في 2026/05/13
(أحمد شوقي \ راصد الخليج)
شهدت دبي تطورًا كبيرًا، منذ بدايات النهضة في سبعينيات القرن الماضي، وقد وصلت إلى ذروة الحلم والترقي العالمي في بداية الألفية الجديدة وما شهدته من توجه نحو التنوع الاقتصادي غير النفطي، بتحويلها ملاذًا للاستثمارات والشركات الناشئة والتكنولوجيا لتصبح مدينة عالمية تحظى بمكانة مرموقة.
مع أن هذا التحول شهد بعض الانقسام في الآراء بين مرحب بهذا الوصول للعالمية، وبين بعض الغيورين على الهوية الذين عبّروا مبكرا عن قلقهم من ارتفاع البنيان على حساب الهوية الإماراتية وتراجع التواصل المجتمعي وتحول "دبي" مدينة للسائحين والأجانب على حساب الشعب الإماراتي الأصلي، إلا أن الخطط سارت بشكل متسارع.
قبل الحرب الراهنة(الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران) وفي أحدث الإحصائيات، تيوأت مدينة دبي مكانة عالمية مرموقة، حيث صُنفت في المركز الثامن ضمن أفضل مدن العالم في العام 2026، متفوقة في مجالات: الاقتصاد والسياحة والأمن، بصفتها مركزًا ماليًا وتجاريًا رئيسًا، وعززت المدينة موقعها باستثمارات ضخمة وموانئ عالمية ومطارات هي الأكثر إشغالًا دوليًا، مستهدفة قيادة مستقبل الاقتصاد الرقمي والبحري.
لكن وبعد نشوب الحرب عتلى إيران مؤخرًا؛ تعززت المخاوف التي أبداها كثيرون من هشاشة الوضع في مدينة دبي والإمارات، وربما الخليج بشكل عام، وذلك على خلفية ضرورة توفر عامل الأمن والاستقرار في أي بقعة تطمح للاستثمار، انطلاقًا من معلومة بديهية في الاقتصاد وهي أن "رأس المال جبان".
مع سقوط الصواريخ والطائرات المسيرة في دولة الإمارات، بدأ العديد من وسائل الإعلام استخدام مصطلح مقلق وهو " نهاية حلم دبي". إذ بنيت هذه التحليلات على أن هذه المدينة، والتي كانت تعدّ طوال السنوات الماضية ملاذًا للأثرياء والمهاجرين بسبب تشكيلها نموذجًا مناقضًا لعدم اليقين والاستقرار في المنطقة، قد أصبحت جزءًا من هذا المناخ العام؛ فزعزعت صورتها.
لعل أخطر وأهم تقرير، كان تقرير صحيفة "ديلي ميل" البريطانية، والذي رصد كيفية ترك المؤثرين حياتهم الصاخبة في هذه الإمارة، والتي تبدو في الظاهر مستقرة عصية على الأزمات، وتحدث عن "هجرة كبرى من دبي". وأضافت التقارير بعدًا آخر ينطوي على خطأ تعامل سلطوي مع الأزمة، فقد أشار إلى أعمال القمع العلنية واعتقال مؤثرين وأشخاص غيرهم بسبب نشرهم صور ومقاطع فيديو لأضرار ناجمة عن الهجمات الإيرانية.
كما رصدت منظمة الاستشارات القانونية أنه قد اعتقل أكثر من 100 شخص، من بينهم أوروبيون، بشبهة انتهاك قوانين الجرائم الإلكترونية وقوانين الأمن. كما تكبدت دبي خسائر اقتصادية كبيرة، بسبب هشاشة الوضع الذي يعتمد بقوة على قطاعات غير نفطية؛ مثل: السياحة والخدمات المالية والتكنولوجيا والعقارات والخدمات اللوجستية، وكلها تتطلب مناخًا آمنًا ومستقرًا وخاليًا من النزاعات والتهديدات.
هذا؛ ويجب ملاحظة أن عدد سكان دبي يبلغ نحو 3.8 مليون نسمة، منهم نحو 10 بالمئة فقط من المواطنين الإماراتيين الأصليين، ونحو 90 بالمئة من المغتربين، فنموها الاقتصادي، في السنين الأخيرة، اعتمد بشكل كبير على الهجرة، سواء من العمال أم المستثمرين والسياح، وهؤلاء لن يبقوا في محيط مهدد ومستهدف.
مع أن حكومة دبي تحاول مواجهة هذا الوضع يإجراءات من نوعية تأجيل سداد الرسوم الحكومية، مثلًا في قطاع السياحة وتسهيلات جمركية ووضع برامج لإنعاش السياحة بعد انتهاء الحرب.. إلا أن الأهم والجوهري هو إزالة التهديد الرئيسي؛ وهو أمر على علاقة وثيقة بالخيار السياسي والاستراتيجي بالخروج من التورط الراهن.
إن بقاء العداء مع الجار الإيراني سيجعل هناك حالًا دائمة من عدم الاستقرار، حيث تكفي مسيرة واحدة للعصف بأسهم البورصات وتشكيل مناخ طارد للاستثمار والنمو، وهو ما يتطلب تفاهما وإزالة لأسباب الخلاف. والعنصر الرئيسي هو الوجود الأجنبي والشراكة مع "إسرائيل"، والتي تهدد الجيران وتدفع بالخلاف إلى صراع واشتباك.
تبدو مدينة دبي والإمارات عمومًا، حتى الخليج، أمام خيارات: بين التحالف مع أميركا و"إسرائيل" وتحمّل تداعيات ذلك، وبين ضبط العلاقات مع أميركا بما لا يشكل تدخلاً ولا وجودًا عسكريًا لها، وتشكيل مظلة تحالف وأمن مع الجيران..
نرجو أن تكون هناك مراجعة شاملة لاستعادة حلم النمو وعدم انتهاء حلم دبي، وغيرها من مدن ومشروعات الخليج الطموحة.