علاقات » عربي

ما أبعاد المشاريع السكنية السعودية الكبرى في سوريا؟

في 2026/06/11

طه العاني - الخليج أونلاين

تدفع الاستثمارات العقارية الخليجية الجديدة نحو إعادة تموضع ملف الإعمار في سوريا، مع انتقال بعض المشاريع من مرحلة التفاهمات والإعلانات إلى التنفيذ الفعلي.

يأتي ذلك في وقت تواجه سوريا فجوة سكنية واسعة، وتحديات متراكمة في البنية التحتية والتمويل والتنظيم العقاري.

وتعكس المشاريع السعودية الجديدة في ريف دمشق توجهاً نحو بناء مجمعات عمرانية متكاملة ترتبط بمفاهيم التنمية المستدامة والتخطيط الحديث، بالتوازي مع سعي الحكومة السورية لاستقطاب رؤوس الأموال العربية وتحويل إعادة الإعمار إلى مشاريع طويلة الأجل ذات أثر اقتصاديّ وتشغيلي.

شراكات عمرانية

وتشكل هذه المشاريع أول اختبار عملي للشراكات العقارية السعودية في سوريا، مع التركيز على تطوير تجمعات سكنية واسعة تستهدف تلبية جزء من الطلب المتزايد على المساكن الحديثة.

وفي هذا السياق، أطلقت شركة "أبيات" السعودية للاستثمار والتطوير العقاري، في 7 يونيو 2026، مشروعي "التجمع العمراني الحديث" و"أبيات هيلز" في ريف دمشق، باستثمارات تقديرية تتجاوز 1.2 مليار دولار، بالشراكة مع وزارة الأشغال العامة والإسكان السورية والمؤسسة العامة للإسكان.

وتمثل المشاريع الجديدة ترجمة عملية للتفاهمات العقارية التي أبرمت بين دمشق وشركات سعودية في يوليو 2025، ما يعكس انتقال التعاون من مرحلة الاتفاقات الأولية إلى الاستثمار المباشر، ويمنح قطاع الإسكان السوري مؤشراً على بدء استقطاب رؤوس أموال عربية لمشاريع طويلة الأجل.

وبحسب تصريحات المدير العام لشركة "أبيات"، محمد السلوم، لقناة "الشرق مع بلومبيرغ"، تبلغ التكلفة التقديرية لمشروع "التجمع العمراني الحديث" نحو مليار دولار، فيما تصل كلفة مشروع "أبيات هيلز" إلى نحو 200 مليون دولار.

كما أوضح السلوم أن التمويل سيضخ على مراحل، عبر الموارد الذاتية للشركة والمساهمين، إضافة إلى البيع على الخارطة وفق نسب الإنجاز.

ووفق وكالة الأنباء السورية "سانا"، يمتد مشروع "التجمع العمراني الحديث" في منطقة البجاع بريف دمشق على مساحة تقارب 6 ملايين متر مربع، ويضم نحو 20 ألف وحدة سكنية، مع مدة تنفيذ تصل إلى 8 سنوات.

أما مشروع "أبيات هيلز"، فيقام في ضاحية قدسيا على مساحة تقارب 379 ألف متر مربع، ويتضمن أكثر من ألفي وحدة سكنية، يفترض إنجازها خلال 4 سنوات.

وأكد السلوم أن المشروعين ينفذان وفق معايير عمرانية متكاملة تستهدف بناء مجتمعات حديثة، مشيراً إلى أن حجم الاستثمار الكلي قد يتجاوز ملياري دولار، مع توفير أكثر من ألفي فرصة عمل مباشرة، وما يزيد على 6 آلاف فرصة عمل غير مباشرة خلال سنوات التنفيذ.

كما أوضح أن الشركة تستكمل الإجراءات التنظيمية والقانونية المرتبطة بالاكتتاب، متوقعاً فتح باب الاكتتاب على الشقق خلال شهر تقريباً، مع اعتماد آلية تهدف إلى منع احتكار الوحدات السكنية وضمان توزيعها بصورة عادلة على العائلات السورية.

فجوة سكنية

وتكشف المشاريع الجديدة حجم الضغوط التي يواجهها قطاع الإسكان السوري، في ظلّ تقديرات رسمية ودولية تشير إلى اتساع الفجوة السكنية بعد سنوات الحرب والتدمير.

وقال وزير الأشغال العامة والإسكان السوري مصطفى عبد الرزاق، في تصريحات لـ"الشرق"، إن المشروعين يستهدفان إنشاء نحو 22 ألف وحدة سكنية، في وقت تحتاج فيه سوريا إلى نحو مليوني وحدة سكنية.

كما أكد عبد الرزاق أن الوزارة تدعم أي مشروع سكني جديد مهما كانت الشريحة التي يستهدفها، نظراً لانعكاسه على حركة السوق وتخفيف الضغط السكني.

وكان مدير المؤسسة العامة للإسكان، أيمن المطلق، قد أوضح، في يوليو 2025، أن سوريا تواجه تحدياً كبيراً في قطاع الإسكان نتيجة تدمير أكثر من مليون منزل، مع استمرار انتظار مئات آلاف المواطنين للحصول على مساكن منذ أكثر من عشرين عاماً.

ويرتبط التركيز على ريف دمشق أيضاً بحجم الأضرار التي تعرضت لها المنطقة خلال سنوات الحرب، إذ تشير تقديرات البنك الدولي، إلى أن كلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة في سوريا تصل إلى نحو 216 مليار دولار.

وتشمل هذه الكلفة نحو 75 مليار دولار للمباني السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية، إضافة إلى 59 مليار دولار للمباني غير السكنية.

كما يصنف البنك الدولي محافظتي حلب وريف دمشق بين المناطق الأكثر حاجة إلى الاستثمارات العمرانية وإعادة التأهيل، بعد الأضرار الواسعة التي طالت المساكن والخدمات الأساسية.

وفي هذا السياق، وصف عبد الرزاق المشروعين بأنهما مختلفان على المستوى العمراني لاعتمادهما نموذج "المجمعات السكنية المغلقة"، معتبراً أن هذا النمط ينسجم مع الاتجاهات الحديثة في التخطيط الحضري، ويسهم في تنشيط الصناعات الإنشائية وخلق فرص عمل جديدة.

تحديّات المُلكية

وتواجه مشاريع إعادة الإعمار في سوريا تحديات تتجاوز التمويل والتنفيذ، لتشمل تعقيدات الملكية العقارية والسجلات والتنظيم العمراني، وهو ما يفسر تركيز بعض الاستثمارات الجديدة على الأراضي المملوكة للدولة.

وبحسب تصريحات محافظ ريف دمشق عامر الشيخ لـ"الشرق"، جرى اختيار مواقع المشاريع الجديدة لكون الأراضي مملوكة بالكامل لوزارة الإسكان، ما يسهل إجراءات التراخيص والتعاقد المباشر مع المستثمرين.

وأوضح الشيخ أن "العديد من المناطق الأخرى، خصوصاً المتضررة من الحرب أو التي تتداخل فيها الملكيات، تحتاج أولاً إلى تثبيت حقوق المالكين والتوصل إلى صيغ تشاركية تضمن حقوق الأهالي والمستثمرين معاً".

كما ترتبط هذه التعقيدات بفقدان الوثائق وتضرر السجلات وانتشار السكن غير المنظم، ما يجعل آليات التعويض والشراكة عاملاً حاسماً لتجنب النزاعات العقارية مستقبلاً.

وتأتي هذه المشاريع ضمن موجة أوسع من التحركات العقارية الإقليمية في سوريا، إذ استحوذت شركة "إعمار العقارية" الإماراتية مؤخراً على حصة شريكها في مشروع "البوابة الثامنة" في يعفور بريف دمشق.

 وتقدّر قيمة المشروع بنحو 500 مليون دولار، ويضم وحدات سكنية وتجارية وفندقاً ومكاتب.

فرصة تاريخية

وفي هذا السياق، يوضح الخبير الاقتصادي جلال بكار أن المملكة لن تدخل ملف إعادة الإعمار عبر المناطق المدمرة مباشرة، موضحاً أن هذا المسار يتطلب قنوات حكومية لتسوية المسائل القانونية المعقدة وضمان حقوق الممتلكات المتضررة.

ويضيف لـ"الخليج أونلاين":

- توثيق نصوص قانونية واضحة لحفظ حقوق أصحاب العقارات المدمرة يستغرق وقتاً طويلاً.

- من المتوقع أن يكون هناك تنسيق رسمي بين الصناديق السيادية السعودية والحكومة السورية لإدارة هذا الملف المعقد.

- الاستثمارات العقارية الفورية ستتركز في المناطق الجديدة والمستحدثة.

- القطاع الخاص سيفضل البدء بمشروعات حرة تماماً من أي عوائق أو تباعات قانونية وإدارية.

- دخول الشركات الخاصة إلى السوق سيقود إلى انخفاض أسعار العقارات بصورة حادة داخل المدن الرئيسية، لا سيما في العاصمة دمشق ومدينتي حمص وحلب.

- الارتفاعات المبالغ فيها سابقاً كانت ناتجة عن التكاليف الباهظة والبيروقراطية المرتبطة بمنح التراخيص.

- زوال تلك العقبات يفتح فرصة تاريخية لحل أزمة السكن.

- السوق العقارية السورية ستشهد حالة من عدم الاستقرار لعدة سنوات، تشمل عمليات البيع والشراء والإيجارات، قبل أن تتجه نحو التوازن والتعافي المستدام.