في 2025/04/03
طه العاني - الخليج أونلاين
يشهد القطاع المصرفي في دول مجلس التعاون الخليجي تحولات جوهرية مدفوعة بالجهود المستمرة للتنويع الاقتصادي والإصلاحات المالية التي تهدف إلى تحقيق نمو مستدام.
ومع استمرار الدول الخليجية في تنفيذ مشاريع البنية التحتية الكبرى وتعزيز استثماراتها في القطاعات غير النفطية، تبقى المصارف الخليجية في وضع قوي للاستفادة من هذه التوجهات.
وتكشف التوقعات أن البيئة الاقتصادية والمالية في المنطقة ستوفر دعماً إضافياً لهذا القطاع خلال عام 2025، مدعومة بارتفاع مستويات رأس المال، وسياسات نقدية متوازنة، وتحسن الظروف التمويلية.
قوة مصرفية متنامية
وكشفت شركة "إرنست ويونغ (EY) "بشأن الخدمات المصرفية في دول مجلس التعاون الخليجي لعام 2024 أن القطاع المصرفي في المنطقة يواصل الحفاظ على قوته بفضل المستويات العالية لرأس المال، مما يدعم أداءه العام في 2025.
وأوضحت منصة "زاوية"، المختصة بنشر التحليلات من الأسواق الإقليمية والعالمية -مقرها لندن-، في 19 مارس الجاري، بأن تقرير "إرنست ويونغ"، اعتبر تنفيذ مشاريع التحول الاقتصادي في المملكة العربية السعودية، والتوسع في إنتاج الغاز في قطر، والنمو المتسارع للقطاعات غير النفطية في الإمارات والبحرين، إلى جانب استثمارات البنية التحتية في الكويت وعمان، تشكل عوامل رئيسية في تعزيز استقرار البنوك الخليجية.
وتلعب رؤية السعودية 2030 دوراً محورياً في توجيه القطاع المصرفي نحو تحقيق نمو قوي، حيث شهدت البنوك السعودية توسعاً ملحوظاً في الإقراض بفضل المشاريع الضخمة الجاري تنفيذها، والتي توفر فرصاً كبيرة للتمويل والاستثمار.
كما تستفيد مصارف المملكة من الاستقرار المالي ودعم السياسات الحكومية، مما يعزز قدرتها على التوسع محلياً وعالمياً.
ويواصل القطاع المصرفي في قطر الاستفادة من التوسع المستمر في إنتاج الغاز الطبيعي المسال، والذي يوفر دعماً قوياً لاقتصاد الدولة.
كما يتمتع النظام المصرفي القطري بربحية مرتفعة ومستويات كافية من رأس المال، مما يمكنه من تمويل المشاريع الكبرى داخل الدولة.
وتعزز الإمارات أداء قطاعها المصرفي من خلال التركيز على الاقتصاد غير النفطي، مدعوماً بالاستثمارات في التكنولوجيا والخدمات المالية المتقدمة.
وتتمتع البنوك الإماراتية بسيولة قوية وسياسات نقدية متوازنة، مما يسهم في دعم نمو الإقراض وتوسيع قاعدة العملاء.
كما حقق القطاع المصرفي في الكويت نمواً جيداً، مدفوعاً بالاستقرار المالي والسياسات الداعمة للاستثمار، وتواصل البنوك الكويتية تعزيز مراكزها من خلال الاستفادة من رؤوس الأموال القوية وتوسع الأنشطة التمويلية.
وتدعم البحرين قطاعها المصرفي من خلال تحديث مصافي النفط وتشجيع الاستثمار الخاص، مما يسهم في تحفيز الإقراض ونمو الأنشطة المصرفية، كما تستفيد البنوك البحرينية من بيئة تنظيمية مرنة تدعم الابتكار المالي.
وسجّل القطاع المصرفي في عمان نمواً متزايداً، مدعوماً بمبادرات رؤية عمان 2040 التي تهدف إلى توسيع قاعدة الاقتصاد غير النفطي، وتوفر هذه التحولات فرصاً للبنوك العمانية لتعزيز أنشطتها التمويلية ودعم المشاريع التنموية.
نمو رغم التحديات
ويقول المحلل الاقتصادي سعيد خليل العبسي، إن القطاع المصرفي الخليجي يشهد نمواً مستمراً ومتانة ملحوظة، حيث سجلت أصوله وودائعه مستويات قياسية في النصف الأول من عام 2024، مبيناً أن هذا النمو يعكس قوة القطاع المصرفي في دول مجلس التعاون الخليجي.
ويشير في حديثه مع "الخليج أونلاين" إلى أن القطاع المصرفي يواجه تحديات عديدة، منها الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات، مما يعرضه لتقلبات أسعار النفط، وارتفاع معدلات التضخم وأسعار الفائدة، مما يؤثر على قدرة الأفراد والشركات على الاقتراض والسداد.
ويؤكد العبسي بأن المصارف الخليجية تحتاج إلى تبني استراتيجيات مرنة تشمل تعزيز الرقمنة والاستثمار في الأمن السيبراني وتنويع مصادر الدخل.
ويشير إلى أن تقرير "إرنست ويونغ" يعكس واقع القطاع المصرفي الخليجي، الذي يتميز باستمرار قوة رأس المال وتواصل نموه نتيجة التوسع في مشاريع الغاز في قطر وتنفيذ مشاريع التحول الاقتصادي في السعودية ونمو الاقتصاد غير النفطي في مختلف الدول الخليجية.
ويتوقع العبسي أن يشهد القطاع المصرفي الخليجي نمواً إيجابياً في عام 2025، مدعوماً بالاقتصادات المرنة وجهود التنويع الاقتصادي والسياسات التمكينية التي ستساهم في دعم مستويات أعلى للاستهلاك والاستثمار.
ويردف: القطاع المصرفي الخليجي ساهم بشكل غير مسبوق في مختلف نواحي الحياة الاقتصادية في دول الخليج، خاصة في قطاع الإنشاءات والعقار والبنى التحتية.
ويعتقد العبسي أن يستمر هذا المسار الإيجابي مدعوماً بارتفاع أحجام الإقراض وزيادة الدخل من الرسوم واستقرار الهوامش والإدارة الفعالة للتكاليف.
ويلفت إلى ضرورة توسع المصارف الخليجية في تقديم الائتمان لقطاع الصناعة والخدمات، بهدف تأمين الاحتياجات من خلال الإنتاج المحلي وتخفيض نسبة الاستيراد والاعتماد على الخارج، لما لذلك من فوائد في توطين التكنولوجيا وتشغيل الأيدي العاملة المحلية.
عوامل دعم المصارف الخليجية
ويستند القطاع المصرفي في دول مجلس التعاون الخليجي على أسس اقتصادية قوية، مدعومة بالتحولات التنموية والتوسع في المشاريع الكبرى، ويشكل استقرار أسعار النفط، إلى جانب السياسات المالية المتوازنة، عاملاً رئيسياً في تعزيز مرونة النظام المصرفي خلال السنوات المقبلة.
وفي هذا السياق، يشير تقرير "إرنست ويونغ " إلى مجموعة من العوامل التي تدعم أداء البنوك الخليجية وتفتح المجال أمام مزيد من التوسع والنمو، وفي مقدّمتها توقعات بقاء متوسط سعر خام برنت أعلى من 74 دولاراً للبرميل بين عامي 2025 و2027، مما يسهم في دعم الاستدامة المالية للقطاع المصرفي.
وتستند توقعات النمو الائتماني في معظم دول الخليج إلى زخم قوي في المشاريع، مدعوماً بمنح عقود ضخمة في البنية التحتية، خاصة في السعودية والإمارات، وهو ما يعزز المسار الإيجابي للقطاع المصرفي خلال السنوات المقبلة.
وفيما يخص العوامل التي تدعم أداء البنوك الخليجية، يشير التقرير إلى ارتفاع أحجام الإقراض، وزيادة الإيرادات من الرسوم المصرفية، واستقرار الهوامش، إلى جانب الإدارة الفعالة للتكاليف.
ومع توجه تكلفة الإقراض إلى مستويات أكثر استدامة، فإن دول الخليج قد تتجه إلى توسيع استثماراتها عالمياً، مستفيدة من بيئة مالية أكثر استقرارا.
من جهته، صرح مايور باو، رئيس الخدمات المالية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لدى "EY"، قائلاً: "مع اقتراب نهاية الربع الأول من عام 2025، يواصل القطاع المصرفي في دول مجلس التعاون الخليجي إظهار قوته، مستفيداً من احتياطيات رأسمالية كبيرة، وجودة أصول متينة، وربحية مستقرة، كما أن التوجهات الاقتصادية المرنة، وجهود التنويع الاقتصادي، والسياسات التمكينية تدعم مستويات أعلى من الاستهلاك والاستثمار، مما يسهم في تحسين أداء القطاع بشكل ملحوظ".
وأضاف باو، أن السنة المالية المقبلة ستكون مرحلة تحوّل مهمة للقطاع المصرفي، مدفوعة بالتقدم التكنولوجي، وتغير سلوك المستهلكين، والتعديلات التنظيمية التي ستسهم في إعادة تشكيل مستقبل الصناعة المصرفية في المنطقة.
وتجدر الإشارة إلى أن وكالة "موديز" عدّلت في 27 فبراير الماضي، نظرتها المستقبلية للقطاع المصرفي في دول الخليج وفقاً لمتغيرات اقتصادية وتمويلية مختلفة، حيث خفضت التقييمات في السعودية والإمارات من "إيجابية" إلى "مستقرة"، بينما رفعتها لعُمان من "مستقرة" إلى "إيجابية"، مع بقاء التصنيفات في الكويت وقطر والبحرين دون تغيير.
وتعكس هذه التعديلات توقعات الوكالة بشأن تحديات التمويل، وتأثيرات الضرائب، وتحولات البيئة التشغيلية، لا سيما في ظل استمرار التركيز على النمو غير النفطي وجهود التنويع الاقتصادي في المنطقة.