في 2026/04/13
سلمى حداد - الخليج أونلاين
رغم إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هدنة مؤقتة في الصراع الإسرائيلي-الأمريكي مع إيران يوم الأربعاء الماضي (8 أبريل)، وتراجع أسعار النفط بسرعة ملحوظة في الأسواق المالية، لا يزال التعافي الاقتصادي الحقيقي في دول الخليج يسير بخطى بطيئة ومتعثرة إلى حد بعيد.
وهذا التباين يجسد ظاهرة "الصاروخ والريشة" الاقتصادية الكلاسيكية، حيث ترتفع الأسعار والتكاليف فوراً وبقوة مثل إطلاق الصاروخ تحت وطأة التوترات الجيوسياسية والخوف من انقطاع الإمدادات، بينما تنخفض ببطء شديد مثل سقوط الريشة في الهواء بعد زوال الضغوط المباشرة.
في منطقة الخليج، التي تتشابك اقتصاداتها مع أسواق الطاقة العالمية وتعتمد بشكل متزايد على قطاعات غير نفطية حساسة للغاية للتقلبات مثل الطيران واللوجستيات والسياحة والخدمات، تتحول هذه الظاهرة من مجرد ملاحظة نظرية إلى تحدٍّ هيكلي عميق يطيل أمد الضغوط على الإنتاج والمستهلكين والنمو الاقتصادي ككل، والنتيجة أن الهدنة، رغم أهميتها السياسية، لا تعني بعد تعافياً اقتصادياً كاملاً أو سريعاً.
أسواق النفط
وبدأت الأسواق المالية تسعير انحسار التوترات بسرعة، كما هو متوقع في مثل هذه الحالات، ووفقاً لتقرير نشرته وكالة "رويترز"، في 10 أبريل 2026، تراجعت أسعار خام برنت من مستويات الذروة التي تجاوزت 110 دولارات للبرميل خلال أيام القتال الشديدة إلى نحو 95.92 دولاراً للبرميل في تعاملات ذلك اليوم.
وهذا التراجع السريع لم يكن مدفوعاً بتحسن فعلي وملموس في الإمدادات الفعلية، بل كان رهناً بشكل أساسي بتوقعات المستثمرين بانحسار ما يُعرف بـ"علاوة الخوف" التي يدفعها المشترون لتأمين التوريدات المستقبلية.
لكن الواقع التشغيلي على الأرض يروي قصة مختلفة تماماً، فتدفقات النفط عبر مضيق هرمز – الذي يمر عبره نحو 20% من الإمدادات العالمية – لا تزال دون مستوياتها الطبيعية بشكل ملحوظ، ما يكشف عن حقيقة الفجوة بين حركة الأسعار في البورصات وبين الواقع الفعلي لسلاسل الإمداد تُعد من أبرز سمات الصدمات الجيوسياسية.
وفي دول الخليج العربي، لم تكن الأزمة مجرد تقلب سعري عابر أو مؤقت، بل تحولت إلى صدمة مركبة وضربت في الوقت نفسه الإنتاج والتكرير والنقل والتصدير.
وأفادت وزارة الطاقة السعودية، في بيان، أن الهجمات التي طالت منشآت الطاقة أدت إلى خفض القدرة الإنتاجية بنحو 600 ألف برميل يومياً، كما أدت إلى فقدان نحو 700 ألف برميل يومياً من تدفقات خط الأنابيب "شرق-غرب"، الذي يُعد المسار البديل الرئيسي والحيوي لتصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز.
وبحلول يوم 12 أبريل 2026، أعلنت الطاقة السعودية، في بيان، عن استعادة القدرة الكاملة على الضخ عبر خط "شرق-غرب" إلى مستوى يقارب 7 ملايين برميل يومياً، غير أن هذا الإعلان لم يعنِ تعافياً شاملاً أو فورياً؛ إذ أكدت الوزارة أن العمل لا يزال جارياً على استعادة الإنتاج في بعض الحقول المتضررة، مما يؤكد أن العودة إلى المستويات السابقة للحرب تتطلب وقتاً أطول وجهداً تدريجياً ومنسقاً عبر مكونات المنظومة كلها.
وامتد الضرر أيضاً إلى حلقة التكرير، وهي الحلقة الأكثر تأثيراً مباشرة على الأسعار النهائية التي يدفعها المستهلكون والصناعات.
وأفادت "رويترز"، في 10 أبريل 2026، نقلاً عن مصادر مرتبطة بشركة "توتال إنرجيز"، بأن مصفاة "ساتورب" في مدينة الجبيل الصناعية، التي تعالج نحو 465 ألف برميل يومياً، تعرضت لأضرار جزئية في أحد خطوط المعالجة الرئيسية، مما دفع الجهات المعنية إلى إيقاف بعض الوحدات كإجراء احترازي لضمان السلامة.
وهذا الاختلال في القدرة التكريرية يفسر استمرار الضغوط السعرية على وقود النقل والصناعة والمنتجات البترولية المكررة، حتى بعد تراجع أسعار النفط الخام في السوق العالمية.
النقل الجوي والبحري
ويعد قطاع الطيران أحد أبرز وأوضح تجليات ظاهرة "الصاروخ والريشة"، فقد قال المدير العام للاتحاد الدولي للنقل الجوي، ويلي والش، في تصريحات نقلتها وكالة "رويترز" في 8 أبريل 2026، إن عودة إمدادات وقود الطائرات إلى مستوياتها الطبيعية الكاملة قد تستغرق عدة أشهر، حتى في حال إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل واستقرار الملاحة.
وأرجع "والش" ذلك بشكل رئيسي إلى الأضرار التي لحقت بالطاقة التكريرية في المنطقة والاضطرابات في سلاسل التوريد.
وتضاعفت أسعار وقود الطائرات خلال فترة الحرب بوتيرة تفوق ارتفاع أسعار النفط الخام نفسه بكثير، وهو ما دفع العديد من شركات الطيران الكبرى مثل "دلتا إيرلاينز" الأمريكية إلى توقع تكاليف إضافية تصل إلى مليارات الدولارات في الربع الثاني من عام 2026 وحده.
وفي دول الخليج تحديداً، حيث يُعد قطاع الطيران أحد أعمدة استراتيجيات التنويع الاقتصادي، كانت التأثيرات أكثر حدة واستمراراً، فقد أفادت وكالة "رويترز"، في تقرير نشر بتاريخ 11 أبريل 2026، بأن "طيران الإمارات" أعلنت عن رفع أسعار التذاكر بنسبة تتراوح بين 15% و30% على معظم الرحلات الدولية خلال أيام التوتر الشديد، وهي لم تعلن بعد عن أي تخفيضات ملموسة.
وأرجعت الشركة ذلك إلى استمرار ارتفاع تكاليف وقود الطائرات المكرر محلياً واضطرابات التوريد عبر مضيق هرمز.
كما أشارت "رويترز" إلى أن الشركة ألغت أو أجَلت أكثر من 200 رحلة أسبوعياً خلال الأزمة، مما أثر على حركة المسافرين والشحن الجوي في دبي، أحد أكبر المراكز اللوجستية عالمياً.
وبالمثل، نقلت "بي بي سي"، في 10 أبريل 2026، تصريحات للرئيس التنفيذي للخطوط الجوية القطرية، بدر محمد المير، الذي أكد أن الشركة تواجه تأخيراً في استعادة كامل طاقتها التشغيلية، حيث لا تزال مخزونات وقود الطائرات في مطار حمد الدولي دون المستويات المثالية بسبب تباطؤ التكرير في الخليج.
وأضاف أن أسعار التذاكر على الوجهات الأوروبية والآسيوية ستبقى مرتفعة لمدة لا تقل عن شهرين إضافيين لتعويض الخسائر الناتجة عن إعادة توجيه الرحلات حول مناطق التوتر.
أما في السعودية، فقد أعلنت "الخطوط السعودية" و"طيران ناس"، حسب تقرير نشرته "بلومبيرغ" في 12 أبريل 2026، عن استمرار الضغوط على تكاليف التشغيل، مع توقعات بارتفاع إجمالي التكاليف بنحو 18% في الربع الثاني مقارنة بالعام السابق، رغم الهدنة.
وهذه التطورات في قطاع الطيران الخليجي تُبرز كيف أن ظاهرة "الصاروخ والريشة" لا تقتصر على الأسواق العالمية، بل تتجلى بوضوح في الاقتصادات المحلية التي تعتمد على الطيران محركاً رئيسياً للسياحة والاستثمار الأجنبي.
ووفق تقرير لشبكة "بي بي سي"، نشرته في 9 أبريل 2026، امتدت هذه الضغوط التضخمية إلى تكاليف التأمين البحري التي ارتفعت بشكل حاد، وإعادة توجيه مسارات السفن التجارية، وزيادة زمن الرحلات البحرية بشكل ملحوظ.
وكل هذه العوامل ساهمت في نقل التضخم إلى قطاعات واسعة تشمل الغذاء والصناعات التحويلية والخدمات اليومية. كما أن إعادة تأهيل وإصلاح المنشآت الطاقية المتضررة قد تستغرق سنوات وليس مجرد أشهر قليلة، وهو ما يعني أن آثار الصدمة ستظل ممتدة زمنياً حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية رسمياً، حسب التقرير نفسه.
اقتصادات الخليج
ورغم كل هذه الصعوبات والتحديات تبدو اقتصادات الخليج في موقع أفضل نسبياً مقارنة بكثير من الاقتصادات الناشئة والمتقدمة الأخرى في العالم.
وحذرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجييفا، في تصريحات نقلتها "بلومبيرغ"، في 7 أبريل 2026، من أن الاقتصاد العالمي ككل "غير مجهز جيداً" للتعامل مع تداعيات مثل هذه الحرب المفاجئة، مؤكدة أن الصندوق سيتوجه نحو خفض توقعاته للنمو العالمي بعد أن كان يميل إلى رفعها قبل اندلاع الصراع مباشرة.
غير أن دول الخليج تمتلك هوامش مناورة مالية ضخمة ومتنوعة، حيث ذكر تقرير لـ"بي بي سي"، في 9 أبريل 2026، أن إجمالي أصول الصناديق السيادية واحتياطيات النقد الأجنبي في المنطقة يتجاوز 6.5 تريليون دولار أمريكي، وهو ما يوفر للحكومات قدرة كبيرة على امتصاص الصدمات قصيرة الأجل وتقديم دعم مالي مباشر للقطاعات المتضررة دون الحاجة إلى إجراءات تقشفية فورية.
كما أكدت جورجييفا أيضاً، خلال مؤتمر صحفي عقد في واشنطن قبل اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين في أبريل 2026، على قدرة اقتصادات الخليج على التعامل مع مثل هذه الصدمات الجيوسياسية بفضل التقدم المحرز في جهود التنويع الاقتصادي وبناء مؤسسات مالية وتنظيمية قوية ومستقرة.
ولكن هذه المرونة المالية لا تعني بالضرورة تعافياً فورياً أو سلساً، فقد أصبح الاقتصاد الخليجي أكثر ارتباطاً وتكاملاً مع القطاعات غير النفطية، والتي تتأثر بشدة وبسرعة بالتوترات الإقليمية واضطرابات الملاحة والسياحة.
في الوقت الراهن، يبقى التحدي الأكبر أمام صانعي السياسات الاقتصادية في دول الخليج هو كيفية تحويل هذه المرونة المالية الكبيرة إلى تعافٍ اقتصادي حقيقي وشامل يحمي المستهلكين العاديين والقطاعات غير النفطية من بطء "الريشة" الذي يطيل أمد الآثار السلبية للصدمة الجيوسياسية، ويضمن استمرار مسيرة التنويع الاقتصادي بثبات رغم الاضطرابات الإقليمية المتكررة.
مرونة مالية قوية
وفي قراءة أعمق لطبيعة التعافي البطيء، يرى الخبير الاقتصادي منير سيف الدين أن ما تشهده الأسواق حالياً "ليس مجرد تأخر فني، بل تجسيد واضح للظاهرة الاقتصادية (الصاروخ والريشة)".
وأوضح أن هذه الظاهرة، التي تعود دراستها إلى الاقتصادي روبرت بيكون عام 1991، تعني أن الأسعار ترتفع بسرعة مع الصدمات، لكنها تنخفض ببطء عند زوالها، نتيجة عوامل هيكلية مثل العقود طويلة الأجل، وتكاليف التعديل، وإدارة المخزون، وحسابات المخاطر لدى الشركات.
وأشار سيف الدين، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، إلى أن تراجع أسعار النفط بعد الهدنة لم ينعكس بنفس السرعة على الاقتصاد الحقيقي، بسبب استمرار الاضطرابات في سلاسل الإمداد والتكرير، مؤكداً أن "العنصر الحاسم ليس الإنتاج فقط، بل قدرة المنظومة بالكامل على العودة إلى العمل بكفاءة".
ويضيف أن استمرار ارتفاع أسعار المنتجات المكررة، خصوصاً وقود الطائرات، يعكس هذا الخلل، لافتاً إلى أن تحذيرات المدير العام للاتحاد الدولي للنقل الجوي بشأن امتداد تأثير الأزمة لأشهر "تتسق مع الأدلة الاقتصادية التي تثبت أن انتقال انخفاض الأسعار يكون أبطأ بكثير من ارتفاعها".
وفي ما يتعلق باقتصادات الخليج، أكد أنها تمتلك مرونة مالية قوية تمكّنها من امتصاص الصدمة، لكنها تحتاج إلى توجيه هذا الهامش نحو دعم مستهدف للقطاعات الأكثر تضرراً، مثل الطيران والخدمات اللوجستية، وتسريع إصلاح البنية التحتية المتأثرة.
كما أكد أن المرحلة الحالية تتطلب سياسات أكثر دقة، تقوم على التدخل المؤقت والموجه بدلاً من الدعم الواسع، لتفادي إطالة أمد الضغوط التضخمية، مع تعزيز أدوات التحوط لدى الشركات لمواجهة تقلبات الطاقة مستقبلاً.
وذكر أن "الهدنة أنهت التصعيد العسكري، لكنها لم تُنهِ الصدمة الاقتصادية بعد"، مشدداً على أن التعافي الحقيقي سيقاس بعودة النشاط التشغيلي الكامل وتراجع فعلي في تكاليف الإنتاج، وليس فقط بانخفاض أسعار النفط.