في 2026/11/05
(هدى القشعمي \ راصد الخليج)
يمثل الإصدار الاستقصائي الجديد "الأمراء واللصوص" (Princes and Thieves) للكاتب والصحفي الأمريكي ماثيو كول، والصادر عن دار النشر العالمية "سيمون أند شوستر"، وثيقة تحليلية غنية بالمعلومات تغوص في عمق التحولات البنيوية والجذرية التي شهدتها مراكز صناعة القرار السياسي والاقتصادي والأمني في المملكة العربية السعودية خلال العقد الأخير.
يستند المؤلف في هذا العمل إلى شبكة واسعة من المقابلات المباشرة والتقارير الاستخباراتية المتقاطعة والوثائق المالية ليفكك كيفية إعادة صياغة توازنات القوة وصعود النفوذ المالي الجيوسياسي للمملكة على الساحة الدولية. الكتاب يتجاوز السرد الصحفي التقليدي ليطرح تساؤلات حقوقية واقتصادية عميقة عن ملامح "الدولة الحديثة" وإدارة ثرواتها السيادية في عصر التحولات الكبرى.
من هذا المنطلق، يستعرض هذا التقرير الأبعاد البنيوية لأقسام الكتاب، مفككًا أهم الأفكار والمعلومات الحيوية التي تضع خفايا صناعة القرار تحت مجهر الاستقصاء العلمي المحايد.
1- هندسة السلطة وإعادة صياغة التوازنات الداخلية
يرصد القسم الأول من الكتاب المسارات التنفيذية التي أدت إلى تركيز الصلاحيات وتغيير القواعد التقليدية للحكم داخل الأسرة الحاكمة، متناولًا الآليات البنيوية التالية:
أ- تفكيك مراكز النفوذ القديمة: يستعرض الكتاب بالأرقام والوقائع كيفية إنهاء كتل القوة التاريخية التي كانت تقسم الصلاحيات بين الأجنحة المختلفة داخل العائلة، وتوحيد الأجهزة الأمنية والعسكرية تحت قيادة مركزية واحدة.
ب- إستراتيجية تحييد المعارضة الداخلية: يوثق المؤلف كواليس الحملات التنظيمية والمالية التي استهدفت إعادة هيكلة الخارطة السياسية الداخلية، مستندًا إلى تقارير ميدانية تبين كيفية نقل الأصول وإعادة قوننة الولاءات البنيوية.
ج- صعود النخبة التكنوقراطية الجديدة: يبرز الكتاب إحلال جيل جديد من المستشارين التنفيذيين والخبراء الشباب (التكنوقراط) مكان الحرس القديم في الوزارات السيادية، لتسريع وتيرة اتخاذ القرار والحد من البيروقراطية الإدارية.
2- التحولات الاقتصادية وإدارة الصناديق السيادية
يركز المؤلف في هذا المحور على الجوانب المالية الباردة التي قادت الرؤية الاقتصادية الجديدة للمملكة، مبينًا مسارات حركة الرساميل الدولية:
أ- إعادة توجيه الاستثمارات العالمية: يكشف الكتاب كواليس القرارات المالية التاريخية المرتبطة بــ"صندوق الاستثمارات العامة" (PIF)، وكيفية تحويله من صندوق محلي عادٍ إلى أضخم محرك مالي عالمي يستثمر في التكنولوجيا، الرياضة، والعقارات الدولية.
ب- معركة تنويع مصادر الدخل: يطرح التقرير الأرقام والبيانات الحاكمة لمحاولات فك الارتباط التاريخي بالاقتصاد النفطي (الريع البترولي)، والتركيز على الخصخصة الجزئية لشركات عملاقة مثل "أرامكو" لتمويل المشاريع القومية العملاقة.
ج- تداعيات الرسوم والسياسات الضريبية المحدثة: يمس هذا الجانب حياة المواطن السعودي ومستويات المعيشة، إذ يرصد الكتاب أثر فرض ضريبة القيمة المضافة والرسوم البلدية المحدثة على حركة الاستهلاك المحلي والقدرة الشرائية للأسر.
3- العقيدة الأمنية الجديدة وشبكات النفوذ الخارجي
ينتقل ماثيو كول في القسم الثالث لتشريح الأبعاد الاستخباراتية والدبلوماسية الحاكمة للسياسة الخارجية للمملكة، مقسمًا إياها وفقًا للآتي:
أ- أدوات الضغط المالي الجيوسياسي: يحلل الكتاب كيفية استخدام الاستثمارات النفطية والودائع المالية في البنوك المركزية للدول الحليفة والنامية كأداة دبلوماسية صلبة لتأمين القرارات السيادية والمواقف الدولية.
ب- إعادة صياغة العلاقات مع واشنطن: يوثق الاستقصاء التحول من التحالف التقليدي القائم على "النفط مقابل الأمن" مع الولايات المتحدة، إلى علاقة ندية تقوم على المناورة، والتوازن مع القوى الشرقية (روسيا والصين)، وعقد شراكات تسليحية وتكنولوجية مستقلة.
ج- المسارات الأمنية ومكافحة المهددات العابرة للحدود: يبرز الكتاب الجداول والخطط العسكرية والاستخباراتية الحاكمة لتأمين الحدود الجغرافية للمملكة، ومكافحة شبكات التسلل، وإدارة الصراعات الإقليمية من منظور حماية الأمن القومي المباشر.
4- مقاربة الملف الفلسطيني في العقيدة الإستراتيجية الجديدة
يبحث المؤلف، في هذا الفصل، في كواليس تبدل الأولويات الجيوسياسية للمملكة وموقع القضية الفلسطينية في حسابات صانع القرار الإقليمي والدولي:
أ- تقديم المصالح القومية والتنموية: يوضح الكتاب أن الإدارة الجديدة ترتكز على مبدأ تقديم الاستقرار الاقتصادي الداخلي (رؤية 2030) على الحسابات الأيديولوجية التقليدية، ما أدى إلى تراجع القضية الفلسطينية من بند محرك للسياسة الخارجية إلى ملف يُدار بموجب موازين القوى الدبلوماسية الباردة.
ب- مسار التفاوض والمكاسب الإستراتيجية: يوثق المؤلف كواليس المفاوضات التي جرت برعاية أمريكية، مبينًا أن الجانب السعودي ركز على تحصيل مكاسب سيادية كبرى (كالتحالف الدفاعي والبرنامج النووي المدني)، في حين صيغت الشروط المتعلقة بالدولة الفلسطينية، مثل "مطالب تسهيلية تخفف الحرج السياسي" وليست كعقبة تعطل الاتفاقات.
ج- قوننة الدعم المالي والخطاب الإعلامي: يرصد الاستقصاء حدوث تغيير بنيوي في آليات الرقابة المالية وحظر قنوات التمويل غير الرسمية التي كانت تستفيد منها بعض الفصائل، تماشيًا مع الرؤية الأمنية المحدثة التي تركز على بناء شراكات استثمارية وأمنية جديدة في المنطقة.
5- الفصول الخاصة بملفات الخصخصة والمشاريع المستقبلية
يبحث هذا القسم في الأبعاد اللوجستية للمشاريع الكبرى العابرة للحدود والتي تشكل النواة الصلبة للمستقبل العمراني والاقتصادي للمنطقة:
أ- الأبعاد الهيكلية لمدينة "نيوم": يفكك المؤلف التدفقات المالية والشركات الدولية المساهمة في بناء المشاريع المستقبلية، مناقشًا كلفة التنفيذ وتأثير هذه المدن الذكية على الجذب السياحي والاستثماري العالمي.
ب- خصخصة قطاعات الخدمات الحيوية: يرصد الكتاب خطط الدولة لتحويل قطاعات الصحة، والتعليم، والنقل إلى الاستثمار الخاص، تماشيًا مع المعايير الدولية لرفع كفاءة البنية التحتية والحد من الإنفاق الحكومي المباشر.
ج- قوننة السياحة والترفيه كبديل تنموي: يستعرض التقرير الأرقام التراكمية لعائدات الهيئة العامة للترفيه والمشاريع السياحية الساحلية، وأثرها في خلق فرص عمل جديدة للشباب والحد من معدلات البطالة.
تأسيسًا على على ما تقدم، يتبين أن الخطط والتحولات الهيكلية التي شهدتها المملكة تمثل نموذجًا تنمويًا واقتصاديًّا بالغ الضخامة والأهمية ويثير فضول مراكز الأبحاث الدولية. غير أن التجارب والمنعطفات الاقتصادية العالمية تؤكد دائمًا أن العبرة الحقيقية تكمن في قدرة هذه المشاريع العملاقة على تحقيق الاستدامة المالية الميدانية بعيدًا عن تقلبات أسواق الطاقة، لكي لا تبقى المؤشرات رهينة الوعود والأرقام النظرية.
في هذا السياق، يبرز تحييد المهددات الجيوسياسية كشرط محوري لضمان هذا الاستقرار؛ حيث يواجه نجاح الرؤية التنموية تحديين بنيويين بارزين على صعيد الأمن الإقليمي:
أ- مسار إنهاء النزاع في اليمن: إذ يمثل التوصل إلى تسوية سياسية شاملة ومستدامة للملف اليمني ركيزة أساسية لتأمين البنية التحتية والمشاريع الاستثمارية الكبرى في المملكة من أي استهدافات ميدانية عابرة للحدود تضر بالمناخ الاستثماري العالمي.
ب- تداعيات التناقضات الإقليمية والدولية: تحديدًا سياق التوتر المستمر بين الولايات المتحدة الأمريكية و إيران، وما يفرضه من ضغوط أمنية ولوجستية على سلامة ممرات الطاقة الحيوية في الخليج العربي، ما يضع مرونة الاقتصاد التنموي المحلي أمام اختبارات أمنية معقدة.
كما تظل العبرة بقدرة صانع القرار على المناورة بين هذه التحديات الإقليمية لضمان تلمّس المواطن للانعكاس الفعلي واللائق لهذه الطفرة البنيوية على أمنه المعيشي واليومي المستدام.
قائمة المصادر والمراجع المعتمدة:
1- دار النشر العالمية (Simon & Schuster): الوثيقة الرسمية، والبيانات التعريفية، وفهرس الأقسام الخاص بكتاب "Princes and Thieves" للمؤلف ماثيو كول.
2- منصة "ذا إنترسبت" (The Intercept) الاستقصائية: التقارير الدورية والتحقيقات المشتركة للصحفي ماثيو كول حول كواليس الأمن القومي وصناعة القرار المالي في الشرق الأوسط.
3- صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF): الجداول الإحصائية والتقارير السنوية الرسمية الصادرة بشأن حجم الأصول، والتوزيع الجغرافي للاستثمارات، وخطط التحول الاقتصادي لعام 2030.