علاقات » امم متحدة

حراك خليجي متصاعد للدفع باتجاه إصلاح منظومة الأمم المتحدة

في 2026/01/22

يوسف حمود - الخليج أونلاين

شهد عام 2025 تصاعداً لافتاً في تحركات ومواقف دول مجلس التعاون الخليجي تجاه إصلاح منظومة الأمم المتحدة، بالتزامن مع الذكرى الـ80 لتأسيس المنظمة الدولية، وتزايد الانتقادات العالمية لفاعلية مؤسساتها، خصوصاً في ملفات النزاعات المسلحة، والحقوق الإنسانية، وآليات اتخاذ القرار داخل مجلس الأمن.

وجاء هذا الحراك الخليجي عبر بيانات رسمية، وخطابات أمام الجمعية العامة، واجتماعات مع مسؤولي الأمم المتحدة، إضافة إلى مبادرات جماعية ضمن أطر متعددة الأطراف.

ويعكس هذا التوجه إدراكاً خليجياً متنامياً بأن بنية الأمم المتحدة الحالية لم تعد قادرة على الاستجابة السريعة والفعالة للأزمات الدولية، وأن استمرار الجمود المؤسسي يضعف الثقة بالنظام الدولي، ويحد من قدرة المنظمة على حفظ السلم والأمن الدوليين.

ضغوط الإصلاح

دخل ملف إصلاح الأمم المتحدة مرحلة أكثر حضوراً على الأجندة الدولية منذ 2024، مع إطلاق الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، دعوات لتحديث آليات العمل، ومراجعة هيكل مجلس الأمن، وتعزيز دور المنظمات الحقوقية، في ظل أزمات ممتدة في غزة، وأوكرانيا، والسودان، واليمن، وسوريا.

وخلال عام 2025، تكثفت النقاشات الرسمية داخل أروقة المنظمة حول إصلاح مجلس الأمن، وتطوير منظومة حقوق الإنسان، وتحسين التنسيق مع المنظمات الإقليمية، وهي ملفات شاركت فيها دول الخليج بشكل متزايد، سواء من خلال خطابات مباشرة أو بيانات جماعية.

وبرزت الإمارات خلال 2025 كأحد أكثر الأطراف الخليجية نشاطاً في ملف إصلاح المنظومة الحقوقية الأممية، فخلال اجتماعات الجمعية العامة، ولقاءات جانبية مع المسؤولين الأممين، أكدت أبوظبي ضرورة تطوير آليات مجلس حقوق الإنسان، وتعزيز معايير الحياد والشفافية، وضمان عدم تسييس القضايا الحقوقية.

وفي ديسمبر 2025، ناقشت الإمارات ملف إصلاح المنظومة الحقوقية الأممية خلال ما عُرف بـ"لقاء الأربعاء"، حيث جرى التطرق إلى آليات تحسين كفاءة عمل المؤسسات الحقوقية، وتوحيد المعايير، وضمان العدالة في التعامل مع ملفات حقوق الإنسان دون ازدواجية.

وجددت الإمارات التزامها بدعم الحوار الشامل، وتعزيز التفاهم المشترك، وتشجيع النهج التعاوني في العمل على تطوير نظام متعدد الأطراف أكثر كفاءة ومرونة في ضوء مقترحات إصلاح "UN80".

مطالب إصلاح شامل  

خلال جلسات مجلس الأمن والجمعية العامة في 2025، شددت قطر أكثر من مرة على ضرورة إصلاح شامل لمنظومة الأمم المتحدة، مع التركيز على تفعيل تنفيذ القرارات الدولية، لا الاكتفاء بإصدارها. 

وأكدت الدوحة في عدة مداخلات رسمية أن غياب آليات التنفيذ الفعلي أدى إلى إطالة أمد النزاعات، وتقويض مصداقية المنظمة.

كما دعت قطر إلى تطوير دور الوساطة داخل الأمم المتحدة، وتعزيز قدرات المنظمة في منع النزاعات قبل اندلاعها، مستندة إلى خبراتها في الوساطات الدولية، ودورها المتزايد في ملفات إقليمية ودولية.

وفي سبتمبر الماضي 2025، قال وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي إن السلام الدائم شرط لتحقيق التنمية المستدامة، مؤكداً أنه لا يمكن لأي منهما أن يتحقق دون عدالة، وجدد الدعوة لإصلاح منظومة الأمم المتحدة. 

وصادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة في يونيو 2025، على قرار اعتماد إطار تعاون رسمي بين الأمم المتحدة ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، وهو قرار دافعت عنه الكويت باعتباره خطوة عملية نحو إصلاح نماذج التعاون بين المنظمة الدولية والتجمعات الإقليمية.

ويُعد هذا القرار من أبرز المحطات الخليجية في ملف الإصلاح، إذ يهدف إلى تحسين التنسيق في مجالات السلم والأمن، والعمل الإنساني، والتنمية المستدامة، ويعكس توجهاً خليجياً لدعم إصلاح الأمم المتحدة عبر أدوات مؤسسية لا تقتصر على الخطابات السياسية.

وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، قال في العام 2024 إن إصلاح منظومة الأمم المتحدة بات "حاجة مُلحّة" من أجل التصدي للتحديات التي تُخل بالسلم والأمن الدوليين.

وأضاف الأمير فيصل أن "المنظومة الأممية فشلت في إنهاء الكارثة الإنسانية في فلسطين، وعجزت عن محاسبة سلطات الاحتلال على ممارساتها".

وبسبب العدوان الإسرائيلي على القطاع كانت قطر قد أكدت، في 22 نوفمبر 2023، أن مسألة إصلاح مجلس الأمن "تمثل تحدياً مهماً، وهدفاً استراتيجياً للمجموعة الدولية لارتباطها الوثيق بإحدى الركائز الرئيسية للأمم المتحدة المتمثلة في صون السلم والأمن الدوليين".

مواقف خليجية جماعية 

خلال أكتوبر 2025، رحبت دول مجلس التعاون الخليجي بمبادرات الأمم المتحدة الهادفة إلى إصلاح المنظمة، ودعت في بيانات رسمية إلى إصلاح شامل يعزز كفاءة المؤسسات الأممية، ويضمن تمثيلاً أوسع للدول النامية، ويحد من تعطيل القرارات داخل مجلس الأمن.

وأكدت هذه البيانات التزام دول الخليج بميثاق الأمم المتحدة، ودعمها لنظام متعدد الأطراف، مع التشديد على ضرورة معالجة أوجه القصور التي كشفتها الأزمات الدولية المتلاحقة.

رغم تجنب دول الخليج الدخول في تفاصيل حساسة تتعلق بتعديل ميثاق الأمم المتحدة، إلا أن الخطابات الخليجية خلال 2025 تضمنت إشارات متكررة إلى الحاجة لإصلاح آليات عمل مجلس الأمن، خصوصاً ما يتعلق باستخدام حق النقض (الفيتو)، وتأثيره على تعطيل قرارات تتصل بالنزاعات الإنسانية.

وشددت المواقف الخليجية على أن غياب التوافق داخل مجلس الأمن أدى إلى شلل في التعامل مع أزمات كبرى، ما يستدعي مراجعة آليات اتخاذ القرار بما يحقق التوازن بين الدول الكبرى وبقية أعضاء المنظمة.

أسباب دوافع الخليج

تعود دوافع دول الخليج للمطالبة بإصلاح الأمم المتحدة إلى عدة عوامل رئيسية عادة ما طرحتها الدول الست، أبرزها:

تعثر مجلس الأمن في معالجة نزاعات الشرق الأوسط.

ضعف فاعلية المنظومة الحقوقية في حماية المدنيين.

تزايد التسييس والازدواجية في تطبيق القانون الدولي.

الحاجة إلى نظام دولي أكثر قدرة على إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية.

وقد عكست التصريحات الخليجية خلال 2025 قناعة بأن إصلاح المنظمة لم يعد خياراً نظرياً، بل ضرورة عملية لاستمرار دورها.

ويُرجح أن يستمر هذا الحراك خلال السنوات المقبلة، خصوصاً مع تزايد وزن دول الخليج سياسياً واقتصادياً، وسعيها للمشاركة في صياغة نظام دولي أكثر توازناً وفاعلية.

وتتشارك مع دول الخليج دول كبرى في مسألة الدعوة إلى إصلاح مجلس الأمن، حيث يروج في الأثناء نموذج جديد مقترح للإصلاحات، أطلقته مجموعة (البرازيل وألمانيا والهند واليابان)، تدعو إلى إلحاق ستة أعضاء دائمين آخرين.

وفي مقال سابق له بصحيفة "عكاظ" السعودية، يشير الكاتب السعودي حمود أبو طالب، إلى أن المملكة كعضو مؤسس لميثاق الأمم المتحدة "تعرف ما يدور في هذه المنظمة منذ تأسيسها، وطبيعة أدائها في مواجهة الأزمات العالمية المتعددة، وكدولة ساعية وراعية للسلام والاستقرار والتنمية تعرف جيداً أن هذه الغايات لن تتحقق في ظل التناقضات وازدواجية المعايير والانحيازات التي تمارسها المؤسسات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة، ولذلك جاء تأكيدها واضحاً للعالم أنه لا بد من معالجة الأسباب الجذرية وليس الأعراض والظواهر".

كما أشار في مقاله إلى أن وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، أكد خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2024، أن "إصلاح منظومة الأمم المتحدة أصبح حاجة ملحة"، واستشهد على ذلك بفشل المؤسسات الدولية في إنهاء كارثة فلسطين، وكذلك الإخفاقات الدولية في إحلال السلام في العالم، وتحديداً إنهاء الصراع في الشرق الأوسط.

بدورها ذكرت صحيفة "الراي" الكويتية، في أغسطس 2025، أن الجهود التي تقودها الكويت حول إصلاح مجلس الأمن بصفتها ميسر "المفاوضات الحكومية الدولية" حظيت بإشادات أممية واسعة.

أما صحيفة "الخليج" فقد شددت أيضاً، في أغسطس 2025، على أهمية جهود إصلاح المنظومة الأممية موضحة أن "المسؤوليات تتفاوت بحكم الاختلاف الكبير في القدرات التي تمتلكها تلك الدول، والحديث هنا ليس فقط عن القدرات الاقتصادية والعسكرية والسياسية والثقافية لكل دولة على حدة، وإنما كذلك قدرات التأثير داخل الأمم المتحدة ذاتها".

وأضافت: "لا يمكن أن تكون مسؤولية الدول التي لا تمتلك العضوية الدائمة في مجلس الأمن مثل مسؤوليات باقي الدول. فالشريحة الأولى تتحكم في قرارات المجلس، وهو الجهاز المعني بالتعامل مع قضايا الصراعات والنزاعات المسلحة"، مشيرة إلى أنه "كم من مرة أصيب المجلس بالشلل في أزمات ضخمة، وهذا ليس بالجديد، ويمكن تعداد حالات بارزة لذلك منها الحرب الكورية خمسينات القرن الماضي، والصراع العربي الإسرائيلي الذي ما زالت فصوله تتواصل، والحرب الدائرة في أوكرانيا".

وفي مقال لها بصحيفة "الخليج" الإماراتية أشارت الكاتبة يسرا عادل، إلى أنه بعد 80 عاماً على تأسيس الأمم المتحدة، لم يعد السؤال عن أهميتها بقدر ما أصبح عن قدرتها على البقاء فاعلة في عالم تغيّر جذرياً.

فالأزمات المتلاحقة من غزة إلى أوكرانيا - تضيف - كشفت محدودية دور المنظمة، وعجزها المتكرر عن تحويل مبادئ ميثاقها إلى أفعال، بسبب اختلال موازين القوى واحتكار القرار داخل مجلس الأمن، ولا سيما عبر حق النقض الذي بات أداة شلل أكثر منه ضمان استقرار.

يرى كثيرون أن إصلاح الأمم المتحدة لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية، سواء عبر تعديل آليات التصويت والتمثيل لتعبّر عن عالم اليوم لا عن عالم 1945، أو عبر إعادة تعريف مفهوم الشرعية الدولية بما يكسر احتكار القوى الكبرى للقرار، غير أن الواقع يذكّر بأن الإصلاح ليس مسألة قانونية فقط، بل رهين توازنات القوة والإرادة السياسية.

كما أوضحت أن "الضغط من أجل التغيير لا يأتي من الحكومات وحدها، بل من الشعوب أيضاً، التي تشعر بأن المنظمة التي وُلدت لحماية الضعفاء باتت شاهدة صامتة على معاناتهم. ومع ذلك، لا تزال هناك أصوات داخل الأمم المتحدة تدعو إلى مصارحة شجاعة تعترف بأن الخلل في التطبيق لا في الفكرة، وأن استعادة دور المنظمة ممكنة إذا توفرت الإرادة".

وتساءلت الكاتبة: "هل تحتاج الأمم المتحدة إلى إصلاح؟ بل: هل تستطيع أن تتجدد لتبقى إطاراً جامعاً للبشرية؟"، مضيفة: "ربما يبدأ الإصلاح الحقيقي عندما تستعيد المنظمة روح ديباجتها الأولى: نحن شعوب العالم، وتعيد الاعتبار لصوت الشعوب لا لصدى القوى".