علاقات » اميركي

اقتصاد متشابك وخلاف سياسي.. اختبار جديد للعلاقة السعودية الإماراتية

في 2026/01/13

يوسف حمود - الخليج أونلاين

لطالما قُدمت العلاقات السعودية–الإماراتية بوصفها نموذجاً للتكامل الخليجي، يقوم على تشابك اقتصادي واسع، واستثمارات متبادلة، وتنسيق سياسي وأمني ممتد منذ سنوات، غير أن هذا النموذج دخل منذ أواخر 2025 مرحلة اختبار حقيقي، مع تصاعد الخلافات السياسية وتحولها إلى اتهامات علنية غير مسبوقة.

ففي الوقت الذي تتزايد فيه التحديات الإقليمية، برز الملف اليمني مجدداً كأحد أكثر نقاط التوتر حساسية، بعدما وجهت السعودية اتهامات مباشرة للإمارات بالتصعيد ودعم تحركات عسكرية تهدد أمنها القومي، فهذا التطور كسر تقاليد إدارة الخلاف داخل التحالف، وفتح الباب أمام إعادة قراءة العلاقة الثنائية خارج إطار المجاملات الدبلوماسية.

وسط هذا المشهد يطرح سؤال جوهري نفسه: هل تستطيع المصالح الاقتصادية الهائلة بين الرياض وأبوظبي الصمود أمام تعقيدات السياسة الإقليمية، أم أن التوترات المتراكمة ستفرض واقعاً جديداً يعيد رسم حدود الشراكة بين البلدين؟

ثقل اقتصادي 

تُعد السعودية والإمارات من أكبر اقتصادين في الخليج والمنطقة، ورغم الاعتماد التاريخي على النفط، يمضي البلدان في مسارات متسارعة لتنويع الاقتصاد عبر السياحة، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا، والصناعات غير النفطية.

وسجل حجم التجارة الثنائية بين البلدين نحو 30 مليار دولار في 2024، فيما لم تصدر إحصائية للعام 2025، مع توقعات بارتفاعه بنسبة تقارب 25%.

كما تجاوزت الاستثمارات المتبادلة حاجز 100 مليار دولار، شملت مشاريع في الطاقة، والعقار، والبنية التحتية، والترفيه، إلى جانب استثمارات إماراتية في مشاريع سعودية كبرى، واستثمارات سعودية واسعة في دبي وأبوظبي.

2024–2025

في النصف الأول من 2025، ارتفعت التجارة غير النفطية بين البلدين بنسبة 21.3% لتصل إلى نحو 15 مليار دولار، وبلغت صادرات السعودية من النفط والمنتجات البتروكيماوية إلى الإمارات نحو 18.75 مليار دولار خلال 2024، فيما صدرت الإمارات بضائع إلى السعودية بقيمة 4.29 مليارات ريال سعودي (1.14 مليار دولار أمريكي) في سبتمبر 2025 وحده، بنمو سنوي تجاوز 25%.

وعلى صعيد الاستثمار، بلغت الاستثمارات الإماراتية المباشرة في السعودية حتى نهاية 2024 نحو 111 مليار ريال سعودي (29.6 دولار أمريكي).

وتواصل الصناديق السيادية السعودية ضخ استثمارات كبيرة في السوق الإماراتية. كما يهيمن البلدان معاً على قرابة 70% من تمويل رأس المال الاستثماري المغامر في الشرق الأوسط خلال النصف الأول من 2025.

الاتهامات ونقطة التحول

رغم هذا التشابك الاقتصادي، شهد ديسمبر 2025 تحولاً لافتاً حين أصدرت الخارجية السعودية بياناً شديد اللهجة اتهمت فيه الإمارات بـ"تصعيد خطير جداً" في اليمن، واعتبرت تحركات مرتبطة بدعم قوات المجلس الانتقالي الجنوبي تهديداً مباشراً للأمن القومي السعودي.

وجاء التصعيد عقب ضربات جوية استهدفت محيط ميناء المكلا، ربطتها الرياض بمحاولات إدخال أسلحة ومعدات عسكرية لتغيير موازين القوى شرقي اليمن. 

وقد شكل هذا الموقف خروجاً واضحاً عن لغة التنسيق التقليدية، ورسالة سياسية مباشرة بأن الخلاف لم يعد محصوراً في الكواليس.

وردت الإمارات في بيان أعرب أيضاً عن أسف أبوظبي لما تضمنه البيان السعودي من "مغالطات جوهرية"، ورفضت "الزج باسمها في التوتر الحاصل بين الأطراف اليمنية".

 السجال الإعلامي

لم يبقَ التوتر في إطاره الرسمي، بل انتقل سريعاً إلى الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث اندلعت سجالات علنية بين إعلاميين وباحثين ومشاهير من الجانبين. 

وتبادل مؤثرون اتهامات تتعلق بالهيمنة الإقليمية، ودور المال في صناعة النفوذ، ومسؤولية كل طرف عن تعقيد الأزمات في اليمن والسودان وليبيا.

وترافقت هذه السجالات مع اتهامات باستخدام حملات رقمية منظمة وحسابات آلية لتوجيه الرأي العام، ما عكس انتقال الخلاف من مستوى سياسي مضبوط إلى مواجهة إعلامية مفتوحة، كسرت كثيراً من الخطوط الحمراء التي حكمت الخطاب المتبادل لسنوات.

وأبرز نقطة تحول في السجال ما نشره الأكاديمي وأستاذ العلوم السياسية والناشط المقرب من السلطات في أبوظبي الدكتور عبد الخالق عبد الله من تدوينة على شبكة "إكس" سخر فيها من السعودية، حيث قال فيها: إن "تهديد قائد التحالف العربي الذي انتهى عملياً منذ 2019 بعمل عسكري ضد الجنوب العربي جنون"، مضيفاً: "حرر صنعاء أولا يا بطل".

واضطر الأكاديمي الإماراتي في اليوم التالي إلى حذف التغريدة التي هاجم فيها السعودية بعدما أثارت جدلاً واسعاً، ونشر تغريدة ثانية قال فيها: إن "التغريدة المليونية أمس التي مسحتُها قبل قليل، تعبّر عن رأي شخصي ولا علاقة لها بموقف إماراتي رسمي، ولا تقصد الإساءة لأشقاء كرام في السعودية".

وانتقد كثير من النشطاء والكتاب والباحثين السعوديين الدور الإماراتي في اليمن، فيما فتحت المواجهة في اليمن الباب أمام جدل قديم متجدد حول التدخلات الإماراتية في عديد من الدول العربية، وسط حالة من الفوضى والصراعات المسلحة.

وشاركت وسائل الإعلام الحكومية السعودية شن هجوم مستمر حتى اليوم ضد الإمارات متناغمة مع البيانات الرسمية، التي كان آخرها اتهام أبوظبي بتهريب رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي إلى الإمارات عبر البحر، ثم نقله بطائرة شحن عسكرية من إقليم "أرض الصومال".

لا قطيعة اقتصادية

يقول عبد العزيز العنجري، المؤسس والرئيس التنفيذي لمركز "ريكونسنس" للبحوث والدراسات، إن تاريخ الخلافات الخليجية، مهما بلغت حدتها أو تنوعت أسبابها، "هناك حقيقة ثابتة مفادها أنه لم يسبق لأي خلاف خليجي أن تحول إلى قطيعة اقتصادية طويلة المدى ذات أثر دائم".

وأوضح لـ"الخليج أونلاين" أن التصعيد السياسي قد يحدث ويبلغ أحياناً مستويات غير مسبوقة، لكن الاقتصاد ظل دائماً آخر خطوط الانقطاع وأول مسارات الترميم.

وأضاف: "التوترات السعودية الإماراتية الراهنة لا يمكن قراءتها بمعزل عن مفهوم البيت الخليجي، حيث قد تتصاعد الخلافات بين الأشقاء، لكنها لا تتحول إلى فك ارتباط استراتيجي شامل".

وأشار إلى أن تشابك المصالح الاقتصادية وحجم الاستثمارات المتبادلة وترابط سلاسل الإمداد وملفات الطاقة والتجارة تجعل من القطيعة الاقتصادية خياراً مكلفاً وغير منطقي للطرفين.

وأكد أن المنطقة قد تشهد شداً وجذباً سياسياً، وقد تطول مرحلة إدارة الخلاف كما حدث في تجارب خليجية سابقة، لكن المسار العام يظل واضحاً؛ الخلاف ظرفي أما الجغرافيا والمصالح والبيت الخليجي فهي ثوابت لا تتغير.

استمرار العلاقات الاقتصادية

ويشارك أحمد عيد الباحث الاقتصادي رأيه في استمرار العلاقات الاقتصادية، ويرى أن العلاقات الاقتصادية السعودية-الإماراتية تصنف ضمن نمط "الاعتماد المتبادل المعقد، حيث تتشابك المصالح التجارية والاستثمارية وسلاسل القيمة الإقليمية على نحو يجعلها أقل تأثراً بالتقلبات السياسية الآنية".

ويوضح في حديثه لـ"الخليج أونلاين" أن هذا التشابك يمنح العلاقة الاقتصادية قدرة نسبية على الصمود، حتى في ظل تصاعد التجاذبات والاتهامات المتبادلة على المستوى السياسي والأمني.

لكنه يرى أنه في حال استمرت التوترات الإقليمية، ولا سيما في الملفات الجيوسياسية الحساسة، "فقد ينعكس بشكل غير مباشر على وتيرة التعاون الاقتصادي، من خلال إعادة تقييم بعض الاستثمارات، أو تباطؤ التنسيق في المشاريع الاستراتيجية، دون أن يصل ذلك إلى قطيعة أو تفكك شامل في العلاقات الاقتصادية".

وأضاف: "الاقتصاد بين البلدين مرشح للاستمرار ضمن إطار براغماتي حذر، يقوم على إدارة الخلافات لا تجاوزها، حيث تبقى المصالح الاقتصادية عامل كبح للتصعيد، لكنها لا تُلغي تأثير السياسة على اتجاهات التعاون ومستواه في المدى المتوسط".

مرحلة دقيقة

بدوره يقول الدكتور عايد المناع، الأكاديمي والباحث السياسي الكويتي، إن العلاقات السعودية الإماراتية "تمر بمرحلة دقيقة ومتوترة للأسف الشديد، وذلك نتيجة اختلاف القراءتين حول كيفية معالجة الأوضاع في اليمن، وبالذات في جنوب اليمن".

وأوضح أن السعودية" استجابت لطلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وقامت بالوساطة في البداية في أوائل يناير، وسبق ذلك تحرك عسكري بقيادة اللواء محمد عبيد القحطاني، بشكل جدي وحقيقي".

وأضاف المناع لـ"الخليج أونلاين" أن السعودية ذهبت مع الإمارات نفسها إلى المحافظات الجنوبية التي سيطر عليها المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة، لافتاً إلى أن الإمارات "تساند المجلس الانتقالي، في حين تقف السعودية على العكس تماماً بدعم الحكومة اليمنية الشرعية".

وأكد أنه "عندما لم تجد الأمور طريقها للحل تدخلت السعودية عسكرياً وحسمت الموقف لصالح الحكومة الشرعية".

وأوضح أن العلاقات بين الطرفين السعودي والإماراتي متوترة، لكنه على يقين بأنها قابلة للحل، مشيراً إلى أن الإمارات "لم تتعاند كثيراً وسحبت ما تبقى من قواتها"، ومتوقعاً "أن يتم تجاوز هذه الأزمة مع تدخلات إقليمية غير معلنة، كما حدث في أزمات سابقة".

كما رجح "أن تطغى في النهاية المصالح الخليجية والأخوية المشتركة، رغم استمرار فترة من عدم الارتياح وإعادة الحسابات في ملفات اليمن والسودان وليبيا وغيرها".