الشخص الذي دخل اختباراً من دون استعداد»، متهكّماً على حقيقة أن كلّ ما كان يعرفه الجنود عن اليمن أنه يجاور السعودية.
ويكشف حجم الخسائر البشرية والعملياتية، منذ إطلاق «العملية 9000» (تشرين الأول - تشرين الثاني 1962) حتى الانسحاب النهائي للقوات المصرية من اليمن، إخفاق خطّة السيطرة على كامل اليمن الشمالي وضبط الحدود مع السعودية، والتي هدفت إلى «منع وصول الإمدادات إلى أنصار الحكم السابق من قبل السعودية». كما لم يحقّق القصف الجوي، ولا سيما في نجران وجيزان ومحمية عدن البريطانية، النتائج المرجوّة، وإن بذلت القوات المصرية جهوداً مضنية حقّقت مكاسب مهمة في عامَي 1962 و1963، خصوصاً على السواحل الشرقية للبحر الأحمر.
مصر واليمن: درس التاريخ
اليوم، يتجدّد الحديث عن التدخّل المصري في اليمن، في ظلّ إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي في 21 تشرين الأول الجاري استعداد بلاده لدعم السعودية في «الدفاع عن نفسها». وإذ أثار ذلك مخاوف شعبية مشروعة، فقد قابل المخاوفَ سيلٌ دعائي يبرّر الخطوة بأنها عمل تضامني مع أكبر حليف عربي لمصر في العقود الأخيرة. ولا تفوت المراقبَ، هنا، إلمامة تاريخية مفادها أن المشير عبد الحكيم عامر كان استغلّ الحرب في اليمن وتدخّل مصر فيها، في العام نفسه الذي أرسى فيه «الميثاق الوطني» قواعد دولة المواطنة الحديثة، ليعزّز قبضته على القوات المسلحة، ويوسّع نفوذها داخل المجتمع المصري وخارج دوائر حركتها الوطنية التقليدية، وربّما ليبني قاعدة سلطة مستقلّة عن عبد الناصر نفسه، الذي أوكل الملف السياسي إلى السادات والعسكري - العملياتي إلى عامر. ولعلّ هذا الوضع مهّد، إلى جانب عوامل داخلية وخارجية أخرى، الأرضية لهزيمة حزيران 1967، في وقت تعطّل فيه مشروع الدولة الوطنية لسنوات مكلفة ومؤلمة لا تزال آثارها ماثلة في بعض المناحي في مصر.
وبمعزل عن حجم الدور المصري المُرتقب في اليمن اليوم، وأرجحية اقتصاره على منحًى دفاعي، وغموض الموقف السعودي نفسه، وعن ضرورات الأوضاع الراهنة التي قد تضغط على صانع القرار، تبقى هذه القراءة التاريخية تذكيراً بأن الانفراد بالقرار والتسرّع فيه قد تكون لهما عواقب مؤلمة تمتدّ عقوداً وتغيّر مصائر مجتمعات ودول.