علاقات » اوروبي

رسائل بريطانية.. هل تغير دراغون موازين القوى في الخليج؟

في 2026/05/12

طه العاني - الخليج أونلاين

تدفعُ بريطانيا بواحدة من أكثر مدمراتها تطوراً نحو الخليج، في خطوة تنقل التوترات من الردع السياسي إلى اختبار الترتيبات العسكرية في مضيق هرمز.

ومع تصاعد المخاوف على أمن الطاقة العالمي، تسعى لندن وباريس لإعادة تأمين الملاحة عبر الممر الذي يمر منه نحو خُمس النفط والغاز المُسال عالمياً.

وتكشفُ مهمة المدمرة البريطانية "إتش إم إس دراغون" عن رسائل تتجاوز حماية السفن التجارية، إذ تأتي وسط هدنة هشة بين واشنطن وطهران، وتبادل اتهامات بالهجمات البحرية، وتحركات غربية لإعادة رسم قواعد الانتشار العسكري في الخليج دون الانخراط المباشر في الحرب.

تحالف بحري

وفي تحركٍ وصفته وزارة الدفاع البريطانية بأنه جزء من "تخطيط متأنٍّ"، قررت لندن إرسال المدمرة "إتش إم إس دراغون" من طراز "تايب-45" إلى الشرق الأوسط.

ولفتت "بي بي سي"، في 9 مايو 2026، إلى أن المدمّرة تستعد للمشاركة في مهمة متعددة الجنسيات لحماية الملاحة في مضيق هرمز، بقيادة مشتركة مع فرنسا، فور توقف القتال في المنطقة.

وبحسب تصريحات رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فإن العملية المرتقبة تحمل طابعاً "دفاعياً بحتاً".

وأشارا إلى أنها تهدف إلى تأمين عبور السفن التجارية وإزالة الألغام البحرية وإعادة الثقة بالممر الملاحي الذي يمر عبره نحو 20% من نفط العالم والغاز المُسال.

وذكرت صحيفة "التايمز"، في 9 مايو 2026، نقلاً عن مصدر دفاعي بريطاني، أن اختيار "دراغون" يعود إلى قدراتها العالية في الدفاع الجوي واعتراض الصواريخ والطائرات، ما يجعلها جزءاً أساسياً من أي ترتيبات أمنية بحرية في الخليج، خصوصاً مع استمرار التهديدات المرتبطة بالتصعيد الإيراني الأمريكي.

وتأتي هذه التحركات بعد اجتماع استضافته لندن الشهر الماضي بمشاركة ممثلين من 44 دولة، ناقش الجوانب العملية لتأمين المضيق، فيما تحدثت تقارير عن موافقة نحو 40 دولة على الإسهام في المهمة البحرية المقترحة، في مؤشر على تنامي القلق الدولي من اضطراب الملاحة في هرمز.

رسائل ردع

وتعكسُ مهمة "إتش إم إس دراغون" تحولاً تدريجياً في المقاربة البريطانية تجاه أمن الخليج، إذ تسعى لندن لإظهار حضور عسكري يحمي المصالح الغربية دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران.

وكانت المدمرة قد انتشرت سابقاً في شرق البحر المتوسط للمشاركة في حماية القواعد البريطانية في قبرص، لا سيما قاعدة أكروتيري، بعد تعرضها، في مارس، لهجوم بمسيّرة إيرانية الصنع، وفق ما أعلنته وزارة الدفاع البريطانية.

وتُعد "دراغون" واحدة من ست مدمرات فقط تمتلكها البحرية الملكية من طراز "تايب-45"، والمخصصة لاعتراض الطائرات والصواريخ، ما يجعل نشرها رسالة ردع وجاهزية أكثر من كونه تحولاً حاسماً في ميزان القوة البحرية.

وفي الوقت نفسه، شدد كير ستارمر على أن بريطانيا لن "تنجر" إلى الصراع القائم، مؤكداً رفض لندن دعم أي حصار أمريكي على الموانئ الإيرانية، رغم استمرار التوترات البحرية وتبادل الاتهامات بين واشنطن وطهران خلال الأيام الماضية.

كما تعمل بريطانيا على تجهيز سفينة الإمداد الملكية "لايم باي" بمعدات بحث عن الألغام ذاتية التشغيل، تحسباً لاحتمال إرسالها لاحقاً لدعم أي عملية بحرية مشتركة في المنطقة.

صراع النفوذ

ويوضح أستاذ العلوم السياسية، الدكتور إبراهيم دشتي، أن الوجود العسكري المكثف تحت غطاء مهام متعددة الجنسيات سينتهي بانتفاء مبرراته، معتبراً أن توقف القتال سيقود حتماً إلى حل أزمة مضيق هرمز، ويدفع إيران لغض النظر عن مطالباتها بالرسوم سعياً لترسيخ علاقات إيجابية مع جيرانها.

ولفت أستاذ العلوم السياسية إلى أن التحركات البريطانية والفرنسية الأخيرة، "تحمل رسائل طمأنينة مزدوجة لطهران ولشركات الشحن الدولية، كما أنها محاولة لإثبات الوجود أمام الضغوط الأمريكية التي تصف أوروبا بالضعف".

وتحدث عن حجم الضرر الذي أصاب القارة الأوروبية من جراء تعطل الملاحة في المضيق، مما تسبب في موجة تضخم وغلاء وضغوط شعبية واسعة على الحكومات، نتيجة الاعتماد الكبير على إمدادات الطاقة التي تمر عبر هذا الممر الحيوي.

ويرى دشتي أن "الحصار البحري الأمريكي ومحاولات خنق الاقتصاد الإيراني لن تحققا أهدافهما المنشودة، لأن إيران متمرسة تاريخياً في امتصاص الضغوط والعقوبات، وتمتلك القدرة على الصمود لسنوات".

اختبارات الميدان

وتواجهُ الخطة البريطانية الفرنسية تحديات ميدانية وسياسية معقدة، في ظل تشكيك مراقبين بقدرة البحرية الملكية على الحفاظ على انتشار واسع وطويل الأمد، بعد تقليص حجم الأسطول البريطاني خلال السنوات الماضية وسحب عدد من السفن من الخدمة قبل توفير بدائل لها.

وزادت الشكوك بعد تعرض "إتش إم إس دراغون" لعطل تقني خلال انتشارها السابق قرب قبرص في أبريل، ما اضطرها للعودة إلى الميناء لإجراء صيانة مرتبطة بنظام المياه العذبة، وفق تقارير بريطانية.

وفي المقابل، تبدو باريس ولندن حريصتين على استغلال الهدنة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران لوضع ترتيبات سريعة تعيد فتح خطوط التجارة والطاقة عبر الخليج، خصوصاً بعد تراجع حركة الشحن بشكل حاد منذ إغلاق إيران للمضيق بصورة شبه كاملة.

ويزداد المشهد تعقيداً مع تصاعد الاحتكاكات البحرية، إذ اتهمت واشنطن ناقلتي نفط إيرانيتين بمحاولة كسر الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية، فيما ردت طهران بهجمات بحرية مضادة، ما يعكس هشاشة التهدئة الحالية واحتمال انزلاق المنطقة مجدداً إلى مواجهة أوسع تهدد أسواق الطاقة العالمية.