في 2026/07/01
وكالات
لم يعد السؤال المطروح حول المنتخب المغربي هو ما إذا كان إنجاز مونديال قطر 2022 مجرد طفرة عابرة، فبعد تجاوزه هولندا في مونديال 2026 وبلوغه دور الـ16، قدّم "أسود الأطلس" مؤشراً جديداً على أن ما حدث قبل أربعة أعوام لم يكن استثناءً عابراً، بل بداية مسار كروي واعد ومستدام.
فالمنتخب الذي دخل التاريخ في قطر بوصفه أول منتخب أفريقي وعربي يبلغ نصف النهائي، عاد في نسخة أمريكا الشمالية ليؤكد أنه ما زال حاضراً في المواعيد الكبرى.
وجاء التأهل المغربي (الثلاثاء 30 يونيو) بعد مواجهة ثقيلة أمام هولندا في دور الـ32، انتهت بالتعادل 1-1 بعد الوقتين الأصلي والإضافي، قبل أن يحسمها أسود الأطلس بركلات الترجيح 3-2.
المغرب يقلب التوقعات
لم يكن عبور المغرب إلى دور الـ16 مجرد انتصار إقصائي على منتخب هولندا الكبير، بل جاء أيضاً في مواجهة تيار واسع من التوقعات الرياضية التي منحت "الطواحين" الأفضلية في المونديال.
فقبل انطلاق البطولة توقع الألماني يواكيم كليمنت، الاقتصادي المعروف بتنبؤه الصحيح بأبطال النسخ الثلاث السابقة من كأس العالم، أن تمضي هولندا حتى التتويج بلقب كأس العالم 2026، بعد نموذج حسابي راعى، وفق ما قال، عوامل مثل التصنيف الكروي، والاقتصاد، والسكان، والثقافة الكروية.
ورغم أن نجاحه في توقع أبطال 2014 و2018 و2022 منحه شهرة واسعة، فإن إقصاء هولندا أمام المغرب أكد مجدداً أن كرة القدم لا تختصرها المعادلات، مهما بلغت دقتها النظرية.
فما حدث على أرضية ملعب "مونتيري" في المكسيك كشف كيف فرض المنتخب المغربي حضوره في معظم مؤشرات المباراة، قبل أن يحسم التأهل بركلات الترجيح، فقد استحوذ "أسود أطلس" على الكرة بنسبة بلغت 70% مقابل 30% فقط لهولندا، كما تفوق في إجمالي التسديدات بواقع 11 محاولة مقابل 6، بينها 5 تسديدات على المرمى مقابل تسديدتين للمنتخب الهولندي.
كما بلغت الأهداف المتوقعة لمنتخب المغرب 1.40 مقابل 0.23 فقط لهولندا، في دلالة على أنه لم يكتفِ بالتحكم في الكرة، بل نجح أيضاً في صناعة فرص أكثر جودة، كما خلق 5 فرص كبيرة مقابل فرصة واحدة لـ"الطواحين الهولندية"، مع تسجيل 20 لمسة داخل منطقة جزاء المنافس مقابل 18 لهولندا.
وعلى مستوى البناء والاستحواذ مرر المنتخب المغربي 800 تمريرة دقيقة بنسبة نجاح بلغت 91%، مقابل 293 تمريرة دقيقة لهولندا بنسبة 79%، وهو فارق يعكس حجم السيطرة المغربية على إيقاع اللعب.
كما حصل المغرب على 8 ركلات ركنية مقابل 5 لهولندا، فيما ارتكب 15 مخالفة مقابل 18 على المنتخب الهولندي، ولم يقع لاعبو المغرب في أي حالة تسلل، مقابل 3 حالات تسلل لهولندا.
وتمنح هذه الأرقام التأهل المغربي بعداً فنياً يتجاوز مشهد ركلات الترجيح، إذ تكشف أن تأهله إلى دور الـ16 ليس بمجرد عامل الحظ، بل بأداء متوازن جمع بين السيطرة، وصناعة الفرص، والانضباط في إدارة واحدة من أصعب مباريات الأدوار الإقصائية.
دلالة العبور إلى دور الـ16
ورغم أن الوصول إلى دور الـ16 قد يبدو إنجازاً محدوداً لمنتخب كان قد بلغ نصف النهائي قبل أربع سنوات، فإنه يعكس بوضوح استمرار الروح القتالية والمستوى المميز اللذين ظهرا عليهما في مونديال قطر 2022.
فقد أكد مدرب المنتخب المغربي لكرة القدم محمد وهبي أن "أسود الأطلس" يستهدفون التتويج بلقب كأس العالم ويملكون مقومات ذلك.
وأوضح في مؤتمر صحفي عقب التأهل لدور الـ32 (25 يونيو): "المغرب، كما قلت قبل كأس العالم، دخل مرحلة جديدة، مرحلة الإيمان بالنفس، اللاعبون يؤمنون، والجمهور يؤمن، والخصوم يحترمون المغرب".
وتابع قائلاً: "نحن ندخل مرحلة يجب أن نؤمن فيها بإمكانية التتويج، ويجب أن نستهدف التتويج"، متسائلاً: "كيف نحقق ذلك؟"، ليجيب "بأن نكون بنسبة 200% في كل مباراة، نحترم الجميع، ونحضر لكل لقاء بالجدية نفسها. أنا أؤمن كثيراً بالعمل الذي نقوم به. لدينا كل المقومات لنكون أمة كروية كبيرة، لذا يجب أن نؤمن بذلك".
ويملك وهبي إنجازاً لافتاً في مسيرته الكروية، بعد أن نجح في قيادة المنتخب المغربي لفئة أقل من 20 عاماً للتتويج بكأس العالم عام 2025 على حساب الأرجنتين، ما أهله لتولي قيادة "أسود الأطلس".
وبعد الفوز على هولندا قال وهبي: "أريد أن أقول للجميع إن المغامرة ستتواصل، ولا أريد أن تتوقف هنا، أنا فخور جداً بما قدمه اللاعبون والطاقم الفني".
كما ذكر: "سيطرنا تماماً على المباراة أمام الخصم بنسبة 70%، تسديداتنا كانت أكثر، وفرص أكثر، حارسهم أنقذ كرات استثنائية، والفوز مستحق لنا".
وضرب منتخب المغرب بذلك موعداً مع خصمه كندا في دور الـ16 من كأس العالم، وذلك يوم السبت (4 يوليو المقبل) والمدعومة بعاملي الأرض والجمهور في هيوستن، ما يجعل المباراة اختباراً جديداً لـ"أسود أطلس".
مشروع كروي أثمر
لا يمكن قراءة استمرار حضور "أسود الأطلس" بقوة في كأس العالم من زاوية نتائج المنتخب الأول وحدها؛ فبلوغ نصف نهائي مونديال قطر 2022، ثم الوصول إلى دور الـ16 في مونديال 2026، يعكسان مساراً أوسع قام على تطوير بنية كرة القدم المغربية من القاعدة إلى النخبة.
وبحسب هيئة الإذاعة البريطانية "BBC"، بدأت هذه المنظومة من الفئات السنية، إذ يضم المغرب، وفق وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، نحو 2500 منشأة رياضية موزعة على مختلف جهات المملكة، بهدف اكتشاف المواهب الكروية في سن مبكرة.
وتبرز أكاديمية محمد السادس لكرة القدم بوصفها إحدى الركائز الأساسية في مشروع تطوير المواهب المغربية، إذ توفر بيئة متكاملة تجمع بين التدريب الرياضي، والتعليم، والرعاية الصحية، والتأطير اليومي للاعبين الصغار.
وقد أسهمت الأكاديمية في تكوين أسماء أصبحت من ركائز المنتخب، من بينها نايف أكرد، وعز الدين أوناحي، ويوسف النصيري.
كما ساهم تنظيم الدوري المحلي وتطوير شروط الاحتراف في توفير بيئة أفضل للاعبين والمدربين والأندية، وبالتوازي مع ذلك وسّع المغرب قاعدة اختياراته من خلال متابعة المواهب ذات الأصول المغربية في أوروبا، خصوصاً في فرنسا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا وألمانيا، ما أتاح للمنتخب الجمع بين لاعبين تكوّنوا محلياً وآخرين تلقوا تكوينهم في بيئات أوروبية عالية التنافسية.
وجاءت مواجهة هولندا لتكشف جانباً من نجاح المغرب في استقطاب مواهبه الأوروبية، ففي الوقت الذي ودّعت فيه "الطواحين" البطولة، كان 3 لاعبين وُلدوا في هولندا يحتفلون بقميص المغرب ببلوغ دور الـ16، وهم نصير مزراوي، وسفيان أمرابط، وأنس صلاح الدين.
ولا يمكن اختزال اختيار هؤلاء اللاعبين لتمثيل بلدهم الأصلي في العاطفة أو روابط الجذور وحدها، بل يعكس ذلك نجاحاً في بناء الثقة مع المواهب المغربية المنتشرة في أوروبا، وتقديم مشروع رياضي قادر على إقناعهم بدور واضح داخل المنتخب.
في 2022، كان المغرب مفاجأة البطولة ببلوغه نصف النهائي، أما في 2026 فقد ظهر بوصفه منافساً صلباً ومنظماً، قادراً على مقارعة الكبار وإدارة مباريات الإقصاء تحت الضغط.
وجاء عبور هولندا ليؤكد هذا التحول؛ فـ"أسود الأطلس" لم يعتمدوا على عنصر المباغتة، بل على نضج تكتيكي وهدوء في اللحظات الحاسمة، وبذلك بدا التأهل إلى ثمن النهائي اختباراً جديداً لقدرة كرة القدم المغربية على تثبيت موقعها كقوة عالمية صاعدة، لا تكتفي بصناعة المفاجأة، بل تعمل على تحويلها إلى قاعدة مستمرة.