علاقات » اميركي

نحو مقاربات جديدة لأمن الخليج

في 2026/03/13

(أحمد شوقي \ راصد الخليج)

مع تطورات الحرب على إيران، وما استدعته من رد إيراني على القواعد الأمريكية في دول الخليج ونذر التوتر بينها وبين إيران، ينبغي الاعتراف خليجيًا بأن هذه القواعد أصبحت عبئًا على الخليج وأمنه القومي.

صيغت مقاربات الأمن الخليجي وفقًا لاتفاقية كوينسي التي تقوم على الحماية الأمريكية للعروش مقابل امتيازات النفط، واستمرت هذه المقاربة بتويعاتها ومستجداتها. لكن في غفلة من الأمن الخليجي، سعت أميركا لتأمين تمدد "إسرائيل" وتحويلها إلى "إسرائيل الكبرى" باستغلال القواعد في الخليج لتشكيل مظلة أمنية تخدمها ولا تخدم دول الخليج.

كما عكست بعض بيانات دول الخليج الرافضة والمنددة باستهداف إيران للقواعد الأمريكية تناقضًا وجدانيًا، حيث قال البيان القطري مثلاً أن هذا الاستهداف "دمر كل شيء"، ما يوحي بأنه دمر التعاطف مع الجار الإيراني. هذا يعكس معضلة كبرى، حين يعادي الوجدان الشعبي الخليجي أي عدوان إسرائيلي، بينما يقوده الوضع الحالي لاستعداء إيران والتموضع والاصطفاف مع "إسرائيل".

أمام هذا الواقع؛ نحن أمام كارثة كبرى تلحق بالأمن الخليجي، لا سيما في جانبه الاقتصادي بشقه النمطي المعتمد على النفط والغاز، وبشقه المستحدث والهادف لتنويع الاقتصاد بالاعتماد على الاستثمارات في مجالات أخرى مثل التكنولوجيا والذكاء الصناعي والأسواق الناشئة.

على صعيد الطاقة، إن إغلاق المضائق وتوقف سلاسل التوريد ينذر بكارثة اقتصادية كبرى، هذا فضلًا عن توقف الطيران وأزمة سلع رئيسة قد تحدث لو لم تفتح المضائق وخطوط الطيران.

أما على صعيد الأسواق الناشئة وشركات التكنولوجيا، فلم يعد الخليج ملاذًا آمنا ولا واحة مستقرة تجذب المستثمرين،فإذا ظلت الأوضاع بهذا الشكل وأصبح الخليج متورطًا في مغامرات أميركا الإمبراطورية وأوهام "اسرائيل الكبرى".

إن الأمن القومي، بمفاهيمه القديمة العسكرية والاقتصادية، ومفاهيمه الحديثة المعتمدة على الأمن الإنساني اجتماعيًا وثقافيًا وبيئيًا، كلها مهددة وبحاجة إلى تغيير في عقيدة الأمن الخليجي.

إنسانيا، نرى تناقضًا وجدانيًا بين العداء التاريخي والتقليدي مع "إسرائيل" وأوضاع خاطئة تدفع إلى الاصطفاف معها واستعداء الجار الإيراني المسلم.

أما أمنيًا؛ هناك مخاطر كبرى على الشعب الخليجي من تعرضه لارتدادات النيران وقذائف الدفاعات الجوية الأمريكية نفسها التي أصابت المواطنين وممتلكاتهم.

اقتصاديًا، هناك مخاطر جسيمة على النمو الاقتصادي والطموحات الخليجية الكبرى، بل قد يصل الأمر إلى العودة إلى زمن ما قبل الطفرة النفطية وسقوط عوامل الرفاهية والمستويات الاجتماعية المرتفعة لشعوب الخليج.

يضاف إلى ذلك العوامل البيئية والأمن الغذائي، وكلها مخاطر لم تكن لتحدث لو كان الخليج في موقعه الصحيح المنتمي للقضية المركزية للأمة، أو على الأقل واقفًا على الحياد الحقيقي بين إيران وأميركا و"إسرائيل".

على الرغم من أن الخليج يعلن الحياد، وعدم تورطه في الهجوم على إيران وأن القواعد الأمريكية مسألة تتعلق بالسيادة، إلا أن الشريك الأمريكي يمارس العدوان انطلاقًا من هذه القواعد، ما يعني فقدان دول الخليج مصداقيتها. كما أنه يغامر بأمن الخليج حفاظًا على أمن "إسرائيل" وأمن الهيمنة والنفوذ الأمريكي في إطار الصراع الدولي مع الأقطاب الصاعدة في العالم.

بناء على ما تقدم؛ ليس أمام الخليج إلا أحد خيارين: الأول اعتماد أمن قومي جديد يتطابق مع "أمن إسرائيل" والتورط المعيب صراحة في الحروب الأمريكية، وهو خيار نربأ بالخليج أن يختاره، وهو مرفوض شعبيًا.

أما الثاني هو اعتماد مقاربة جديدة لأمن الخليج تستفيد من الدرس الراهن وتعيد صياغة العلاقات الاستراتيجية مع الجوار ومع أميركا ورفض سياسة القواعد الأجنبية وتوريط الخليج. هذا ما يستدعي عودة الخليج لمربع الدفاع عن ثوابت الأمة وقضيتها المركزية، وهو أكبر رادع للهيمنة وأكثر خيار آمن؛ لأن الجوار ليس بحاجة للعدوان على الخليج، وسيكون التعاون هو العنوان، وحتى لو كان هناك تنافس، فسيكون مثل التنافس بين دول مجلس التعاون، وليس صراعًا أو صدامًا مؤثرًا على الأمن القومي.