علاقات » اميركي

تحذيرات أميركية من «التهوّر» | اتفاقية التعاون النووي: ترامب يسترضي السعودية

في 2026/07/23

لينا بعلبكي

قُرئت موافقة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على اتفاق نووي مع السعودية، يتيح للأخيرة تطوير «برنامج نووي مدني»، ويفتح الباب أمام تخصيب اليورانيوم على أراضيها، على أنها مؤشر على رغبة الإدارة الحالية في إعادة هيكلة التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط بما يخدم مصلحتها، خصوصاً في ضوء نتائج الحرب على إيران. وبحسب التسريبات، فإن هذا الاتفاق، الذي يمتدّ لـ30 عاماً ويستند إلى «المادة 123» من «قانون الطاقة الذرية» الأميركي لعام 1954، من شأنه تمهيد الطريق لإسقاط الضوابط «الصارمة» التي كبّلت بها واشنطن حلفاءها لعقود، وإطلاق إشارة البدء في سباق تسلّح إقليمي محتمل، لا يمكن التنبؤ بنهاياته.

ويستعدّ البيت الأبيض، الآن، لإحالة وثيقة الاتفاق النووي المعنونة بـ«اتفاقية 123» إلى «الكونغرس» بمجلسيه، حيث ستبدأ مراجعة قانونية تمتدّ لـ90 يوماً، ويمكن للمشرّعين خلالها مراجعة الاتفاق أو الاعتراض عليه، وذلك بعد تسلّم وزيرَي الطاقة الأميركي كريس رايت، والسعودي عبد العزيز بن سلمان، رسمياً، وثائقه. وتعترض قدرةَ «الكونغرس» على تعطيل هذه الخطوة عقباتٌ كثيرة؛ إذ يتطلّب إحباط القرار حشد أغلبية الثلثين في مجلسَي النواب والشيوخ بما يتيح تجاوز النقض الرئاسي (الفيتو) من قِبل ترامب، وهو سيناريو يبدو «صعب المنال»، وفق ما أوردته صحف أميركية، في ظلّ سيطرة الحزب «الجمهوري» على كلا المجلسين.

وتستحضر هذه المواجهة المتوقّعة في «الكونغرس»، إلى الأذهان، محاولة تشريعية سابقة يعود تاريخها إلى عام 2018؛ حين قدّمت مجموعة نواب من الحزبين (الجمهوري والديمقراطي) مشروع قانون يمنع أيّ اتفاق نووي مع السعودية ما لم يصوّت «الكونغرس» بالموافقة عليه مسبقاً، بدلاً من الاكتفاء بإعطاء الأخير مهلة حق المراجعة فحسب. والمفارقة، هنا، أن وزير الخارجية الحالي، ماركو روبيو، الذي كان وقتذاك عضواً «جمهورياً» في «مجلس الشيوخ» ومن أشدّ المطالبين بفرض هذا الشرط -قبل أن يُطوى مشروع القانون من دون طرحه للتصويت-، أعلن، أمس، أنه «ربما يَصدر إعلان في وقت لاحق اليوم (...) أعدكم بأنكم ستعرفون به». ورفض الاعتراف بأيّ «مخاطر» يكتنفها القرار، قائلاً: «يكفي القول إن الولايات المتحدة لن تبرم اتفاقاً مع أيّ دولة في العالم يؤدي إلى خطر الانتشار النووي». ومن جهته، قال وزير الطاقة في بيان: «كونوا على ثقة بأن هذه الاتفاقات تلتزم أعلى معايير السلامة النووية ومنع الانتشار، وتعتمد أفضل التقنيات والخبرات العلمية النووية في العالم، والمصمّمة هنا في الولايات المتحدة».

ومع ذلك، من المتوقّع أن يثير الاتفاق سجالاً حاداً ينخرط فيه مشرّعون من الحزبين «الديمقراطي» و«الجمهوري» على حد سواء، وذلك على خلفية التسريبات التي تحدّثت عن تنازلات أميركية للسعودية. فبخلاف نموذج الإمارات عام 2009 لبناء «محطة براكة للطاقة النووية»، المعروف بـ«المعيار الذهبي»، كشفت «نيويورك تايمز» عن وجود «رسالتَين جانبيتين سريّتين» بين واشنطن والرياض، تمنحان الجانب السعودي حيّزاً لـ«تقييد حركة المفتشين الدوليين وحظر دخولهم إلى أيّ مواقع يُشتبه في استخدامها كمسار تحويلي لنقل الوقود أو التكنولوجيا النووية من الأغراض المدنية إلى البرامج العسكرية». وأشارت الصحيفة إلى أن عدداً من أعضاء «الكونغرس» يرفضون التصويت لمصلحة الاتفاق ما لم يُكشف عن الملحقَين السرّيين بالكامل.
هكذا، وبدلاً من «الحظر الصارم»، أرست واشنطن والرياض ترتيباً «مائعاً»، يتضمّن إجراء «دراسة» جدوى مشتركة تمتدّ عامين لتخصيب اليورانيوم وإنتاج الوقود النووي.

وفي حال ثبوت جدواه، تتولّى الشركات الأميركية بناء منشأة التخصيب على الأراضي السعودية بآلية سريّة تُعرف بـ«الصندوق الأسود»، بما يضمن إدارة المنشأة أميركياً وحجب التقنية الحساسة عن الكوادر السعودية. وفي حال اعترضت الولايات المتحدة عقب الدراسة على التخصيب، «فلن يُسمح للمملكة بتنفيذه بصورة مستقلّة أو بالتعاون مع شريك أجنبي آخر لمدة عشر سنوات»، وذلك وفقاً لـ«وول ستريت جورنال».
كذلك، يُسجَّل عدم ربط الاتفاق بشرط التطبيع السعودي مع إسرائيل؛ فبينما كانت إدارة جو بايدن ترهن التعاون النووي بهذا الشرط، تشير التسريبات الأميركية إلى أن إدارة ترامب «فصلت» الملفين بالكامل، وهو ما أثار موجة «ذعر» في تل أبيب، انعكست في تصريحات حذّرت من مغبّة الإقدام على هذه الخطوة.

وكان أشار تقرير رفعته الإدارة الأميركية إلى «الكونغرس»، إلى أن تأييد الاتفاق يستهدف «منع المنافسين الاستراتيجيين من اغتنام فرصة قد تتيح لهم تقويض مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة لعقود مقبلة»، وأن على واشنطن «استعادة ريادتها في السوق العالمية للطاقة النووية المدنية، وجني مكاسب النفوذ المتزايد في الدول الأجنبية التي تستضيف مفاعلاتنا». وفي وقت أكّد فيه المسؤول السابق في وزارة الخارجية ومستشار «منع الانتشار النووي»، روبرت آينهورن، لصحيفة «وول ستريت جورنال»، أنه يمكن للاتفاق أن يساعد في «حرمان روسيا والصين من دور ذي أهمية استراتيجية»، فهو حذّر، في الوقت عينه، من أنه «ما لم يتضمن الاتفاق قيوداً كافية، بما في ذلك قيود على التخصيب، فقد يزيد مخاطر الانتشار النووي في الشرق الأوسط وخارجه».
على هذا النحو، وبدلاً من ترك السعودية تطور برنامجها مع شركاء آخرين (من مثل باكستان التي أعلنت أن برنامجها النووي «سيكون متاحاً» للسعودية عند الحاجة)، تسعى الولايات المتحدة إلى ضمان وجود كوادرها وخبرائها في قلب المرافئ والمنشآت الحساسة بالمملكة، بما يضمن لها نفوذاً مستداماً يبدو اليوم مهدَّداً على نحو غير مسبوق. وتُعدّ شركة «وستنغهاوس إلكتريك» الأميركية المستفيد الأكبر من الصفقة العتيدة، كونها ستزوّد السعودية بمفاعل نووي من طراز «AP1000». وتُظهر المعطيات المتداولة أن هذا المفاعل الذي يُنتج نحو 1100 ميغاواط من الكهرباء، من شأنه ربط البنية التحتية السعودية بالدولة المورّدة (أميركا) لعقود قادمة، بما يشمل سلسلة التوريد والصيانة وبرامج التشغيل، وغيرها. وهو يعتبر أيضاً بمثابة قاعدة لتأمين طاقة «الذكاء الاصطناعي» والمشاريع الرقمية الضخمة، الأمر الذي يتيح إنشاء «قاعدة رقابة» واستخباراتية ميدانية مباشرة أميركية في الشرق الأوسط.

وإذ تراهن واشنطن، عبر هذه الخطوة، على استعادة الرياض كفاعل إقليمي ضاغط ومحوري في مواجهة طهران وحلفائها، فإن الاتفاق يندرج ضمن مروحة الترتيبات الأمنية والتسليحية التي تسعى السعودية لانتزاعها من الولايات المتحدة، وذلك بعدما أثمرت المحادثات بين ترامب وولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في تشرين الثاني الماضي، عن تفاهمات شاملة تتضمن تزويد المملكة بمقاتلات متطورة من طراز «إف-35»، إلى جانب استمرار اعتماد الرياض على واشنطن لشراء صواريخ الاعتراض الجوي. ويأتي منح الرياض غطاء التخصيب في وقت تخوض فيه واشنطن وتل أبيب حرباً مفتوحة ضد طهران بدأت في شباط الماضي، وكان أحد أبرز مبرّراتها المعلنة منع إيران من تخصيب اليورانيوم وإلزامها بإنهاء برنامجها النووي -رغم سلميته- وتسليم مخزونها العالي التخصيب من اليورانيوم. وفي هذا السياق، وصفت رئيسة برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة «ديفنس برايورتيز»، روزماري كيلاني، القرار الأميركي حول التعاون النووي مع السعودية بـ«المتهور»، قائلةً إنها «فكرة مروّعة من نواحٍ عدّة، لكن الإقدام على ذلك، في خضمّ حرب تدور حول البرنامج النووي الإيراني، ينطوي على حماقة استثنائية». واعتبرت أن الخطوة «تعرّض إيران لضغوط هائلة تدفعها إلى امتلاك القنبلة»، متسائلة عمّا إذا كان ترامب «يحاول استفزاز إيران ودفعها إلى إنتاج سلاح نووي؟».

وبدوره، حذّر المدير التنفيذي لـ«مركز التثقيف بشأن سياسة منع الانتشار النووي»، هنري سوكولسكي، في حديث صحافي، من مغبة «تداعي» حظر الانتشار، قائلاً: «حيثما تذهب السعودية، ستذهب الإمارات وتركيا ومصر. والاعتقاد بأن هذا المسار سينتهي نهاية سعيدة ليس سوى وهم». وسبق لابن سلمان أن قال، في مقابلته الشهيرة مع شبكة «سي بي إس» عام 2018، إن بلاده لا تخطّط لامتلاك سلاح نووي، مضيفاً: «من دون أدنى شك، إذا طوّرت إيران قنبلة نووية، فسنحذو حذوها في أسرع وقت ممكن».