في 2026/06/08
كامل جميل - الخليج أونلاين
في تطور قد يعيد رسم ملامح المواجهة بين واشنطن وطهران، بدأت الولايات المتحدة دراسة خيار غير مسبوق يتمثل في توجيه أصول إيرانية إلى دول الخليج المتضررة من الهجمات الإيرانية، بحسب ما أفادت وكالة "رويترز"، الأحد (7 يونيو 2026).
ويتجاوز هذا الخيار منطق العقوبات التقليدية نحو تحميل إيران كلفة الأضرار التي خلفتها الحرب وتداعياتها الاقتصادية والأمنية.
المصدر المطلع، الذي تحدث للوكالة، أشار إلى أن وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، كلّف فريقاً بتقييم تكاليف الأضرار التي ألحقتها إيران بحلفاء الولايات المتحدة في الخليج، مضيفاً أن "الولايات المتحدة ستدرس استخدام الأصول الإيرانية، لإصلاح أي دمار في المستقبل أيضاً".
ولم يحدد المصدر نوع الأصول التي تدرس وزارة الخزانة الأمريكية استخدامها، وما إذا كانت ستقتصر على الأصول المجمدة، وفق "رويترز".
أبعاد سياسية
لا تبدو هذه الخطوة مجرد إجراء مالي أو قانوني، بل تحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية عميقة، إذ تفتح باباً جديداً في الصراع بين البلدين عنوانه "التعويضات"، بعد سنوات من التركيز على العقوبات الاقتصادية والضغوط الدبلوماسية والتهديدات العسكرية.
في ذات الإطار، أفادت "فوكس بيزنس" نقلاً عن مصدر لم تكشف عن صفته أو هويته، أن سكوت بيسنت طلب من مسؤولي وزارة الخزانة إعداد "تقديرات شاملة" لتكاليف الأضرار المرتبطة بهجمات وقعت منذ بداية الحرب على إيران في 28 فبراير.
وأوضح أن وزارة الخزانة الأمريكية تعتزم استخدام "جميع الأدوات المتاحة" لإتاحة هذه الأصول أمام الدول الخليجية المتضررة، بما يضمن تمويل عمليات إعادة الإعمار والإصلاح، سواء للأضرار السابقة أو تلك المحتملة مستقبلاً.
من جهتها، ذكرت شبكة "إيه بي سي نيوز" نقلاً عن "مصدر مطّلع" أن الإدارة الأمريكية تتواصل حالياً مع حلفائها في الخليج، وتطلب تقييماً دقيقاً لحجم الأضرار.
وقد تشمل الأصول الإيرانية التي تدرس واشنطن استخدامها، أصولاً مجمّدة، إضافة إلى سفن صادرتها الولايات المتحدة خلال فترات سابقة، بحسب المصدر نفسه، مضيفاً أن وزارة الخزانة تدرس أيضاً إمكانية توظيف هذه الأصول لدعم إصلاح الأضرار السابقة المرتبطة بإيران، وليس فقط الأضرار المستقبلية المحتملة.
أضرار دول الخليج
بحسب ما تفيد تقارير خليجية مختلفة، فإن الأضرار التي تعرضت لها دول الخليج من جراء الحرب والهجمات الإيرانية عديدة وتأثيراتها كبيرة.
وبين أواخر فبراير ومنتصف أبريل، أطلقت إيران أكثر من 6400 صاروخ وطائرة مسيرة على دول الخليج، تسببت في أضرار جسيمة بالبنية التحتية، واضطرابات صناعية، وسقوط ضحايا.
ومن أبرز الأضرار:
استهداف محطة براكة للطاقة النووية الإماراتية بهجوم مسيّر.
أضرار طالت منشآت النفط والشحن في الفجيرة ومرافق حيوية في دبي وأبوظبي.
تأثر حركة النقل والتجارة من جراء ضربات طالت مطار دبي الدولي وميناء جبل.
استهداف مطار الكويت الدولي ومنشآت الكهرباء والمياه والنفط.
هجمات متكررة طالت قواعد عسكرية ومنشآت استراتيجية كويتية أوقعت خسائر بشرية ومادية.
ضربة لمجمع رأس لفان أجبرت قطر على خفض إنتاج الغاز الطبيعي المسال بصورة مؤقتة.
تعرض منشآت في رأس لفان ومسيعيد لأضرار أربكت قطاع الطاقة.
مسيّرات وصواريخ استهدفت مطارات ومواقع مدنية ومنشآت طاقة سعودية.
أضرار لحقت بمصفاة رأس تنورة، إحدى أهم المنشآت النفطية في المملكة.
هجمات متكررة على البحرين أبرزها حريق كبير في مصفاة بابكو.
توقف حركة الملاحة من جراء إغلاق هرمز وإلغاء تغطيات التأمين البحري.
إغلاق الأجواء الخليجية وشل حركة الطيران والسياحة.
خسائر قطاع السفر والسياحة في دول الخليج قُدّرت بنحو 40 مليار دولار.
أسواق المال الخليجية شهدت موجة تراجعات حادة.
استهداف فنادق وأبراج سكنية وبعثات دبلوماسية وجّه ضربة لصورة الخليج بصفتها منطقة آمنة للاستثمار.
استنزاف واسع لمنظومات الدفاع الجوي الخليجية مع استهلاك كميات كبيرة من الصواريخ الاعتراضية.
الحرب وضعت مشاريع التحول الاقتصادي الخليجية أمام أحد أكبر اختبارات الاستقرار منذ سنوات.
نتائج عكسية
ويرى أستاذ الاقتصاد السياسي د. محمد موسى، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن ما يُتداول بشأن احتمال استخدام أصول إيرانية مجمّدة أو مصادرة لتعويض أطراف متضررة في الخليج، في حال تأكد، لا يمكن التعامل معه بصفته إجراء مالياً تقنياً، بل بكونه تحولاً يمس جوهر النظام المالي الدولي وحدود استخدام القوة الاقتصادية.
ويشير موسى إلى أن تجميد الأصول السيادية كان يُستخدم تقليدياً أداة ضغط، لكن الانتقال إلى مرحلة المصادرة أو إعادة التخصيص يفتح إشكالات قانونية وسياسية أوسع، تتعلق بمبدأ الحصانة السيادية للأموال، وما إذا كانت الدول الكبرى باتت قادرة على إعادة تعريف قواعد النظام المالي وفق مصالحها.
ويضيف أن مثل هذا الخيار، رغم ما يمنحه لواشنطن من أدوات ضغط إضافية على طهران، قد يأتي بنتائج عكسية، إذ يدفع إيران إلى تشديد موقفها التفاوضي، وتعزيز سردية داخلية ترى أن الأموال السيادية لم تعد محصنة أمام التوظيف السياسي.
وفي البعد القانوني، يلفت إلى أن الفارق بين التجميد والمصادرة جوهري، فالأول يبقي الملكية قائمة لكن يمنع التصرف بها، في حين تتطلب المصادرة أسساً قانونية وقضائية أكثر صلابة، وهو ما يجعل أي خطوة من هذا النوع محل جدل واسع في الأوساط القانونية الدولية.
ويربط موسى هذا الجدل بما جرى مع الأصول الروسية بعد الحرب في أوكرانيا، حين فُتح نقاش غير مسبوق حول استخدام عوائد الأموال المجمدة في تمويل إعادة الإعمار، وهو ما اعتُبر سابقة أعادت طرح أسئلة حول مدى حصانة الاحتياطيات السيادية في النظام المالي العالمي.
ويخلص إلى أن خطورة هذا المسار لا تكمن في حجم الأموال المعنية بقدر ما تكمن في أثره على الثقة بالقواعد المالية الدولية، إذ قد يدفع ذلك عدداً متزايداً من الدول إلى إعادة التفكير في أماكن احتفاظها باحتياطاتها، وتسريع اتجاهات تنويعها بعيداً عن المراكز المالية التقليدية، بما قد يعيد رسم جزء من خريطة النظام النقدي العالمي خلال السنوات المقبلة.