في 2026/04/01
عبدالله جابر - الخليج أونلاين
لم يعد استهداف منشآت الطاقة في الخليج مجرد خبر عابر في نشرات الاقتصاد أو السياسة، بل تحول إلى عامل ضغط مباشر على أكثر الصناعات تقدماً في العالم، وتحديداً صناعة أشباه الموصلات والقطاع الطبي.
فالضربات التي طالت منشآت الغاز في قطر، وتحديداً مرافق إنتاج "الهيليوم" في مدينة رأس لفان، كشفت عن هشاشة عميقة في سلاسل الإمداد العالمية، وربطت بين مسرح الحرب في الخليج ومصانع الرقائق في شرق آسيا وأوروبا.
ومع إعلان شركة "قطر للطاقة" حالة القوة القاهرة بعد استهداف منشآتها، توقفت خطوط إنتاج "الهيليوم"، وهو غاز حيوي يدخل في صلب الصناعات التكنولوجية والطبية، ما تسبب بصدمة في الأسواق العالمية، وارتفعت الأسعار وتعطلت سلاسل التوريد.
ويكتسب هذا الحدث أهمية مضاعفة بالنظر إلى موقع قطر في سوق "الهيليوم" العالمي، إذ تشير تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى أن الدوحة كانت توفر ما بين 30% إلى 33% من الإمدادات العالمية قبل الحرب، ما يجعلها ثاني أكبر منتج بعد الولايات المتحدة.
ومع تزامن ذلك مع تعطّل الملاحة في مضيق هرمز، المنفذ البحري الرئيسي لتصدير هذا الغاز، دخلت الأزمة مرحلة أكثر تعقيداً، حيث لم يعد التحدي في الإنتاج فقط، بل في القدرة على إيصال الإمدادات إلى الأسواق العالمية.
أزمة حرجة
شكّل استهداف منشآت الغاز و"الهيليوم" في قطر نقطة تحول مفصلية في مسار الحرب، إذ انتقل التأثير من نطاق الطاقة التقليدية إلى قلب الصناعات التكنولوجية المتقدمة.
فبحسب تقرير "تيك فويس عربية"، أدى القصف الذي استهدف مدينة رأس لفان الصناعية إلى أضرار وُصفت بـ"واسعة النطاق"، ما تسبب في خفض الصادرات السنوية من "الهيليوم"، بنسبة 14% على الأقل.
هذا التراجع لم يكن مجرد رقم، بل انعكس مباشرة على الأسواق، حيث قفزت الأسعار بشكل حاد، ووفق تقديرات "بنك أوف أمريكا"، ارتفعت الأسعار الفورية لـ"الهيليوم" بنسبة 40% خلال أسبوع واحد، فيما أشار محللو "شركة أكاب للطاقة" إلى احتمال تضاعفها أربع مرات لتصل إلى 2000 دولار لكل ألف قدم مكعب.
وتتضاعف خطورة هذا الوضع مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً، حيث تمر نسبة كبيرة من صادرات الطاقة والغاز، ما يهدد بتعطيل ما يصل إلى 27% من إمدادات "الهيليوم" العالمية، وفق تقديرات مؤسسة "كورنبلوث للاستشارات المتخصصة في الهيليوم".
وقال المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر، في تصريح لـ"الخليج أونلاين"، إن ما نشهده حالياً يمثل تحولاً نوعياً في طبيعة التأثيرات الاقتصادية للحرب، لأن استهداف منشآت الهيليوم في قطر نقل الأزمة من نطاق الطاقة التقليدية إلى قلب الاقتصاد الصناعي والتكنولوجي العالمي.
وأضاف: "نحن لم نعد أمام صدمة أسعار نفط أو غاز فقط، بل أمام صدمة في سلاسل الإمداد الدقيقة، التي تقوم عليها صناعات استراتيجية مثل أشباه الموصلات والقطاع الطبي، وهذه نقطة مفصلية لأن هذه القطاعات لا تملك بدائل سهلة أو سريعة، وأي خلل فيها ينعكس مباشرة على الإنتاج العالمي".
غاز استراتيجي
ورغم بساطة "الهيليوم" كعنصر كيميائي، يُعد أحد أعمدة الاقتصاد التكنولوجي الحديث، فبحسب تقارير شبكة "سي إن بي سي" ووكالة "أسوشييتد برس"، يُستخدم هذا الغاز في تبريد معدات تصنيع الرقائق الإلكترونية، خاصة في عمليات الطباعة الضوئية الدقيقة، التي تُعد قلب صناعة أشباه الموصلات.
كما يوفر "الهيليوم" بيئة خاملة تمنع التفاعلات الكيميائية الضارة أثناء تصنيع الشرائح، ما يجعله عنصراً لا يمكن الاستغناء عنه في خطوط الإنتاج عالية الدقة، وتزداد أهميته في ظل عدم وجود بدائل عملية قادرة على أداء نفس الوظائف بكفاءة مماثلة.
ولا يقتصر استخدامه على الرقائق، بل يمتد إلى قطاعات أخرى، حيث يُستخدم في تبريد الألياف البصرية أثناء تصنيعها، وفي الأقراص الصلبة لزيادة كفاءة التخزين، إضافة إلى دوره في الصناعات الفضائية، حيث يدخل في أنظمة دفع الوقود في الصواريخ، كما في برامج "ناسا" و"سبيس إكس".
وبهذا المعنى فإن أي اضطراب في إمدادات "الهيليوم" لا يهدد قطاعاً واحداً، بل يضرب بنية صناعية متشابكة، ويزداد الأمر خطورة، كلما استمرت الحرب، وتأثر المخزون الاستراتيجي من هذا الغاز الهام.
ووفق تقديرات صحيفة "فايننشيال تايمز" البريطانية، فإن مخزون "الهيليوم" لن يدوم لأكثر من 6 أشهر في كوريا الجنوبية و3 أشهر في تايوان.
القطاع الطبي
من بين أخطر تداعيات أزمة "الهيليوم" تأثيرها على القطاع الصحي، وتحديداً أجهزة الرنين المغناطيسي "MRI"، التي تعتمد اعتماداً كاملاً على "الهيليوم" السائل.
ووفق خبراء في المجال الطبي، يُستخدم هذا الغاز لتبريد المغناطيسات العملاقة داخل هذه الأجهزة إلى درجات قريبة من الصفر المطلق، ما يسمح بتوليد صور دقيقة للجسم البشري.
وفي هذا السياق حذّر الطبيب وعالم الفيروسات الأمريكي مارك جونسون من تداعيات الأزمة قائلاً: "آمل ألا يحتاج أحد إلى تصوير بالرنين المغناطيسي هذا العام"، في إشارة إلى أن الإمدادات العالمية من الهيليوم قد تتقلص إلى النصف.
وأضاف في تدوينة على منصة "إكس" لاقت تفاعلاً ضخماً: "أكبر منتج للهيليوم المسال في العالم يقع في قطر، وقد توقف إنتاجه، تلقينا للتو إشعاراً بأن إمداداتنا لهذا العام ستنخفض إلى النصف على الأقل".
ويعكس هذا التصريح حجم الترابط بين الطاقة والصحة، حيث يمكن لضربة عسكرية في منشأة غاز أن تؤثر مباشرة على قدرة المستشفيات حول العالم على تقديم خدمات تشخيصية أساسية.
كما أن نقص الهيليوم قد يدفع المستشفيات إلى تقنين استخدام أجهزة الرنين، أو تأجيل بعض الفحوصات، ما يفتح الباب أمام أزمة صحية موازية للأزمة الصناعية.
سلاسل متشابكة
تأثير استهداف قطر لم يقتصر على نقص الهيليوم، بل امتد إلى تعطيل منظومة أوسع من سلاسل التوريد المرتبطة بصناعة الرقائق. فبحسب تقرير نشرته صحيفة "فايننشال تايمز"، تعتمد مصانع أشباه الموصلات في كوريا الجنوبية وتايوان اعتماداً كبيراً على واردات الهيليوم من الخليج، حيث تستورد سيول نحو 65% من احتياجاتها من قطر.
ويضع هذا الوضع شركات عملاقة مثل "سامسونغ" و"إس كيه هاينكس" الكوريتين، في مواجهة مباشرة مع أزمة الإمدادات، خاصة في ظل تراجع المخزونات التي يُتوقع أن تنفد خلال أشهر، وفق تقديرات المؤسسات البحثية.
ولا تتوقف الأزمة عند "الهيليوم"، بل تمتد إلى نقص الغاز الطبيعي المستخدم في تشغيل المصانع، إضافة إلى مواد كيميائية مثل "الكبريت" و"البروم"، التي تُنقل عبر مضيق هرمز، ما يجعل إغلاقه عاملاً مضاعفاً للأزمة.
ويؤكد تقرير "كارنيغي للسلام الدولي" أن النفط والغاز يشكلان أكثر من 56% من مصادر الطاقة في كوريا الجنوبية، ما يعني أن أي اضطراب في الإمدادات الخليجية سينعكس مباشرة على قدرة المصانع على الإنتاج.
ويقول أبو قمر لـ"الخليج أونلاين": "الهيليوم تحديداً مثال واضح على ذلك، فهو ليس مجرد مادة خام، بل عنصر حيوي في عمليات تصنيع الرقائق الإلكترونية، وفي تشغيل أجهزة الرنين المغناطيسي، وفي صناعات فضائية متقدمة، وبالتالي فإن توقف إنتاجه أو تعطل تصديره لا يؤدي فقط إلى ارتفاع الأسعار، بل إلى تعطيل فعلي في سلاسل الإنتاج".
وأشار إلى أن "هذه الأزمة تكشف هشاشة النموذج الاقتصادي العالمي القائم على الكفاءة القصوى، حيث جرى تقليل التكاليف إلى الحد الأدنى دون بناء هوامش أمان كافية لمواجهة الصدمات الجيوسياسية، وهو ما يفسر سرعة انتقال التأثير من منشأة في الخليج إلى مصانع في آسيا وأوروبا".
خسائر متصاعدة
تنعكس هذه الأزمة مباشرة على الشركات العالمية، حيث تواجه ضغوطاً مزدوجة تتمثل في ارتفاع تكاليف الإنتاج وانخفاض الطلب.
ووفق تقرير "IDC"، من المتوقع أن تنخفض شحنات الهواتف الذكية عالمياً بنسبة 12.9% خلال 2026، فيما سيرتفع متوسط سعر البيع بنسبة 14% ليصل إلى 523 دولاراً.
كما تشير البيانات إلى ارتفاع أسعار مكونات الذاكرة بنسبة تتراوح بين 200% و300%، نتيجة الطلب المتزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع نقص الإمدادات.
وتواجه شركات مثل "سامسونغ" و"إس كيه هاينكس" تحدياً مزدوجاً، إذ تضطر إلى دفع تكاليف أعلى للحصول على الهيليوم، في وقت تتراجع فيه الإيرادات بسبب انخفاض المبيعات.
في المقابل قد تستفيد شركات الغاز مثل "لينده" و"إير برودكتس" من ارتفاع الأسعار، وفق محللي بنك "أوف أمريكا"، إلا أن هذه المكاسب تظل مرتبطة بمدة الأزمة واستمرار الانقطاع.
وأوضح المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن "إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز يضيف طبقة إضافية من التعقيد، لأن الأزمة لم تعد فقط في الإنتاج، بل أيضاً في القدرة على إيصال الإمدادات، ما يضاعف من حدة الاختناقات في السوق".
وبيّن أنه "إذا استمرت هذه الظروف، فمن المرجح أن نشهد تحولات هيكلية في الاقتصاد العالمي، تبدأ بإعادة تقييم سلاسل الإمداد، وتنويع مصادر التوريد، وصولاً إلى إعادة توطين بعض الصناعات الحساسة في مناطق أكثر استقراراً سياسياً".
وختم بالقول: "نحن أمام معادلة جديدة لم تعد فيها الجغرافيا السياسية عاملاً خارجياً، بل أصبحت جزءاً أساسياً من تكلفة الإنتاج ومن قرارات الاستثمار، وما يحدث اليوم يعيد تعريف مفهوم الأمن الاقتصادي، حيث لم تعد الموارد التقليدية وحدها العامل الحاسم، بل أيضاً الموارد الدقيقة مثل الهيليوم".