في 2026/03/03
سلمى حداد - الخليج أونلاين
تتجه أنظار أسواق الطاقة والمال العالمية نحو الشرق الأوسط مع بدء الهجمات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، وسط مخاوف متنامية من أن يؤدي التصعيد العسكري إلى هزّ استقرار الاقتصاد العالمي.
وتراجعت مؤشرات البورصات في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان ومنطقة الخليج مع تصاعد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وسط مخاوف من تداعياتها على أسواق الطاقة وحركة الملاحة.
وذكرت وكالة بلومبيرغ الاقتصادية الأمريكية أن العقود الآجلة لمؤشر "ستاندرد آند بورز 500" انخفضت بنسبة 1.5%، بينما تراجع مؤشر "ناسداك" بنسبة 1.9%.
وسادت الأسواق حالة من القلق بشأن إمدادات النفط، إذ تجاوز سعر الخام 82 دولارًا للبرميل خلال تعاملات الاثنين، مع تصاعد المخاوف بشأن الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية ونسبة كبيرة من شحنات الغاز الطبيعي المسال.
في أوروبا، انخفض مؤشر "ستوكس 600" بنسبة 1.8% ليسجل أدنى مستوى له منذ منتصف فبراير في التعاملات الصباحية، بعد أن كان قد سجل مستوى قياسياً يوم الجمعة. وتراجعت معظم القطاعات، في حين خالفت أسهم الطاقة والدفاع الاتجاه الصاعد.
وقفزت أسهم شركات الطاقة الكبرى مثل "شل" و"بي بي" و"توتال إنرجيز" بأكثر من 5% لكل منها، مستفيدة من صعود أسعار النفط بنحو 13% في ظل اضطرابات الشحن عبر مضيق هرمز نتيجة الرد الإيراني على الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية. كما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بنسبة وصلت إلى 25% بسبب المخاطر التي تهدد تدفقاته، بحسب بلومبيرغ.
وأشارت صحيفة "وول ستريت جورنال" إلى أن الحرب في إيران والمخاوف من ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز زادت الضغوط على أسواق المال، في وقت تتصاعد فيه المخاوف أيضاً بشأن احتمال تشكّل فقاعة في قطاع الذكاء الاصطناعي بعد ضخ شركات التكنولوجيا استثمارات ضخمة فيه.
تحذيرات خليجية
وكانت تقارير صحفية سابقة، بينها تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال"، نشر في 13 يناير الماضي، قد أفادت بأن مسؤولين خليجيين نقلوا قلقهم من أن أي مواجهة عسكرية قد لا تبقى محصورة بين واشنطن وطهران، بل قد تمتد لتشمل منشآت نفطية وممرات شحن حيوية في الخليج، ما يضع اقتصادات المنطقة أمام مخاطر مباشرة.
ومع اندلاع الحرب باتت التحذيرات الخليجية واقعاً والنفط أصبح الحلقة الأضعف في ظل موجة الصراع الحالي خاصة مع تزايد الهجمات الإيرانية ضد ناقلات النفط في مياه الخليج ومضيق هرمز.
ووفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، فإنه يمر عبر مضيق هرمز نحو 16.5 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يعادل قرابة ربع النفط المنقول بحراً في العالم، من ضمنها صادرات رئيسية من السعودية والعراق والإمارات وقطر.
ورغم امتلاك السعودية والإمارات خطوط أنابيب بديلة تتيح تجاوزاً جزئياً لمضيق هرمز، فإن هذه البدائل لا تكفي لتعويض إغلاق شامل أو طويل الأمد، خصوصاً فيما يتعلق بالغاز الطبيعي المسال الذي تعتمد فيه قطر بشكل شبه كامل على المرور البحري.
ما وزن إيران بسوق النفط؟
وتشير بيانات منظمة "أوبك" لشهر ديسمبر الماضي، إلى أن إيران تنتج نحو 3.3 ملايين برميل من النفط يومياً، ما يمثل قرابة 3% من الإمدادات العالمية.
غير أن تأثير إيران في السوق لا ينبع من حجم إنتاجها فحسب، بل من موقعها الجغرافي وقدرتها المحتملة على التأثير في حركة الشحن.
وتعتمد إيران حالياً بشكل شبه كامل على الصين، التي تستحوذ على نحو 90% من صادراتها النفطية، والتي تُباع بخصومات كبيرة عبر شبكات غير رسمية وناقلات قديمة فيما يُعرف بـ"أسطول الظل"، وفق تقرير لشبكة "سي إن بي سي" الأمريكية.
وتظهر أحدث بيانات شركة "كلبر" لتحليل الشحن أن شحنات النفط الإيراني إلى الصين بلغت، في أواخر ديسمبر الماضي، أعلى مستوى لها في نحو عامين ونصف، ما يزيد من حساسية السوق لأي اضطراب مفاجئ.
التداعيات العالمية
وحسب تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي، في 13 يناير الماضي، فإن أي ارتفاع حاد في أسعار الطاقة قد يعيد إشعال موجة تضخمية عالمية، ويقوّض الجهود التي تبذلها البنوك المركزية الكبرى لكبح الأسعار دون دفع الاقتصادات نحو الركود.
وأضاف الصندوق أن الاقتصادات المستوردة للطاقة في آسيا وأوروبا ستكون الأكثر تضرراً، في وقت تواجه فيه الصين تباطؤاً اقتصادياً، وتكافح فيه الدول الأوروبية آثار ارتفاع تكاليف الطاقة منذ الحرب في أوكرانيا.
وإعلان واشنطن فرض رسوم جمركية جديدة بنسبة 25% على الدول التي "تتعامل تجارياً" مع إيران يضيف طبقة إضافية من المخاطر، إذ قد يدفع شركات ودولاً إلى إعادة توجيه تجارتها، أو تقليص التعامل مع طهران، ما يشدد الإمدادات النفطية العالمية.
أين يكمن الخطر؟
بهذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي منير سيف الدين أن السيناريو الأكثر خطورة في الحرب الحالية لا يكمن فقط في ارتفاع أسعار النفط، بل في تغيّر هيكلي مؤقت في سلوك الأسواق العالمية، قد يعيد الاقتصاد الدولي إلى نمط إدارة الأزمات بدل النمو.
ويشير سيف الدين إلى أن التجارب السابقة تظهر أن كل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في سعر برميل النفط يؤدي إلى زيادة تتراوح بين 0.3 و0.5 نقطة مئوية في معدلات التضخم العالمية خلال فترة تتراوح بين 6 و12 شهراً، وفق تقديرات بنوك استثمار دولية.
وفي حال قفزت الأسعار إلى نطاق 90–100 دولار للبرميل، فإن ذلك سيقوض مسار خفض التضخم الذي بدأت ملامحه بالظهور في الاقتصادات المتقدمة.
من زاوية خليجية، يوضح سيف الدين أن المكاسب المالية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط ستكون محدودة زمنياً، إذ قد تشهد الدول المصدّرة زيادة فورية في الإيرادات الحكومية، لكن هذه الزيادة ستقابلها تكاليف أعلى في مجالات الشحن، والتأمين، وسلاسل الإمداد، إضافة إلى تراجع محتمل في الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تعد عنصراً أساسياً في خطط التنويع الاقتصادي في السعودية والإمارات وقطر.
وعلى مستوى التجارة العالمية، حذر سيف الدين من أن استمرار تعطل مضيق هرمز سيؤدي إلى مزيد من الارتفاع في أجور الشحن البحري وأقساط التأمين، ما ينعكس فوراً على أسعار السلع الأساسية، بدءاً من الطاقة وصولاً إلى الغذاء والسلع المصنعة.
ويشير إلى أن ارتفاع أجور نقل ناقلة نفط عملاقة قد يصل إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف في فترات التوتر الحاد، كما حدث في أزمات سابقة شهدتها المنطقة.
أما بالنسبة للاقتصاد العالمي، فيؤكد سيف الدين لـ"الخليج أونلاين" أن الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما في آسيا وأوروبا، ستكون الأكثر تضرراً، إذ ستواجه ضغوطاً مزدوجة من ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع القدرة الشرائية، ما قد يؤدي إلى تباطؤ النمو أو حتى ركود اقتصادي في بعض الاقتصادات.
ويرى أن الصين، التي تستورد الجزء الأكبر من النفط الإيراني، قد تضطر إلى البحث عن بدائل أعلى كلفة، ما يزيد الضغط على قطاعها الصناعي في وقت تعاني فيه من تباطؤ اقتصادي ملحوظ.
ويوضح أن فرض الولايات المتحدة رسوماً جمركية إضافية على الدول التي تتعامل تجارياً مع إيران سيزيد من تشظي النظام التجاري العالمي، ويدفع بعض الدول والشركات إلى استخدام قنوات غير رسمية أو إعادة هيكلة سلاسل التوريد، وهو ما يرفع كلفة التجارة العالمية ويزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق.
ويخلص سيف الدين إلى أن أخطر ما في سيناريو الحرب ليس الصدمة الأولى، بل تراكم الصدمات؛ إذ قد يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى تضخم، يليه تشديد نقدي، ثم تباطؤ اقتصادي، ما يخلق حلقة سلبية يصعب كسرها بسرعة.