في 2026/06/12
طه العاني - الخليج أونلاين
تتجهُ قوى الشرق الأوسط إلى إعادة ترتيب تحالفاتها الأمنية والسياسية مع تصاعد الحروب الإقليمية وتراجع اليقين بشأن مستقبل الدور الأمريكي في المنطقة.
وبين شبكات النفوذ الجديدة وأمن الطاقة والممرات البحرية، تتنافس العواصم الإقليمية على تثبيت مواقعها داخل النظام الإقليمي المقبل.
وتشير تقارير وتحليلات غربية حديثة إلى أن المنطقة لا تتجه نحو تحالفات تقليدية مغلقة، بل نحو شبكات مرنة تقوم على المصالح الأمنية والتنسيق العسكري والتموضع الاقتصادي، في ظل تصاعد تنافس إقليمي يهدف إلى منع تهميش الأدوار التاريخية للقوى الفاعلة.
تحالفات ناشئة
وتتداخلُ الحسابات الأمنية والسياسية بين القوى الإقليمية مع اتساع المخاوف من إعادة تشكيل موازين النفوذ بعيداً عن البنى التقليدية المستقرة لعقود.
وفي دراسة نشرها معهد تحليل العلاقات الدولية الإيطالي (IARI) في 13 مايو 2026، برزت ملامح تنافس ثلاثي في الشرق الأوسط يضم إيران وشبكة حلفائها، والتقارب الإسرائيلي الإماراتي، إلى جانب "محور سني" محتمل يضم السعودية وتركيا ومصر وباكستان.
وأوضح التقرير أن هذه التصورات لا تعكس تحالفات مكتملة، بل شبكات تقارب تتبلور تدريجياً تحت ضغط الحرب الإقليمية وإعادة توزيع مراكز القوة.
وأشار المعهد إلى أن التطبيع بين الإمارات و"إسرائيل" منذ "اتفاقيات أبراهام" عام 2020 تجاوز الإطار الاقتصادي ليشمل تعاوناً أمنياً متصاعداً في مجالات الدفاع الجوي، والمراقبة، ومواجهة الطائرات المسيّرة والصواريخ.
وفي المقابل، ترى قوى إقليمية رئيسية أن أي إعادة هندسة للنظام الإقليمي دون مشاركتها قد يؤدي إلى تآكل نفوذها التقليدي، في ظل امتلاك السعودية ثقلها المالي والنفطي، وتركيا قدراتها الدفاعية ونفوذها الإقليمي، ومصر موقعها الجيوسياسي وقناة السويس، إضافة إلى العمق الاستراتيجي الباكستاني.
ممرات الضغط
ومع تصاعد الأحداث في المنطقة، تحول أمن الخليج والممرات البحرية تدريجياً إلى مركز ثقل في معادلة النفوذ وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
وبحسب تقرير المعهد الإيطالي، تعتمد إيران على إستراتيجية "العمق غير المتماثل" عبر حلفاء إقليميين مثل الحوثيين والفصائل العراقية و"حزب الله"، بما يتيح لها ممارسة الضغط دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة واسعة.
ويشير التقرير إلى أن استهداف البنى التحتية أو الممرات البحرية يمنح طهران قدرة على رفع كلفة التحالفات المناوئة، خاصة مع توسع التعاون الأمني بين إسرائيل وبعض الدول الخليجية.
ويبرز مضيق هرمز باعتباره النقطة الأكثر حساسية في هذا المشهد؛ إذ إن أي اضطراب في الملاحة أو البنية التحتية النفطية ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة وأقساط التأمين واستقرار الأسواق العالمية.
وفي البعد الاقتصادي، يلفت التقرير إلى أن خروج الإمارات من ترتيبات "أوبك+" يعكس اتجاهاً نحو قدر أكبر من الاستقلالية الطاقية، ويفتح في الوقت نفسه مساحة تنافس أوضح مع السعودية حول سياسات الإنتاج والحصص النفطية.
كما يتوقف عند ملف الوديعة الإماراتية لدى باكستان البالغة 3.5 مليارات دولار، موضحاً أن التعامل معها أظهر كيف يمكن للأدوات المالية أن تتحول إلى أدوات نفوذ سياسي داخل شبكة العلاقات الإقليمية.
مسارات متباينة
ولا يعتقد الباحث السياسي والاستراتيجي الدكتور علي أغوان بتراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة، مؤكداً أن غياب أدلة فرضية الانسحاب، مثل إخلاء القواعد أو تراجع الاستثمارات والدبلوماسية، رغم وجود بعض التلكؤ في العمليات العسكرية الراهنة باتجاه إيران.
ويوضح في حديثه مع "الخليج أونلاين" أن التحركات والتحالفات الإقليمية الراهنة لكل من السعودية وإيران تتبع مسارات مختلفة ومتباينة في أهدافها وآليات تنسيقها المشترك مع القوى الأخرى.
ويلفت أغوان إلى أن السعودية تمتلك مسارات واضحة وشبكة تواصل واسعة النطاق تشمل قوى خليجية بارزة بالإضافة إلى مصر، فضلاً عن تنسيقها الكبير والفاعل مع باكستان، مما يمنح تحركاتها الإقليمية ثقلاً دبوماسياً وسياسياً متوازناً.
ويردف بأن المشهد الإيراني يبدو مختلفاً، حيث لا يمكن الحديث عن تحالفات إقليمية واستراتيجية عميقة ومستقرة لطهران في الوقت الحالي، لا سيما أن محيطها الغربي شهد توترات ومواجهات عسكرية مباشرة، مستثنياً تركيا من هذا الإطار المضطرب.
ويعتقد الدكتور أغوان أن الصداقة المتينة التي تجمع طهران بباكستان تدفع الأخيرة حالياً للتحرك الدبلوماسي في محاولة لوقف أي تصعيد عسكري جديد ضد إيران، مستنتجاً أن الضربات المتبادلة في المنطقة حدت من قدرة طهران على بناء شبكة تحالفات متماسكة.
تموضع متسارع
وتسعى القوى الإقليمية إلى بناء ترتيبات أمنية أكثر استقلالية مع استمرار الغموض حول مدى استدامة الدور الأمريكي في ضبط توازنات المنطقة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست" في 20 مايو 2026، برزت تركيا كأحد الفاعلين الأكثر نشاطاً في إعادة التموضع، عبر تكثيف محادثاتها الأمنية مع السعودية ومصر وباكستان ضمن مساع لبناء "تحالفات إقليمية مصغرة" تقوم على مفهوم "الملكية الإقليمية".
ونقلت الصحيفة عن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، تأكيده أن دول المنطقة باتت تدرك أنه "لا جدوى من انتظار حلول من القوى المهيمنة إذا لم تحل مشاكلها بنفسها"، في إشارة إلى تحوّل متزايد نحو إدارة الأزمات إقليمياً.
ويرجّح التقرير، أنّ أنقرة تنظر بقلق إلى تصاعد النفوذ الإسرائيلي بعد الحرب مع إيران، ما يدفعها إلى توسيع حضورها عبر الصناعات الدفاعية والطائرات المسيّرة وبناء شبكات تعاون إقليمية أكثر مرونة.
وفي المقابل، يرى معهد تحليل العلاقات الدولية الإيطالي أن الولايات المتحدة لا تزال الضامن العسكري الأبرز في المنطقة، لكن سلوك حلفائها بات أكثر استقلالية، بما يجعل المظلة الأمريكية إطاراً يجمع أطرافاً متنافسة في الوقت نفسه.
كما يشير المعهد إلى أن الصين تعزز حضورها الدبلوماسي والاقتصادي عبر سياسة "الانخراط الهادئ"، مستفيدة من وساطتها بين السعودية وإيران عام 2023، بما يعكس قدرة بكين على العمل كقناة توازن دون الانخراط العسكري المباشر.
وتخلص الصورة العامة إلى أن الشرق الأوسط لا يتجه نحو اصطفافات جامدة، بل نحو شبكات نفوذ متحركة، حيث تُقاس القوة بقدرة الفاعلين على التموضع داخل تقاطعات الأمن والطاقة والاقتصاد، لا ضمن تحالفات معلنة بحد ذاتها.