في 2026/02/13
طه العاني - الخليج أونلاين
تواجه الكويت تحدياً مالياً متجدداً مع اتساع فجوة العجز في موازنتها العامة، في ظل استمرار الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية مقابل نمو ملحوظ في بند المصروفات الجارية.
ويأتي ذلك في وقت تسعى فيه الدولة إلى الموازنة بين الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي وتمويل خططها التنموية طويلة الأجل.
ويعكس مشروع موازنة العام المالي 2026-2027 مرحلة انتقالية تحاول خلالها الكويت إعادة ضبط هيكلها المالي عبر تنشيط الإيرادات غير النفطية وتوجيه الإنفاق نحو الاستثمار والبنية التحتية، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية "كويت جديدة 2035".
اختلال هيكلي
وتشير مؤشرات الموازنة الجديدة إلى أن التحدي لا يرتبط فقط بتراجع الإيرادات، بل بطبيعة الهيكل المالي المعتمد تاريخياً على النفط والإنفاق الجاري المرتفع.
وقدّرت وزارة المالية الكويتية، في بيان نشرته على منصة "إكس" وأحالت بموجبه مشروع الموازنة إلى مجلس الوزراء في فبراير 2026، العجز المتوقع بنحو 9.8 مليارات دينار (32.12 مليار دولار)، بزيادة 54.7% مقارنة بموازنة العام المالي المنتهي في 31 مارس 2026.
وبلغت الإيرادات المتوقعة 16.3 مليار دينار (53.42 مليار دولار) مقابل مصروفات تُقدَّر بنحو 26.1 مليار دينار (84.8 مليار دولار)، ما يعكس استمرار الفجوة بين جانبي الموازنة.
وتشير التقديرات إلى أن 79% من الإيرادات ستأتي من النفط بقيمة 12.8 مليار دينار (41.6 مليار دولار)، بانخفاض قدره 10.5% عن الموازنة الحالية، استناداً إلى متوسط سعر نفط مقدّر عند 57 دولاراً للبرميل، في حين يبلغ سعر التعادل للموازنة نحو 90.5 دولاراً للبرميل، وهو ما يبرز حساسية المالية العامة لتقلبات الأسواق النفطية.
وفي المقابل، تستمر المصروفات الجارية في الضغط على الميزانية؛ إذ تستحوذ المرتبات والدعوم على نحو 19.8 مليار دينار (64.3 مليار دولار)، بما يعادل 76% من إجمالي الإنفاق، بينما قُدّرت المصروفات الرأسمالية عند 3.1 مليارات دينار (10.1 مليارات دولار)، وباقي المصروفات عند 3.2 مليارات دينار (10.4 مليارات دولار).
وعزت وزارة المالية نمو المصروفات إلى عدة عوامل، أبرزها زيادة مساهمة الخزانة العامة في التأمينات الاجتماعية بنحو 741.2 مليون دينار (2.4 مليار دولار)، إلى جانب ارتفاع النفقات الرأسمالية بنحو 826.2 مليون دينار (2.7 مليار دولار)، خُصص منها 318 مليون دينار (نحو 1.03 مليار دولار) لمشاريع البنية التحتية.
في حين قابل ذلك تراجع دعم الوقود والمنتجات المكررة بنحو 449 مليون دينار (1.46 مليار دولار) نتيجة انخفاض أسعار النفط عالمياً.
هيكلة الدعم
يرى الباحث الاقتصادي أدهم قضيماتي أن الكويت تعاني تأخراً ملحوظاً عن جيرانها في دول الخليج الذين بادروا منذ سنوات بالتحول نحو اقتصاد غير ريعي لا يعتمد كلياً على النفط.
ويوضح قضيماتي لـ"الخليج أونلاين"، أن تأخر طرح مشاريع إنتاجية حقيقية بعيدة عن الاستثمار العقاري التقليدي جعل البلاد تعتمد بشكل مفرط على الاستيراد، وهو ما يضع موازنتها تحت ضغط مستمر نتيجة تقلبات أسعار الطاقة العالمية.
ويؤكد أن الحكومة الكويتية بدأت تستشعر ضرورة التغيير، إلا أن وتيرة التحول الحالية لا تزال خجولة ولا تتناسب مع حجم الملاءة المالية والمكانة الاقتصادية للدولة.
ويشير إلى ضرورة تسريع عجلة الاستثمار في قطاع التصنيع والاستفادة القصوى من الصندوق السيادي الكويتي ليكون محركاً أساسياً في تطوير القطاعات غير النفطية وضمان استقرار الاقتصاد مستقبلاً.
ويلفت الباحث الاقتصادي إلى الحاجة الماسة إلى إعادة دراسة هيكلة الرواتب الحكومية ومنظومة الدعم التي تستنزف جزءاً كبيراً من الموازنة، مشدداً على أهمية البدء في هذه الإصلاحات بشكل عاجل.
ويردف أن نجاح هذه الخطوة يعتمد على سرعة المبادرة الحكومية ومدى استجابة المواطنين للتحول نحو نموذج اقتصادي جديد يقلل من الأعباء المالية المتراكمة على الدولة.
ويعتقد قضيماتي أن الخطط الحالية لتقليص الاعتماد على النفط غير كافية، داعياً إلى الاستفادة من تجارب دول الجوار، كالسعودية والإمارات، في الاستثمار بقطاعات التكنولوجيا والصناعات المتقدمة وتوطينها.
ويرى أن الكويت مطالبة اليوم بفتح آفاق للمصانع والمشاريع الكبرى وتطوير بنية تحتية صناعية متكاملة تتجاوز النطاق العقاري لتواكب متطلبات التنوع الاقتصادي.
ويخلص الباحث إلى أن الإصلاح الاقتصادي في الكويت يجب أن يسير في خطين متوازيين؛ يبدأ الأول بضبط الإنفاق العام الحكومي وترشيده، بينما يركز الثاني على تسريع وتيرة التصنيع وتنمية مصادر الدخل.
وينوّه إلى أن هذه المرحلة تتطلب رؤية استراتيجية شاملة لإعادة تجهيز البنية التحتية لتكون بيئة جاذبة للاستثمار الصناعي والتقني، بعيداً عن تقلبات أسواق الطاقة.
مسار المعالجة
وفي مواجهة هذا العجز، تتجه الكويت إلى تبنّي مزيج من السياسات المالية والتنموية يركز على تنويع الإيرادات وتحفيز النمو الاقتصادي لخفض الاعتماد على النفط تدريجياً.
تتوقع الموازنة تحقيق إيرادات غير نفطية بنحو 3.5 مليار دينار (11.4 مليار دولار)، بما يمثل 21% من إجمالي الإيرادات، وبزيادة تقارب 19.6% على أساس سنوي، في مؤشر على توسّع القاعدة الإيرادية للدولة.
وفي هذا السياق، قال نائب الرئيس المساعد في الشركة الكويتية للاستثمار فوزي الظفيري، لقناة "العربية"، في 11 فبراير 2026، إن نمو الإيرادات غير النفطية بنحو 20% يعكس استمرار مسار تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، مشيراً إلى أن عدداً من القطاعات مرشح للاستفادة من زيادة الإنفاق الرأسمالي.
وتستند هذه التوجهات إلى تنفيذ مشروعات مدرجة ضمن خطة التنمية السنوية 2025-2026، التي تركز على تطوير البنية التحتية وتحفيز الاقتصاد غير النفطي، بالتوازي مع مستهدفات رؤية "كويت جديدة 2035" الرامية إلى خلق بيئة استثمارية جاذبة وتحويل الاقتصاد إلى نموذج أكثر استدامة.
كما تتضمن الموازنة استحداث 14.518 وظيفة في إطار دعم النشاط الاقتصادي وتحفيز سوق العمل، إلى جانب توجيه إنفاق رأسمالي إضافي لمشروعات البنية التحتية والصحة والدفاع، بهدف تعزيز النشاط الاقتصادي وتوليد عوائد مستدامة مستقبلاً.
وبينما يبدأ العام المالي الجديد في 1 أبريل 2026 وينتهي في 31 مارس 2027، تؤكد وزارة المالية أن مشروع الموازنة يسعى إلى تحقيق توازن بين الاستمرار في الإنفاق الاستثماري الضروري وإدارة العجز المالي ضمن مسار إصلاحي تدريجي.
لكن يبقى نجاح هذا المسار مرهوناً بقدرة الدولة على كبح نمو المصروفات الجارية، في بيئة نفطية غير مضمونة.