دول » الامارات

انسحاب الإمارات من أوبك .. بداية فصل من السيادة النفطية

في 2026/04/30

وكالات

فيما يشهد العالم أزمة غير مسبوقة في الطاقة، خرجت الإمارات بقرار يشبه الزلزال في أسواق النفط العالمية، بإعلانها الانسحاب من منظمة الدول المصدّرة للنفط "أوبك" ومن تحالفها الموسّع "أوبك+" اعتباراً من 1 مايو المقبل.

وتمثل هذه الخطوة تحولاً حاسماً في سياسة "أوبك" أكبر منظمة مُصدِّرة للنفط في العالم، التي تنتج 36% من إنتاج النفط العالمي، وتسيطر على ما يقارب 80% من إجمالي الاحتياطيات المؤكدة في العالم.

ولطالما سعت الإمارات إلى رفع حصص إنتاج "أوبك"، مما يعكس جهودها لتوسيع طاقتها الإنتاجية بما يتجاوز المستويات التي حددتها لها المنظمة.

مبررات الإمارات

تأسست "أوبك" في عام 1960 من قِبل السعودية وإيران والعراق وفنزويلا والكويت، أما تحالف "أوبك بلس" فهو شراكة استراتيجية تأسست عام 2016 بين منظمة الدول المصدرة للبترول "أوبك" (12 دولة) وحلفاء مستقلين (11 دولة) أبرزهم روسيا، تهدف إلى استقرار أسواق النفط العالمية عبر إدارة مستويات الإنتاج.

الإمارات، بحسب بيان رسمي لها، بررت قرار انسحابها من المنظمتين بأنه "يتماشى مع الرؤية الاستراتيجية والاقتصادية طويلة الأمد، وتطور قطاع الطاقة لديها بما في ذلك تسريع الاستثمار في الإنتاج المحلي للطاقة كما يرسخ التزامها بدورها كمنتج مسؤول وموثوق يستشرف مستقبل أسواق الطاقة العالمية".

وأضاف البيان أن هذا القرار "جاء بعد مراجعة مستفيضة لسياسة دولة الإمارات الإنتاجية وقدرتها الحالية والمستقبلية، ونظراً لما تقتضيه المصلحة الوطنية والتزام الدولة بالمساهمة بشكل فعال في تلبية الاحتياجات الملحّة للسوق، فيما تستمر التقلبات الجيوسياسية على المدى القريب من خلال الاضطرابات في الخليج العربي ومضيق هرمز والتي تؤثر على ديناميكيات العرض، إذ تشير الاتجاهات الأساسية إلى مواصلة نمو الطلب العالمي على الطاقة على المدى المتوسط والبعيد".

كما أشار إلى أن "القرار يأتي بعد عقود من التعاون البنّاء، حيث انضمت الإمارات إلى أوبك في عام 1967 من خلال إمارة أبوظبي، واستمرت عضويتها بعد قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 1971، وخلال هذه الفترة قامت الدولة بدور فعال في دعم استقرار سوق النفط العالمي وتعزيز الحوار بين الدول المنتجة".

وذكر أيضاً أنه بعد خروج الإمارات من منظمة "أوبك"، فإنها "ستواصل دورها المسؤول من خلال زيادة الإنتاج بشكل تدريجي ومدروس، بما يتماشى مع الطلب وظروف السوق".

وأكدت الإمارات "استمرار التزام سياساتها الإنتاجية بالمسؤولية والتركيز على استقرار السوق، مع الأخذ في الاعتبار العرض والطلب العالميين".

سهيل المزروعي، وزير الطاقة الإماراتي، أوضح في تغريدة له أن "قرار دولة الإمارات الخروج من منظمة أوبك يتماشى مع التطور المستند إلى سياسات القطاع والمتوافق مع أساسيات السوق طويلة الأمد".

وأكد أيضاً أن بلاده ستواصل التزامها بـ"أمن الطاقة من خلال توفير إمدادات موثوقة ومسؤولة ومنخفضة الانبعاثات، بما يدعم استقرار الأسواق العالمية".

كما ذكر المزورعي، في تصريح لـ"رويترز"، أن قرار بلاده "يمنحها ​مرونة؛ إذ إنها ليست ملزمة ​بأي ​التزامات ضمن المجموعة"، مضيفاً ‌أن ⁠بلاده "لم تتشاور بشكل مباشر ​مع ​الدول ⁠الأخرى، بما في ​ذلك السعودية، ​قبل ⁠اتخاذ هذا القرار".

"الإمارات وأوبك"

تعود علاقة الإمارات بأوبك إلى عام 1967، حين انضمت إمارة أبوظبي إلى المنظمة قبل أربع سنوات من تأسيس الاتحاد الإماراتي في 1971. 

ومنذ ذلك الحين، شكّلت الإمارات أحد الأركان الموثوقة داخل التحالف، إذ تتقاسم مع السعودية ثقل القرار النفطي الخليجي، وتلعب دوراً في معالجة أزمات السوق المتعاقبة، من حظر السبعينيات إلى انهيار الأسعار في 1986، ومن غزو الكويت إلى الجائحة العالمية وحرب أوكرانيا.

غير أن العقد الأخير شهد تحولاً تدريجياً في موقع أبوظبي داخل المنظمة، فبينما كانت "أوبك" تُديم منطقها التقليدي القائم على ضبط العرض لرفع الأسعار، كانت الإمارات تضخّ مليارات الدولارات في توسيع طاقتها الإنتاجية، حتى تجاوزت أربعة ملايين برميل يومياً، فيما ظلّ سقف حصتها داخل التحالف يدور حول ثلاثة ملايين فقط.

وفي يوليو 2021، تسرّب الخلاف إلى العلن للمرة الأولى حين عرقلت الإمارات اتفاقاً كان وشيكاً داخل "أوبك+" بتقييد الإنتاج بعد أزمة "كورونا" مطالبةً بمراجعة "خط الأساس" المعتمد لحساب حصصها. 

وزير الطاقة الإماراتي، سهيل المزروعي، قال حينها إن "اتفاقية أوبك بلس غير عادلة من ناحية نقطة الأساس المرجعية لحجم إنتاج النفط"، مؤكداً أن بلاده تؤيد "أي زيادة غير مشروطة" في الإنتاج في ظل حاجة السوق العالمية لزيادة الإنتاج.

أبعاد سيادية

في هذا الصدد يشير الخبير الاقتصادي، أحمد صدام، إلى أنه "كان للإمارات دور داعم لاستقرار السوق؛ لكونها من الدول الأكثر التزاماً بحصص الإنتاج، إذ دعمت سياسة السعر المستهدف في المنظمتين، كما أنها كانت دولة مهمة في توازن السوق النفطية لامتلاكها الطاقة الاحتياطية". 

وأضاف لـ"الخليج أونلاين":

- أسباب الانسحاب تعود بالدرجة الأساس إلى رغبة الإمارات في التحول نحو تحقيق مرونة سوقية أكبر من خلال التخلص من قيود الحصص التي تفرضها "أوبك".

- من خلال ذلك تستطيع استغلال كامل طاقتها الإنتاجية، ولا ننسى أيضاً أثر أزمة مضيق هرمز.

- بالإضافة إلى ذلك يوجد استراتيجية طويلة الأمد للإمارات، في محاولة تعظيم إيراداتها في مرحلة الطلب المرتفع ورغبتها في تعدد الشراكات الدولية. 

- بالنسبة للخطوات القادمة، سوف تعمل الإمارات على إعادة التموضع في سوق الطاقة العالمي من خلال رفع الإنتاج إلى ما يقارب 5 ملايين أو 5.5 مليون برميل يومياً بهدف زيادة صادراتها النفطية الصين والهند.

- الإمارات سوف تتوجه إلى منافسة السعودية وروسيا من خلال توقيع عقود طويلة الأجل، وبأسعار مرنة، في سبيل تعزيز حصتها السوقية على حساب السعر في الأمدين القريب والمتوسط.

- هذا التوجه سوف يدعم استراتيجية توسيع الاستثمارات المرتبطة بالنفط مثل البتروكيماويات وتوسيع المجمعات الصناعية الأخرى، وكل ذلك يسهم في تعزيز القيمة المضافة والنمو للاقتصاد الإماراتي.

وفي ذات السياق، أدت الحرب الأخيرة مع إيران وإغلاق مضيق هرمز إلى أزمة كبيرة في قطاع الطاقة الإماراتي حيث انخفض إنتاج البلاد بنسبة 44% إلى 1.9 مليون برميل يومياً في مارس الماضي.

هذه الأزمة كانت بمنزلة صافرة النهاية بالنسبة لعضوية الإمارات في "أوبك"، التي لطالما نظرت لها على أنها قيد أكثر منها "مظلة تنظيمية"، وهو ما أشارت إليه الدكتورة ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات، التي وصفت "الانسحاب" بأنه "انتقال من الالتزامات الجماعية المرتبطة بالحصص إلى المرونة السيادية في إدارة الإنتاج، بما يتيح استجابة أسرع لاضطرابات مثل تلك المرتبطة بمضيق هرمز".

وأضافت: "عملياً، تعيد الإمارات تعريف دورها من منتج ضمن تكتل إلى منتج مرجّح يساهم في استقرار السوق عبر قدرته على الحركة، في خطوة قد تضعف تدريجياً تماسك أوبك، لكنها في المقابل تعزز مكانة الإمارات كفاعل قادر على التأثير المباشر في توازنات العرض العالمية".

أما الخبير الاقتصادي نبيل المرسوي، فقد اعتبر أن "قرار الإمارات رغبتها في التحرر من قيود الإنتاج التي تفرضها أوبك التي لا تتوافق مع السياسة النفطية في الإمارات، الرامية إلى الاستفادة من طاقاتها الإنتاجية الفائضة في زيادة إنتاجها إلى أكثر من 5 ملايين برميل يومياً".

وأضاف: "سيقوض انسحاب الإمارات الجهود التي تبذلها أوبك وأوبك بلس في ضبط وتنظيم الإمدادات النفطية وتكييف الإنتاج لتلبية الطلب العالمي وتحقيق الاستقرار في السوق النفطية العالمية".

كما قالت مونيكا مالك، كبيرة الاقتصاديين في بنك أبوظبي التجاري، لـ"رويترز": "الانسحاب يفتح الباب أمام الإمارات العربية المتحدة لاكتساب حصة في السوق العالمية عندما يستقر الوضع الجيوسياسي"، مضيفة أنه "سيكون إيجابياً للمستهلكين والاقتصاد العالمي بشكل عام".

أمام ما جرى، يتوقع أن تكثف أبوظبي شراكاتها الثنائية مع كبار المستهلكين مثل الهند، والصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، بعقود طويلة الأمد تكفل لها استقراراً تسويقياً للنفط الخام.

كما يتوقع أن تواصل الإمارات التنسيق مع السعودية وروسيا، لتؤكد أن "الانسحاب لا يعني العداء، بل يعني إدارة المصالح من موقع مختلف".