في 2026/08/22
متابعات
يكاد يكون وضع الاقتصاد الإماراتي نموذجياً، للتعرّف إلى طبيعة الخسائر التي مُنيت بها اقتصادات دول المنطقة من جرّاء الحرب على إيران. ويعود ذلك إلى جملة أسباب جوهرية لعلّ أبرزها ما يلي: تركيبة الاقتصاد الإماراتي غير المعتمِدة كلياً على الإيرادات النفطية - كما هو حال بعض الاقتصادات الأخرى -، اندماجه الواسع في الاقتصاد العالمي استثمارياً ومالياً وتجارياً، وعناصر القوة التي قد يعتمد عليها للحدّ من تداعيات الحرب.
عملياً، ثمّة ثلاثة عوامل ضغطت بشدّة على أداء القطاعات الاقتصادية الإماراتية، وتسبّبت لها بخسائر مباشرة وغير مباشرة. أول هذه العوامل، تعطّل أو اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز؛ وثانيها، الاستهداف الإيراني المباشر لبعض المنشآت الإماراتية التي تَعدّها إيران جزءاً من شبكة المصالح والقواعد الأميركية في المنطقة. وأمّا السبب الثالث، فهو الأثر النفسي للحرب، والذي يميّز جانباً هامّاً من خسائر اقتصاد الإمارات.
في المقابل، فإن نقاط القوة التي تمتلكها البلاد، والمتمثّلة في البنية التحتية الهائلة، والملاءة المالية الكبيرة للصندوق السيادي، والبدائل المُتاحة مؤقّتاً، ساعدت الحكومة في مواجهة تداعيات الحرب وخسائرها، وهي ستكون عاملاً أساسياً في تسريع التعافي، في حال التوصّل إلى اتفاق سلام شامل. وبحسب أحدث تقديرات البنك المركزي الإماراتي، يُتوقّع أن يبلغ معدّل نموّ الناتج المحلّي الإجمالي نحو 1.7%، مقارنة بنحو 6.2% في العام الماضي، ما يعني أن هناك تباطؤاً في النمو بنحو 4.5 نقاط مئوية. لكن في المقابل، ثمّة تقديرات تتحدّث عن إمكانية تسجيل انكماش في النمو، وإن بنسبة قليلة.
«هرمز» ونموذج الإمارات الاقتصادي
لا يكتسب مضيق هرمز أهميته، بالنسبة إلى الاقتصاد الإماراتي، من كونه يمثّل ممرّاً لجزء ليس بالقليل من صادرات البلاد النفطية، والمُقدَّرة وسطياً في العام الماضي بنحو 3.2 ملايين برميل يومياً، فقط، وإنما لأنه يشكّل عصب المشروع التجاري القائم على تحويل موانئ الإمارات إلى مركز إقليمي ودولي للتجارة واللوجستيات وإعادة التصدير بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا، وتوفير البنية التحتية القوية اللازمة لذلك. ففي العام الماضي، بلغت قيمة السلع المُعاد تصديرها عبر الإمارات ما يقرب من 226 مليار دولار، وهو رقم أعلى بكثير من قيمة صادرات البلاد النفطية، البالغة، وفق إدارة الطاقة الأميركية، نحو 77 مليار دولار.
ولذلك، فإن الأثر الأكبر لمضيق هرمز كان على موانئ البلاد، التي شهدت اضطراباً في عملها خلال فترة الهجمات الأميركية والردّ الإيراني عليها، سواء من حيث تأخّر عمليات شحن الحاويات، أو ارتفاع بدلات التأمين والنقل، أو تريّث الشركاء التجاريين إلى حين معرفة ما ستؤول إليه الأوضاع في المنطقة. ويرجّح البنك المركزي الإماراتي «أن تؤدّي الاضطرابات في خطوط الشحن الإقليمية وتزايد حالة عدم اليقين إلى تأخير التدفّقات التجارية ورفع تكاليف النقل والتأمين للنفط والسلع الأساسية. ومن المُتوقّع أن تؤثّر هذه العوامل سلباً على قطاعات الخدمات اللوجستية وتجارة الجملة والتجزئة والتصنيع. وقد يشمل النشاط الخدمي، بما في ذلك القطاعات المرتبطة بالسياحة، تباطؤاً مؤقّتاً في ظلّ التطورات الإقليمية».
أمّا الصادرات النفطية، فهي، وإن تراجعت عبر مضيق هرمز لتبلغ وسطياً في شهر تموز/ يوليو الماضي نحو 950 ألف برميل، فإن إعادة تشغيل خطّ حبشان - الفجيرة بطاقته الكاملة، مكّنت البلاد من تجاوز عقبة المضيق وتصدير ما بين 1.5 و1.8 مليون برميل يومياً، بحسب بعض التقديرات. كما أن استمرار محاولات عبور بعض السفن للمضيق بشكل مخفيّ، رغم التهديدات والمخاطر الأمنية، قلّل أيضاً من حجم تأثّر الصادرات النفطية، التي قد تكون تراجعت من حيث الكمية، إلّا أن إيراداتها زادت بشكل كبير من جرّاء ارتفاع أسعار النفط عالمياً.
وإذا كان خطّ حبشان أنقذ صادرات البلاد النفطية، فإن صادرات الغاز ظلّت مرهونة أو مُقيّدة بوضع مضيق هرمز، إذ بحسب بيانات «شركة أدنوك للغاز»، فإن أرباحها للربع الثاني من العام الحالي بلغت نحو 665 مليون دولار، متراجعةً بنحو 52% عن أرباح الفترة نفسها من العام الماضي، وهذا ما جعل الشركة تخفّض توقعات أرباحها من نحو 5.2 مليارات دولار في عام 2025، إلى نحو 3.5-4 مليارات دولار في عام 2026. لكن مع تعرّض بعض الناقلات أخيراً للاستهداف المباشر، فإن الأرقام السابقة تصبح عرضة للتعديل - في ضوء ارتفاع المخاطر - إلى مستوى يؤثّر فعلياً على كميات النفط والغاز المُصدَّرة عبر المضيق، فضلاً عن الكلف المالية الإضافية التي تتحمّلها الشركات والمنشآت بغية زيادة احتياطيات الأمن ومواجهة المخاطر وإصلاح الناقلات أو استبدالها.
خمسة قطاعات مقابل خمسة عوامل
تكاد تكون الإمارات هي الدولة الخليجية الوحيدة التي تزيد فيها مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلّي الإجمالي على نظيرتها من القطاع النفطي. لا بل إن نموّ ناتج الأول كان قبل الحرب في تسارع ملحوظ، حيث تُظهِر بيانات البنك المركزي أن معدّل نموّه وصل في العام الماضي إلى نحو 6.8%، في مقابل 4.3% لنظيره النفطي، وذلك عقب تعديل حصص «أوبك+».
ويتوقّع البنك، في تقريره الصادر في حزيران/ يونيو الماضي، أن يتراجع معدّل نموّ ناتج القطاع غير النفطي ليسجّل نحو 1.9%، متأثّراً بتراجع قطاع الخدمات اللوجستية، وخسائر قطاع السياحة والسفر الناجمة عن إلغاء الحجوزات الفندقية وتقّلص عدد رحلات الطيران من وإلى مطارات البلاد، وتراجع أو تباطؤ نشاط قطاع العقارات. فمثلاً، تُظهِر بعض التقديرات المتداولة أن مبيعات المنازل في إمارة دبي تراجعت، خلال الربع الثاني من هذا العام، بنحو 45%، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وأن مستويات التوظيف في البلاد انخفضت للمرة الأولى منذ أربع سنوات. هذا إضافة إلى الخسائر الأخرى غير المباشرة، والتي تشمل ارتفاع تكاليف التأمين والشحن والوقود، وتأجيل الاستثمارات، وزيادة الإنفاق الأمني، وفاتورة إعادة توجيه التجارة والنفط.
صحيح أن البيانات الرسمية الصادرة حديثاً تتحدّث عن زيادة قيمة التجارة غير النفطية خلال النصف الأول من العام الحالي، بنسبة 13% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، إلا أن ما تَقدّم، وعلى أهميته، لا يعكس حصانة كاملة لهذا القطاع في مواجهة تداعيات الحرب، إذ لا يمكن من ارتفاع القيمة وحده الاستنتاج أن الكميات المتداولة ارتفعت بالوتيرة نفسها، وذلك ما لم تتوافر بيانات تفصيلية عن الحجم والأسعار. فالارتفاع المُشار إليه قد يكون ناجماً أساساً عن تضخّم الأسعار وكلف الشحن والنقل والتأمين، وليس نتيجة زيادة الكمية. وممّا يعزّز هذه الفرضية، ما جاء في تقرير البنك المركزي المذكور آنفاً.
غير أن أكثر ما يقلق الحكومة الإماراتية، خلال الفترة القادمة، هو استعادة ثقة المستثمرين، والتي ستكون مرهونة بما ستؤول إليه الأوضاع في الخليج خصوصاً، والمنطقة عموماً. فالأثر النفسي السلبي للحرب الحالية في الأوساط الاستثمارية وأسواق المال لن يزول بسهولة. وإذا كانت الإمارات قد تمكّنت من تحييد نفسها عن الاضطرابات والنزاعات التي شهدتها المنطقة على مدار العقدَين الأخيرَين، فإنها اليوم تبدو في قلب هذه الاضطرابات، سواء بفعل موقعها الجغرافي أو بنية اقتصادها المكشوف بشكل واسع على الاقتصاد العالمي.
هذه هي قنوات الصدمة الرئيسة، أمّا ترجمتها الاقتصادية فتَظهر في خمسة قطاعات أساسية هي: الطيران والمطارات، السياحة والفنادق، النقل البحري والتجارة وإعادة التصدير، النفط والغاز، والعقارات والاستثمار وسوق العمل. وإذ حاولت الحكومة الإماراتية تقليص فاتورة تلك الخسائر أو التحكّم فيها، فهي استفادت في ذلك من خمسة مُتغيّرات أو إجراءات، هي: ارتفاع أسعار النفط، تحويل الصادرات إلى الفجيرة، زيادة الصادرات غير النفطية، الاحتياطيات المالية، وإعادة توجيه التجارة.