في 2026/07/12
طه العاني - الخليج أونلاين
تتجه العلاقات السعودية الكندية إلى مرحلة جديدة تستند إلى المصالح الاستراتيجية والشراكات الاقتصادية، مع سعي البلدين إلى توسيع التعاون في قطاعات تتجاوز التجارة التقليدية نحو الاستثمار، والتقنيات المتقدمة، والطاقة، والمعادن الحيوية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع زيارة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، لجدة في 8 يوليو 2026، في أول زيارة لرئيس وزراء كندي إلى المملكة منذ 26 عاماً، بما يعكس رغبة متبادلة في تحويل مسار التقارب السياسي إلى تعاون اقتصادي ودبلوماسي أكثر استدامة.
شراكة متجددة
وتعكس زيارة كارني للسعودية، وفق بيان مكتب رئيس الوزراء الكندي، تحولاً لافتاً في مسار العلاقات الثنائية بعد سنوات من الفتور الدبلوماسي، إذ أكد كارني على منصة "إكس" أن بلاده تتجه نحو "تأسيس شراكة جديدة مع المملكة العربية السعودية" تستهدف تعزيز الازدهار وخلق الفرص للجانبين.
وتكتسب الزيارة أهمية خاصة، باعتبارها الأولى لرئيس وزراء كندي منذ زيارة جان كريتيان عام 2000، كما تأتي عقب مشاركة كارني في قمة حلف شمال الأطلسي "الناتو" في أنقرة، ما يمنحها بعداً يتجاوز العلاقات الثنائية إلى ملفات إقليمية ودولية أوسع.
واستقبل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، رئيس الوزراء الكندي في جدة، الخميس 9 يوليو 2026، حيث بحث الجانبان سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع التعاون في عدد من المجالات ذات الاهتمام المشترك.
ويأتي هذا الحراك بعد مسار تدريجي من استعادة العلاقات، إذ أعاد البلدان تبادل السفراء عام 2023 عقب الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت عام 2018، ما يشير إلى انتقال الجانبين من مرحلة معالجة الخلافات إلى بناء أجندة تعاون طويلة المدى.
وأثمرت زيارة كارني تأسيس "مجلس التنسيق السعودي-الكندي" برئاسة وزيري الخارجية، وسيتولى المجلس، مدعوماً بوثيقة عمل مشتركة بوصفها خارطة طريق، دفع عجلة التعاون والشراكة بين البلدين في مختلف المجالات السياسية، والدفاعية، والاقتصادية، والتعليمية.
وأكد بيان مشترك، في ختام الزيارة، حرص البلدين على تعزيز العلاقات الثنائية وتحديد أولويات واضحة للتعاون، بما يشمل التجارة، والاستثمار، والابتكار، والأمن الإقليمي، وبما يدعم مستهدفات رؤية السعودية وأجندة النمو الكندية.
كما شدد على أهمية توسيع التعاون المشترك في مجالات الطاقة، والتعدين، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتطوير اتفاقية النقل الجوي، كما أكد الجانب الكندي دعمه لاستضافة السعودية قمة مجموعة العشرين، وأعلن مشاركة بلاده في معرض إكسبو بالرياض.
وتزامناً مع الزيارة، أبرمت شركة "هيوماين" التابعة لصندوق الاستثمارات العامة شراكة استراتيجية مع "كوهير" الكندية، لتخصيص قدرات حوسبة متطورة للذكاء الاصطناعي في السعودية، وتستهدف هذه الشراكة بناء بنية تحتية متخصصة لدعم الجيل المقبل من النماذج الذكية.
اقتصاد الفرص
وتتقدم المصالح الاقتصادية إلى واجهة التقارب السعودي الكندي، في ظل ما توفره المملكة من فرص استثمارية واسعة ضمن برامج التنويع الاقتصادي ورؤية السعودية 2030.
وعلى هامش الزيارة، عُقد "منتدى الاستثمار السعودي الكندي" في جدة، بمشاركة مسؤولين حكوميين ورؤساء شركات من البلدين.
وبحث المنتدى سبل بناء اقتصاد الذكاء الاصطناعي، وتوسيع الأسواق، وتمويل المشاريع، والبنية التحتية، إلى جانب توقيع 13 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة إجمالية تبلغ نحو مليار دولار، شملت قطاعات التعدين، والبنية التحتية، والصناعة، والهندسة، والتدريب، وتقنية المعلومات.
كما بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 11 مليار ريال (2.93 مليار دولار) خلال عام 2025، فيما وصل إجمالي التجارة الثنائية إلى 66.3 مليار ريال (17.68 مليار دولار) خلال الفترة 2021-2025، بحسب بيانات الهيئة العامة للإحصاء.
وتعكس المؤشرات الاقتصادية اتساع فرص التعاون؛ إذ بلغ حجم الاستثمارات الكندية في أنشطة المال والتأمين داخل المملكة نحو 177 مليون دولار، فيما تتجاوز القيمة السوقية للسوق المالية السعودية 2.35 تريليون دولار، وتضم أكثر من 300 شركة مدرجة، إضافة إلى استقطاب أكثر من 700 شركة عالمية لإنشاء مقرات إقليمية داخل المملكة.
وفي القطاع الصناعي، بلغ رصيد الاستثمار الكندي في الصناعة السعودية 2.148 مليار ريال سعودي (572.8 مليون دولار)، بينما تضم المملكة نحو 13 ألف مصنع، وتستهدف رفع الناتج الصناعي إلى 380 مليار دولار بحلول عام 2035، ما يفتح المجال أمام الشركات الكندية للمشاركة في مشروعات التصنيع والتقنيات المتقدمة.
مصالح مشتركة
ويعتقد أستاذ العلوم السياسية، الدكتور أسعد كاظم شبيب، أن زيارة رئيس الوزراء الكندي للسعودية تشكل فرصة مواتية لترجمة التحسن السياسي الحالي إلى إطار مؤسسي يخدم التعاون الاقتصادي والاستثماري، عبر تفعيل اللجان المشتركة وتوقيع الاتفاقيات.
ويضيف شبيب، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن الزيارة ستسهم في تعزيز الثقة بين القطاعين العام والخاص، وفتح مجالات أوسع للاستثمارات المتبادلة، متوقعاً تحول العلاقة من تعاون ظرفي مؤقت إلى شراكة استراتيجية راسخة تستند إلى المصالح المشتركة والرؤى بعيدة المدى.
ويبين أن قطاعات التعدين، والمعادن الحرجة، والطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي، إلى جانب الرعاية الصحية والتعليم، تمتلك إمكانات هائلة لدفع مسار العلاقات الثنائية نحو آفاق أرحب خلال الفترات المقبلة.
ويلفت إلى أن قطاعي المعادن الحرجة والتقنيات المتقدمة سيحظيان باهتمام استثنائي؛ نظراً إلى ارتباطهما الوثيق بالتحول الصناعي والرقمي العالمي، فضلاً عن توافقهما التام مع الخبرات الكندية ومستهدفات رؤية السعودية التطويرية.
كما يشير الدكتور شبيب إلى أن استئناف الزخم الدبلوماسي يعكس إدراكاً كندياً متزايداً للأهمية الاستراتيجية والاقتصادية التي تتمتع بها دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة، وتوجهاً جاداً نحو تنويع الشراكات الدولية بعيداً عن الأسواق التقليدية.
ويضيف أن التحولات الدولية الراهنة تدفع الدول المتوسطة إلى بناء علاقات أكثر توازناً مع القوى الصاعدة والمؤثرة في استقرار أسواق الطاقة العالمية، مما يجعل التقارب الحالي خطوة واقعية تمليها المصالح الجيوسياسية المشتركة.
ويردف أستاذ العلوم السياسية أن توسيع التعاون سينعكس إيجاباً على أمن الطاقة واستقرار سلاسل الإمداد عبر تنسيق الإنتاج، كما يفتح الباب لتبادل الخبرات في مجالات الأمن السيبراني، وأمن البنى التحتية الحيوية، وإدارة الأزمات.
ويخلص إلى أن بناء هذه الشراكات متعددة الأبعاد يعزز قدرة الرياض وأوتاوا على مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية الدولية بمرونة وفاعلية أكبر، مع الحفاظ الكامل على استقلالية قراراتهما الخارجية.
آفاق استراتيجية
ويتجاوز التقارب الحالي البعد الاقتصادي نحو بناء شراكة استراتيجية تشمل الأمن، والطاقة، والتكنولوجيا، والملفات الإقليمية، في ظل إدراك متزايد لدى أوتاوا لأهمية منطقة الخليج في معادلات الاقتصاد والسياسة العالمية.
وفي هذا السياق، نقلت وكالة الأنباء الكندية، في 8 يوليو، عن المتخصص في شؤون الشرق الأوسط بجامعة أوتاوا، البروفيسور توماس جونو، أن الزيارة تمثل "خطوة بالغة الأهمية".
ورجّح جونو أن تفضي إلى صفقات استثمارية جديدة، وتعزيز التعاون في مجالات الأمن، والدفاع، والطاقة الخضراء، والمبادرات الدبلوماسية.
كما تتقاطع مصالح البلدين في عدد من الملفات الإقليمية، من بينها أمن الملاحة البحرية، واستقرار أسواق الطاقة، والقضية الفلسطينية، فضلاً عن اهتمام السعودية بتعزيز أمن سلاسل الإمداد الغذائية، وهو مجال تمتلك فيه كندا قدرات تنافسية مهمة.
وفي مؤشر إضافي على توسيع مجالات التعاون، وافق مجلس الوزراء السعودي، في 8 يوليو 2026، على تفويض هيئة الرقابة النووية والإشعاعية للتباحث مع الهيئة الكندية للسلامة النووية بشأن مذكرة تفاهم لتبادل المعلومات في مجالات الرقابة النووية والإشعاعية، بما يعكس اتساع نطاق العلاقات ليشمل قطاعات تقنية وتنظيمية متقدمة.
ويعزز ذلك مؤشرات انتقال العلاقات السعودية الكندية من مرحلة استعادة الثقة الدبلوماسية إلى مرحلة بناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد، تقوم على المصالح الاقتصادية، والتنسيق السياسي، والتعاون في القطاعات المستقبلية.