دول » السعودية

من العمل الخيري للاستثمار.. كيف أعادت السعودية بناء قطاع الأوقاف؟

في 2026/07/08

يوسف حمود - الخليج أونلاين

يشهد قطاع الأوقاف في السعودية تحولاً متسارعاً من نموذج تقليدي ارتبط لعقود بالأعمال الخيرية وإدارة الأصول الوقفية، إلى قطاع مؤسسي يعتمد على الحوكمة والاستثمار والاستدامة المالية، ويؤدي دوراً متنامياً في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى تعزيز مساهمة القطاع غير الربحي في الاقتصاد الوطني.

ويأتي هذا التحول في وقت تجاوز فيه عدد الأوقاف المسجلة في المملكة 32 ألف وقف حتى مايو 2026، فيما سجلت عمليات التسجيل خلال عام 2025 نمواً يقارب 100% مقارنة بالعام السابق، بحسب الهيئة العامة للأوقاف، في مؤشر يعكس توسع قاعدة الواقفين وارتفاع الوعي بأهمية تسجيل الأوقاف وإدارتها وفق إطار مؤسسي منظم.

ولم يعد أثر الأوقاف يقتصر على تمويل المساجد أو الأنشطة الخيرية التقليدية، بل توسع ليشمل التعليم، والإسكان، والصحة، والبيئة، وخدمة ضيوف الرحمن، إلى جانب التوسع في إنشاء الصناديق الاستثمارية الوقفية وتنمية الأصول، بما يعزز استدامة العوائد ويحول الوقف إلى إحدى أدوات التمويل التنموي.

وتعكس هذه المؤشرات مساراً بدأ قبل نحو عقد، مع إنشاء الهيئة العامة للأوقاف، التي قادت عملية إعادة تنظيم القطاع، وتطوير أنظمته، وتحسين حوكمته، وإطلاق مبادرات استثمارية وتنظيمية رفعت من مساهمة الأوقاف في التنمية، ورسخت حضورها ضمن مستهدفات رؤية المملكة.

بداية التحول المؤسسي

بدأت مرحلة التحول الحديثة لقطاع الأوقاف مع صدور الأمر الملكي بإنشاء الهيئة العامة للأوقاف أواخر عام 2015، لتباشر أعمالها خلال عام 2016، وتتولى مسؤولية تنظيم القطاع، وحصر الأوقاف، والمحافظة عليها، وتنمية أصولها، ورفع كفاءة إدارتها بما يحقق شروط الواقفين ويضمن استدامة الأثر الوقفي.

ومنذ ذلك الحين، عملت الهيئة على تحديث الأنظمة والإجراءات، وإطلاق خدمات رقمية لتسجيل الأوقاف وتوثيقها، إلى جانب تطوير معايير الحوكمة والرقابة، بما عزز الشفافية وسهل على الواقفين إنشاء أوقاف جديدة وإدارتها ضمن بيئة تنظيمية موحدة.

وأثمرت هذه الجهود نمواً متواصلاً في عدد الأوقاف المسجلة، حيث تجاوز العدد 32 ألف وقف حتى مايو 2026، بينما شهد عام 2025 وحده قفزة في عمليات التسجيل قاربت 100%، وهو ما يعكس اتساع المشاركة المجتمعية في العمل الوقفي، وتزايد الثقة بالمنظومة الجديدة.

كما توسعت الهيئة في إنشاء شراكات مع الغرف التجارية والجهات غير الربحية، بهدف نشر ثقافة الوقف، واستقطاب واقفين جدد، وتقديم خدمات استشارية وتنظيمية تسهم في رفع كفاءة القطاع وتحسين أدائه.

الاستثمار جزءاً من الوقف

اعتمدت السعودية خلال السنوات الأخيرة نهجاً يقوم على تنمية الأصول الوقفية بدلاً من الاكتفاء بالحفاظ عليها، من خلال التوسع في الصناديق الاستثمارية الوقفية، وتنويع أدوات الاستثمار، بما يضمن تحقيق عوائد مستدامة تدعم المصارف الوقفية على المدى الطويل.

وفي نوفمبر عام 2025، تجاوزت قيمة أصول الصناديق الاستثمارية الوقفية نحو 586 مليون دولار، وفق صحيفة "الاقتصادية" السعودية، مع استمرار التوسع في عدد الصناديق والمنتجات الوقفية، بما يعكس تنامي الاعتماد على الاستثمار المؤسسي في إدارة الأوقاف.

وأعلنت الهيئة العامة للأوقاف، في 22 أبريل 2026، بدء إيداع أرباح السنة المالية 2025 للأموال الوقفية المودعة لديها، وكشفت أن الأرباح التراكمية الناتجة عن استثمار هذه الأموال بلغت نحو 421 مليون دولار، في مؤشر على نمو العوائد الاستثمارية وتحسن كفاءة إدارة الأموال الوقفية.

ويستهدف هذا التوجه تحويل الوقف إلى مصدر تمويل مستدام، قادر على تحقيق عوائد متنامية تدعم البرامج الاجتماعية والتنموية، وتحافظ في الوقت نفسه على الأصل الوقفي وتنمي قيمته مع مرور الوقت.

اتساع الإنفاق الوقفي

بالتوازي مع نمو الاستثمارات، توسعت المصارف الوقفية التي تشرف عليها الهيئة العامة للأوقاف، لتتجاوز قيمتها 533 مليون دولار، موزعة على برامج ومشروعات تنموية متعددة تخدم قطاعات حيوية في المملكة.

وتصدر برنامج ضيوف الرحمن هذه المصارف بقيمة تقارب 400 مليون دولار، يليه دعم المساجد بنحو 98 مليون دولار، ثم مشروعات البيئة والمياه بنحو 35 مليون دولار، والإسكان بنحو 34 مليون دولار، والتعليم بنحو 23 مليون دولار، إضافة إلى برامج دعم الفئات الأشد حاجة والقطاع الصحي.

ويعكس هذا التنوع انتقال الوقف من تمويل مجالات محدودة إلى الإسهام في برامج تنموية واسعة، تتقاطع مع أولويات التنمية الوطنية، وتسهم في تحسين جودة الحياة وتعزيز الخدمات المقدمة للمجتمع.

كما تعمل الهيئة على رفع كفاءة إدارة هذه المصارف، وربطها باحتياجات التنمية، بما يضمن تحقيق أعلى أثر اجتماعي واقتصادي ممكن من العوائد الوقفية، مع الالتزام بشروط الواقفين وأهدافهم.

رافد للاقتصاد غير الربحي

تزامن تطور قطاع الأوقاف مع توسع القطاع غير الربحي في المملكة، الذي تجاوزت مساهمته الاقتصادية 26.7 مليار دولار، بما يعادل 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تستهدف رؤية السعودية 2030 رفع هذه النسبة إلى 5%.

وتشير البيانات إلى أن الأوقاف أسهمت بما يقارب 12.8 مليار دولار من إجمالي مساهمة القطاع غير الربحي، لتصبح أحد أكبر مكوناته الاقتصادية، إلى جانب الجمعيات الأهلية، والعمل التطوعي، والمؤسسات غير الربحية.

كما شهدت منصات التبرع الرقمية نمواً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع توسع الأدوات الوقفية الحديثة، وهو ما وفر قنوات جديدة لتمويل المبادرات المجتمعية، وزاد من كفاءة إدارة الموارد المالية المخصصة للعمل غير الربحي.

نموذج وقفي مستدام

تواصل السعودية تطوير منظومة الأوقاف عبر تحديث الأنظمة، وتوسيع الشراكات وإطلاق مبادرات تعزز الحوكمة والاستثمار، بما يواكب التحولات التي يشهدها القطاع غير الربحي، ويرفع كفاءة إدارة الأصول الوقفية.

كما اتجهت الهيئة إلى تعزيز التعاون مع المؤسسات المحلية والدولية، وربط القطاع الوقفي بمفاهيم التنمية المستدامة، وإطلاق مبادرات لقياس الأداء المؤسسي، وتشجيع أفضل الممارسات في إدارة واستثمار الأوقاف.

وتسعى هذه الجهود إلى استقطاب واقفين جدد، وتطوير الأوقاف القائمة، ومعالجة الأوقاف المتعثرة، وتحويلها إلى أصول أكثر إنتاجية، بما يحقق الاستدامة المالية ويزيد من الأثر التنموي للقطاع.