علاقات » روسي

وثائق جيفري إبستين.. سقوط أخلاقي غربي بتوقيع إسرائيل

في 2026/02/13

كمال صالح - الخليج أونلاين

في مطلع 2026 أفرجت وزارة العدل الأمريكية عن أكثر من 3.5 مليون صفحة وثائق متعلقة بقضية جيفري إبستين، في امتثال لـ"قانون شفافية ملفات إبستين" الذي أقرّه الكونغرس الأمريكي في نوفمبر 2025.

الوثائق التي ظلت طيّ الأرشيف لسنوات أعادت إلى الواجهة ملفاً كان يُعتقد أنه أغلق بوفاته داخل محبسه عام 2019، لكنها كشفت اتصالات وتمويلات تثير تساؤلات حول شبكة علاقات واسعة امتدت إلى أقطاب السياسة والمال حول العالم.

هذه الوثائق، التي أصبحت متاحة على موقع وزارة العدل الأمريكية، كشفت مراسلات وأسماء وشبكات علاقات أعادت طرح أسئلة حول النفوذ والحصانة والمساءلة، كما أعادت تسليط الضوء على علاقة إبستين بـ"إسرائيل".

شبكة الانتهاك

وسلطت الوثائق الضوء على شبكة علاقات اجتماعية ومالية معقدة، ضمت سياسيين ورجال أعمال وأكاديميين ومشاهير، وردت أسماؤهم في إفادات وشهادات دون أن توجه إليهم اتهامات قضائية مباشرة.

وبينما تؤكد السلطات الأمريكية أن الإفراج عن الوثائق لا يعني توجيه اتهامات جديدة، فإن إعادة نشرها بهذه الكثافة فتحت نقاشاً عالمياً حول ما إذا كان ملف إبستين قد أُغلق قانونياً فقط، بينما بقي، سياسياً وأخلاقياً، مفتوحاً.

وثمة دلالة للإفراج عن هذه الوثائق في هذا التوقيت، إذ يتزامن مع حالة استقطاب داخلية حادة تعيشها الولايات المتحدة، ونقاشاً متصاعداً حول شفافية المؤسسات، ودور النخب في الإفلات من المحاسبة.

عالمياً، أحدثت الوثائق هزة في الأوساط السياسية والإعلامية، خاصة في أوروبا، حيث أعادت صحف مثل "لوموند" و"دير شبيغل" فتح ملفات علاقات شخصيات عامة بإبستين، مطالبة بمراجعة أخلاقية تتجاوز الحدود الأمريكية، لكون "الفضيحة تحولت إلى امتحان أخلاقي عالمي".

أبعاد سياسية

ولا يقتصر الأمر على الأسماء، بل على نمط الاستغلال المنهجي الذي تعكسه شهادات الضحايا، ومن ضمن ذلك استغلال قاصرات ونقلهن بين ولايات ودول، وهو ما وصفته "واشنطن بوست" بـ"نموذج فشل مؤسسي في حماية الأضعف"، ما أعاد النقاش حول "الضحايا، لا النخب".

وحالياً أصبح أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً هو: "لماذا الآن؟ فالقضية أُغلقت رسمياً بعد إعلان وفاة إبستين في سجن فيدرالي عام 2019، في حادثة صُنفت رسمياً كانتحار، رغم استمرار الشكوك العامة حول ظروفها"، علماً بأن صحف مثل "الغارديان" و"التايم" أعادت التذكير بتقارير رسمية أشارت إلى وجود إهمال جسيم داخل السجن ليلة وفاة إبستين.

وأحدث ما نشر حول وفاته ما قاله زميل سابق له في السجن، أكد أن أحداث تلك الليلة لا تتطابق مع رواية الانتحار، وهي شهادة لم تغيّر الموقف الرسمي لكنها غذّت الشكوك الشعبية، هذا السياق جعل من إعادة نشر الوثائق حدثاً سياسياً بقدر ما هو قانوني.

داخلياً، تأتي التسريبات في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة معارك تشريعية حول الشفافية، وضغوطاً من نواب ديمقراطيين وجمهوريين على حد سواء، للمطالبة بكشف غير منقوص للملفات، كما نقلت "أكسيوس" و"سي إن إن"، وخارجياً يتقاطع ذلك مع لحظة عالمية تتآكل فيها الثقة بالغرب ومزاعمه الأخلاقية.

الظل الإسرائيلي

الوثائق المفرج عنها تضمنت سجلات مالية ومراسلات تُظهر تبرعات قدمها إبستين لمنظمات داعمة لـ"إسرائيل"، من بينها مرتبطة بدعم الجيش الإسرائيلي والاستيطان، وفق ما نشرته وكالة "الأناضول" ووسائل إعلام أمريكية، وهي تبرعات مالية موثقة.

وأعادت التقارير تسليط الضوء على علاقة إبستين برئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك، الذي أقر سابقاً بوجود علاقة شخصية وزيارات متبادلة، علماً بأن "نيويورك تايمز" وثّقت هذه العلاقة منذ عام 2019، مؤكدة أنها كانت أحد أكثر جوانب القضية حساسية سياسياً.

وفي تقرير لها قالت صحيفة "التايمز" البريطانية، إنه بالرغم من رفض إبستين زيارة "إسرائيل" في 2017، فإنه كان يعمل لحساب جهاز الموساد، في حين قال تقرير صادر في أكتوبر 2010، عن مكتب التحقيقات الفيدرالي في لوس أنجلس، إن هناك قناعة بأن "إبستين كان عميلاً مجنداً لصالح الموساد".

تداعيات متوقعة

السؤال المطروح الآن هو ما إذا كان الزخم الإعلامي قد يدفع نحو إعادة فتح قانوني جزئي للقضية، سواء عبر دعاوى مدنية جديدة أو تحقيقات تكميلية، وهو احتمال أشارت إليه "واشنطن بوست"، وحتى الآن تؤكد وزارة العدل أن الإفراج عن الوثائق لا يعني توجيه اتهامات جديدة.

سياسياً، قد تتحول القضية إلى ورقة ضغط في الصراع الداخلي الأمريكي، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث يُعاد طرح ملف "النخب المحمية" بقوة في الخطاب العام. أما على المستوى العالمي فقد أثرت الوثائق المنشورة على صورة الغرب، الذي وجد نفسه في مواجهة اتهامات بازدواجية المعايير في قضايا حقوق الإنسان.

الأثر الأعمق يبقى أخلاقياً وإنسانياً، فالكشف المتجدد عن استغلال قاصرات، وتورط شخصيات نافذة في بيئات صمت وتواطؤ، أعاد تعريف معنى "التحضر" الذي طالما تبنّاه الخطاب الغربي، ومن ثم فوثائق إبستين ليست مجرد أرشيف بل هي إدانة للقوة.

ويرى الكاتب والمحلل في الشؤون الأوروبية والدولية الدكتور حسام شاكر، أن ما حدث له بُعد فضائحي، يمس نخبة متنفذة عالمياً، كما أن له أبعاداً أخلاقية وقيمية من جانب، وأبعاداً سياسية من جانب آخر.

وأضاف شاكر، في تصريح لـ"الخليج أونلاين"، أن ما جرى هو حدث عالمي سيكون له ما بعده، وسيترك تداعيات تمتد سنوات عديدة، من خلال الإضاءة على جوانب معتمة من هذه القضية، وتتبع الخيوط، ومن ثم ستكون موضوعاً لأحداث وتداعيات كبيرة وكشوف أخرى.

ولفت إلى أن هناك احتمالية وجود بؤر أخرى، لا تقتصر على حالة إبستين وجزيرته وأجنحته الفاخرة التي احتضنت وضمّت هذه الممارسات الشائنة.

وقال: "ما انكشف بكل تأكيد هو جزء من الواقع، أما الواقع الكامل تحت السطح، المتواطأ على ستره، وحجبه عن الأنظار، فالمؤكد أنه أكبر بكثير مما أدركنا تفاصيله الآن".

إبستين والتطبيع

يعتقد شاكر أن قضية إبستين لها أهمية خاصة بالنسبة للمنطقة في العالم العربي بشكل خاص، باعتبار أن الحديث ليس عن شبكة إبستين، بل عن شبكة "إسرائيلية – أمريكية" على مستوى النخبة، وعلى مستوى الاستخبارات، وعلى مستوى النفوذ.

ويبين أن هذه الوثائق "تمنح إطلالة غير متوقعة، ذات طبيعة نادرة، لا تتيسر في الأحوال العادية، عن شبكات مصالح تنشأ في ظلال العلاقة مع الجانب الإسرائيلي وفي ظلال مساعي ما يسمى التطبيع، وما يتخلل هذه المسارات من أبعاد وممارسات وانتهاكات جسيمة".

وقال الكاتب والمحلل في الشؤون الأوروبية والدولية لـ"الخليج أونلاين":

لا بد أن نلحظ أن ما تكشف حتى الآن، كان في بواكير الموجة التطبيعية التي شهدناها في السنوات الماضية، بمعنى أن ما ترتب على هذه الاتصالات والبوادر التي تكشف عنها الوثائق يظهر مستوى العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي والجوانب المصلحية ذات الصلة، وهذا مرتبط بالعالم العربي.
في حالة إبستين، ليس الحديث عن فرد، بل عن شبكات نفوذ ومصالح واستخبارات وتواطؤات على مستوى النخبة المتنفذة عالمياً تتمركز أساساً في البيئة الأمريكية، وهذا طبعاً يؤكد أن الأدوار الإسرائيلية حاضرة في عمق شبكة إبستين، وإن بقيت بعض الأسئلة والتفاصيل مطمورة حول مدى ضلوع أجهزة الاستخبارات، ومن ضمنها الموساد، في كل ما يجري.
حتى لو افترضنا أن هذه الشبكة غير مرتبطة بالموساد، فإن مخابرات الاحتلال كانت على صلة وثيقة جداً بها من خلال أفراد وأوساط عدة، ومن ثم فمخابرات "إسرائيل" حاضرة بقوة في أوساط إبستين، كما أن ولاءه الواضح للاحتلال يجعله يسخر هذه الشبكة لخدمة الجانب الإسرائيلي، ومصالحه، وأطماعه التوسعية، ولمخططاته التطبيعية وفق ما هو معلن.
ما يكشف عنه الآن من تفاصيل، عملياً ينبغي أن يفرض مراجعة متأخرة في الواقع بشأن المخاطر الاستراتيجية، التي تمثلها العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي تحت عناوين التطبيع وغيرها، وأن ما يحجب عن الأنظار في ظلال هذه العلاقات، قد يحتمل أبعاداً فضائحية ويمثل مخاطر بالمصالح الاستراتيجية للبلدان العربية والإسلامية، وأيضاً تمكيناً استراتيجياً لموقع الاحتلال، الذي يريد أن يبقى مهميناً في قلب الإقليم.
هذه التطورات تكشف عملياً أزمة النخبة السياسية والمجتمعية والاقتصادية الغربية المتنفذة، حيث اتضح أنها تدير عالماً محجوباً عن الأنظار له تواطؤاته وتقاليده وهذا يشمل رؤساء دول، وقادة سياسيين كباراً، وكبار الرأسماليين وأصحاب النفوذ الواسع جداً في الاقتصاد والتقنية والصناعة والثروة، ورجال بيوت ملكية.
هؤلاء النخب صنعوا عملياً واقعاً محجوباً عن الأنظار منفلتاً من القوانين والضوابط، ومارقاً من القيم والمبادئ والالتزامات والمواثيق التي يتباهون بها، ومن ثم فنحن أمام مشهد أزمة عميقة بنيوياً في البيئات الغربية الريادية في العالم.
في الحالة الأمريكية والأوروبية، حالة إبستين ليست حالة أمريكية وحسب، بل هي تكثيف لأزمة النخبة الغربية المتنفذة، والتي تدير ما يعرف بمجتمع "الواحد بالمئة"، بخلاف الواقع الذي يطلع عليه ويعيشه 99% من الناس، وبذلك فنحن هنا إزاء مشهد من أزمة بنيوية عميقة بدأت تنكشف الآن.
ستكون لهذه الملفات تداعيات عميقة على مستوى الوعي، وهذا أيضاً يضعف المصداقية الأخلاقية لخطابات الدول، وكبار المسؤولين في العالم بعدما تبين أنهم عملياً يخذلون القيم التي ينادون بها في الواقع، ويتنصلون من المبادئ التي يحرسونها في الظاهر، ويتمردون على مواثيق وضوابط يتغنون بها، في حين أنهم يتواطؤون على انتهاكها وتجاوزها داخل عالم محجوب عن الأنظار، على الأقل وفق ما يفهم من فضائح إبستين الضخمة والهائلة.