علاقات » اميركي

رهان إماراتي على الغاز الأمريكي لبناء مظلة أمان استثماري

في 2026/05/02

وكالات

تتجه شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) إلى إعادة تموضع استثماراتها العالمية عبر التوسع في سوق الغاز الأمريكي، في خطوة تعكس قراءة جديدة لمعادلات الطاقة وسط اضطرابات جيوسياسية متصاعدة، وتزايد دور الغاز كمصدر انتقالي في مزيج الطاقة العالمي.

وتشير هذه التحركات إلى سعي إماراتي لبناء مظلة أمان استثماري طويلة الأمد، عبر الاستفادة من استقرار السوق الأمريكية وعمقها، بالتوازي مع تنامي الطلب على الغاز، خاصة مع تسارع اقتصاد الذكاء الاصطناعي واحتياجاته الضخمة للطاقة.

رهان أمريكي

وتعكس المؤشرات الأخيرة تسارع التوجه الإماراتي نحو توسيع الحضور في أسواق الطاقة العالمية الأكثر استقراراً.

وكشفت صحيفة "فايننشال تايمز"، في 28 أبريل 2026، أن "أدنوك" عبر ذراعها الاستثمارية الدولية "إكس.آر.جي" تدرس تنفيذ استثمارات تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات في قطاع الغاز الطبيعي بالولايات المتحدة.

ووفق تصريحات مسؤول الاستثمار في "إكس.آر.جي" نمير صديقي، فإن الشركة تُقيّم نحو 29 صفقة محتملة بهدف إنشاء مشروع عالمي متكامل رأسياً، يتحكم في كامل سلسلة القيمة، من الإنتاج وحتى الوصول إلى المستهلك النهائي.

وأوضح صديقي أن هذه المقاربة تمنح الشركة قدرة أكبر على إدارة المخاطر وتعظيم العوائد في بيئة طاقة متقلبة.

وأضاف أن الاستثمارات قد تشمل أصول المنبع، وخطوط الأنابيب، ومرافق المعالجة والتسييل، وصولاً إلى إعادة التغويز، ما يعكس توجهاً لبناء منظومة متكاملة لا تعتمد على حلقة واحدة فقط.

وأكد صديقي أن "السوق الأمريكية سوق نرغب في الاستثمار فيها بجرأة"، مع ربط أي توسع بتحقيق عوائد مناسبة.

طلب متصاعد

وتعكس هذه الاستراتيجية استجابة مباشرة لتحولات الطلب العالمي، حيث تركز "إكس.آر.جي" على تلبية النمو المتسارع في سوق الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب الطلب الأمريكي المتزايد لتشغيل مراكز البيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة.

وفي هذا الإطار أوضح الرئيس التنفيذي لـ"أدنوك" سلطان الجابر، خلال مؤتمر "سيراويك" بولاية تكساس في مارس 2025، أن الاستثمار في الغاز الأمريكي "ضخم وكبير"، وسيغطي كامل سلسلة التوريد من الاستكشاف إلى التوزيع. وأشار إلى أن العالم بحاجة إلى إمدادات طاقة كافية لمواكبة الطلب المتنامي.

وتوقع الجابر ارتفاع الطلب على النفط إلى 109 ملايين برميل يومياً، والكهرباء إلى 15 ألف غيغاواط بحلول 2035، مقارنة بـ103 ملايين برميل و9 آلاف غيغاواط حالياً، وفق ما نقلته "رويترز".

كما شدد الجابر على أن أحد محركات هذا النمو يتمثل في التوسع السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي ترفع الطلب على الكهرباء بشكل متسارع، وتفرض تحديات جديدة على أنظمة الطاقة لتأمين إمدادات مستقرة تلبي احتياجات الاقتصاد الرقمي.

رافد استراتيجي

ويرى الأكاديمي والخبير الاقتصادي الدكتور أحمد صدام أن التوجه الإماراتي نحو قطاع الغاز الأمريكي يستهدف الاستفادة من فروق الأسعار العالمية، عبر الاستثمار في سوق يتميز بانخفاض التكاليف وسرعة النمو، مما يتيح إعادة التصدير بأسعار مربحة إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية.

ويوضح لـ"الخليج أونلاين" أن هذه الاستثمارات الضخمة تعكس رغبة الإمارات الاستراتيجية في التحول من دولة منتجة للنفط إلى مستثمر عالمي في مجال الغاز.

ويلفت الدكتور صدام إلى أن اختيار الولايات المتحدة يوفر بيئة استثمارية مستقرة تضمن استدامة النمو بعيداً عن تقلبات الأسواق التقليدية.

ويعتقد أن سعي الدولة للاستثمار في بيئة سياسية مستقرة كأمريكا يسهم في تأمين تدفقات الدخل القومي، خاصة في ظل التوترات الإقليمية التي قد تؤثر على إمدادات الطاقة في الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز.

ويضيف أن شركة "أدنوك" تطمح من خلال هذه الصفقات إلى التحول لنموذج المستثمر في سلاسل التوريد العالمية عوضاً عن الاكتفاء بتصدير الموارد، وذلك بهدف التحوط من المخاطر الجيوسياسية وبناء محفظة طاقة دولية متنوعة تعزز من قدرتها التنافسية.

ويشير صدام إلى أن مشاريع الغاز العملاقة خارج الحدود تعد رافداً اقتصادياً استراتيجياً، حيث تؤكد التقديرات قدرة هذه الاستثمارات على تحقيق عوائد سنوية مرتفعة، مما ينعكس إيجاباً على الأرباح والمكتسبات المالية للدولة على المدى الطويل.

ويردف أن العوائد طويلة الأجل المتوقعة من هذه الاستثمارات الخارجية تمثل دعامة قوية للاقتصاد الوطني، مؤكداً أن التوسع في بناء المنشآت الطاقية الكبرى يرسخ مكانة الإمارات كلاعب محوري ومؤثر في خريطة الطاقة العالمية المستقبلية.

بيئة جاذبة وتحوط

وتستند جاذبية السوق الأمريكية إلى حزمة سياسات داعمة لقطاع الطاقة، خاصة بعد قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في مارس 2025، التي شملت تسريع تصاريح مشروعات الغاز المسال، ودعم الإنتاج المحلي.

وقد أسهمت هذه السياسات في جذب الاستثمارات الأجنبية، مستفيدة من وفرة الموارد والبنية التحتية المتقدمة، وتُقدّر قيمة أصول "إكس.آر.جي" بنحو 80 مليار دولار، ما يمنحها مرونة كبيرة لاقتناص الفرص في هذا السوق.

وعززت الشركة حضورها فعلياً عبر زيادة حصتها بنسبة 7.6% في مشروع "ريو غراندي" للغاز الطبيعي المسال في يناير، بعد امتلاكها 11.7% في مراحله الأولى، بحسب تقرير "ذا ناشيونال"، في 28 أبريل 2026، في مؤشر على انتقال الاستراتيجية من مرحلة الدراسة إلى التنفيذ التدريجي.

ولا تكتفي "أدنوك" بتوسيع حضورها، بل تدفع بذراعها "إكس.آر.جي" لمنافسة عمالقة الطاقة عبر نموذج هجين يجمع بين التمويل السيادي والخبرة التشغيلية، ما يمنحها ميزة في اقتناص أصول الغاز الأمريكية والتحكم بتدفقات الغاز المسال عالمياً.

 وتتجاوز هذه التحركات البعد الاستثماري البحت لتشكل أداة تحوط في مواجهة تقلبات أسواق الطاقة العالمية، خاصة مع تأثير التوترات الجيوسياسية، بما في ذلك تداعيات الحرب المرتبطة بإيران، على استقرار الإمدادات.

وفي هذا السياق أشار صديقي إلى أن "البيئة الحالية عززت نهج الشركة في نشر رأس مال مرن عبر سلسلة الطاقة العالمية"، ما يعكس توجهاً لبناء محفظة قادرة على امتصاص الصدمات وتحقيق عوائد مستدامة.

ورغم ذلك تبقى تقلبات السياسات الأمريكية قائمة، حيث حذر مسؤولون في القطاع من تأثير تغير التوجهات التنظيمية بين الإدارات، في حين ترى شركات أخرى أن السوق الأمريكية ستظل قادرة على تحقيق نمو مستقر حتى نهاية العقد.