في 2026/09/07
منصة “دارك بوكس”
لم يعد ما كشفته منصة “دارك بوكس” بشأن وصول مرتزقة كولومبيين إلى السودان للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع مجرد معلومات قابلة للإنكار، بعدما عزز تحقيق أممي مستقل جانبا رئيسيا من هذه المعطيات، كاشفا عن شبكة عابرة للحدود للتجنيد والتمويل والنقل والتدريب، ارتبطت بأفراد وكيانات تعمل في الإمارات أو مسجلة فيها أو عبرها.
وقالت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان إن لديها أسبابا معقولة للاعتقاد بوجود شبكة دولية زودت قوات الدعم السريع بالأسلحة والدعم اللوجستي والتدريب والعناصر الأجنبية، وشملت مساراتها كولومبيا وتشاد وليبيا والصومال، إلى جانب الإمارات.
واللافت في التحقيق أن أفرادا وكيانات تعمل من الإمارات أو مسجلة فيها أو مرتبطة بها أدت، وفق النتائج الأممية، دورا مهما في تجنيد وتمويل ونقل المتعاقدين العسكريين وتقديم أشكال أخرى من الدعم لقوات الدعم السريع.
يكشف التحقيق حجم المسار الكولومبي، إذ تشير التقديرات إلى احتمال تجنيد ما يصل إلى ألفي عسكري كولومبي سابق منذ أغسطس/آب 2024، لم يكن دورهم مقتصرا على تعزيز أعداد مقاتلي الدعم السريع، بل شمل تقديم خبرات عسكرية متخصصة في تشغيل الطائرات المسيّرة والمدفعية ومنظومات الدفاع الجوي.
وبحسب التحقيق، خضع بعض هؤلاء المتعاقدين لتدريبات في منشأة ذات طابع عسكري في غياثي داخل الإمارات، قبل انتقالهم إلى السودان عبر مسارات مرت بالصومال أو ليبيا أو تشاد.
كما تحدث شهود عن رحلات شحن متكررة انطلقت من الإمارات باتجاه تشاد، قبل نقل الإمدادات والمتعاقدين الأجانب إلى مناطق خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع.
وبذلك، لا تبدو الصورة أمام الأمم المتحدة مجرد تحركات فردية لمرتزقة وصلوا إلى السودان بصورة عشوائية، بل شبكة تحتاج إلى منظومة متكاملة من التجنيد والتمويل والتدريب والنقل والممرات اللوجستية حتى يصل المقاتل إلى ساحة المعركة.
ومن أبرز الأسماء التي تناولها التحقيق العقيد الكولومبي المتقاعد ألفارو أندريس كويخانو بيسيرا، مؤسس إحدى الشركات الرئيسية المرتبطة بشبكة التجنيد، والذي كان مقيما في أبوظبي، إلى جانب زوجته كلوديا فيفيانا أوليفيروس فوريرو، التي اتُهمت بتنسيق عمليات التجنيد داخل كولومبيا.
وكان مجلس الأمن قد فرض عقوبات على الاثنين على خلفية تجنيد ونشر عسكريين كولومبيين سابقين في السودان.
لكن أهمية التحقيق لا تتوقف عند هوية المجندين، بل تمتد إلى ما حدث بعد وصولهم إلى السودان.
فمقاتلون من وحدة عُرفت باسم “ذئاب الصحراء” كانوا موجودين في محيط الفاشر قبل سيطرة الدعم السريع على المدينة وأثناءها وبعدها، وشاركوا في استخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية وأنظمة عسكرية متقدمة.
وهنا تتجاوز القضية ملف المرتزقة أنفسهم إلى سؤال أكبر يتعلق بسلسلة الدعم التي أوصلتهم إلى أرض المعركة.
فبعثة الأمم المتحدة وثقت في الفاشر انتهاكات وجرائم دولية خطيرة، وسبق أن خلصت إلى ارتكاب قوات الدعم السريع وحلفائها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فيما أشارت إلى أن سلوكهم تجاه المجتمعات غير العربية حمل سمات الإبادة الجماعية.
وقالت عضوة بعثة تقصي الحقائق، منى رشماوي، إن هذا الدعم أسهم في عمليات قوات الدعم السريع في مخيم زمزم ثم خلال السيطرة على الفاشر.
وبحسب الأمم المتحدة، لعب أفراد وكيانات تعمل من الإمارات أو مسجلة فيها أو مرتبطة بها دورا مهما في تجنيد وتمويل ونقل المتعاقدين العسكريين الذين قدموا دعماً لقوات الدعم السريع.
وعليه، لم يعد السؤال المطروح فقط: هل دعمت الإمارات قوات الدعم السريع؟
بل بات السؤال الأكثر إلحاحا: كيف تحولت الإمارات إلى عقدة في شبكة دولية أوصلت مرتزقة محترفين إلى قلب واحدة من أكثر حروب العالم دموية، وما الذي فعلته السلطات الإماراتية لمنع استخدام أراضيها وشركاتها وشبكاتها في هذه العمليات؟