سياسة وأمن » حروب

التلطّي خلف الحلفاء الخليجيين: ترامب يفرّ من نقطة «اللاعودة»

في 2026/05/19

وكالات

على الرغم من الضجيج الإعلامي الأميركي حول طلب دول الخليج تأجيل الضربة العسكرية الجديدة لإيران التي قيل إن القرار بشنّها كان نهائياً، فالأكيد أن الفعل الأميركي اليوم، إقداماً أو إحجاماً، لا يخضع لاعتبارات خارجية مهما بلغت أهميتها، بل يرتبط أولاً بحسابات الرئيس دونالد ترامب، التي تقوم على موازنة دقيقة بين المخاطرة والمكسب المباشر، في حين أن أيّ تبريرات أخرى تروّجها الأوساط الرسمية، تبدو أقرب إلى محاولة لتسويق سردية دبلوماسية مقبولة داخلياً وخارجياً. ويرجع هذا التردّد إلى استمرار المأزق الاستراتيجي المُركّب الذي تتخبّط فيه إدارة ترامب؛ فما يمكن للأخير فرضه عسكرياً، أو الحصول عليه تفاوضياً من الجانب الإيراني، لا يرقى إلى مستوى سردية الانتصار التي يتّخذها معياراً وحيداً لأيّ تسوية. كما أن الخيارات العسكرية لا تضمن كسر الجمود التفاوضي، بل قد تدفع الأمور نحو مستنقع حرب طويلة الأمد، وهو ما يحرص الرئيس الأميركي على تجنّبه. ومع ضيق الأفق الزمني وتقلّبات أسواق النفط التي لا تخدم الإدارة أبداً، وقرب استنفاد المناورات التي لا تأتي بحلّ، يبدو ترامب أقرب إلى نقطة اللاعودة، حيث لن يبقى له سوى خيارَين: حرب شاملة وواسعة، أو تسوية تضطرّه إلى تنازلات، وكلاهما يمثّل مشكلة في حساباته السياسية.

إزاء ذلك، يمكن تسجيل الملاحظات الآتية:

أولاً: لا ينبغي اعتبار طلب دول الخليج تأجيل أو إلغاء الضربات سبباً استراتيجياً للتردّد الأميركي، بل هو غطاء سياسي محض. ذلك أن ترامب لا يتأثّر بتوصيات الحلفاء إلّا عندما تصبّ مباشرة في مصلحته؛ ولو كانت الضربة مضمونة النتائج، وذات تكلفة معقولة، لما تردّد لحظة في تنفيذها. أمّا تبرير التأجيل بطلب من السعودية وقطر والإمارات، فهو أداة يوظّفها ترامب لتحقيق ثلاث غايات واضحة: الأولى، نقل عبء المسؤولية عن التراجع إلى أطراف خارجية لتخفيف التأثير المباشر على تموضعه التفاوضي؛ والثانية، امتصاص صدمة الأسواق المالية والنفطية من دون الاعتراف الصريح بالتردّد أو الحسابات الداخلية؛ والثالثة، الحفاظ على التهديد بالعودة إلى الخيار العسكري، كأداة ضغط مستمرّة على إيران لإجبارها على تقديم تنازلات في المفاوضات الجارية.

ثانياً: الواضح أن ترامب لا يبحث عن انتصار عسكري، بقدر ما يبحث عن سردية انتصار مقابل ثمن معقول، أي إنجاز إعلامي - سياسي يُباع في الداخل الأميركي، ويُوظَّف خارجياً لتظهير المكانة والقدرة على فرض الإرادة. لكن ثمّة فجوة عميقة بين ما يريده الرئيس الأميركي، وما يمكن تحقيقه عسكرياً. فمقابل مطلبه إنهاء الملفّ النووي بشكل كامل، يبدو أن أقصى ما يستطيع الوصول إليه، سواء عبر الحرب أو المفاوضات، لن يكون أكثر من تأجيل لهذا الاستحقاق، مع إبقاء إمكانية الترميم مُتاحة لدى إيران. كما أن الرهان على سياسة التدمير لإرساء حالة من الردع الطويل الأمد في وجه طهران لا يتوافق مع مصلحة ترامب في حصد نصر فوري، خصوصاً أن إيران لا تُظهِر أيّ ميل إلى الاستسلام، بل تتمسّك بالمقاومة والموقع الندّي، محتفظةً بقدرتها على ترجمة إمكاناتها إلى أفعال «ردعية» مقابِلة قد تسبّب فوضى إقليمية تنعكس دولياً. أمّا المطروح على المسار الدبلوماسي، فتسوية تقنية مُعقّدة تمتدّ على سنوات، مع تأجيل قياس من انتصر فيها، وإن سيَظهر ابتداءً رجحان كفّة الإيرانيين.

ثالثاً: تُواجه الخيارات العسكرية ثلاث عقبات جوهرية تجعل اللجوء إليها سبيلاً غير مضمون: الأولى، أن تؤدّي الضربات إلى تصلّب إضافي في الموقف الإيراني بدلاً من تليينه، وهو درس خبِره ترامب جيداً؛ والثانية، أن تثير ردّاً إيرانياً مباشراً على قواعد أميركية ومصالح خليجية، وفق معادلة «الطاقة بالطاقة» و«النفط بالنفط»، بما يفقد ترامب السيطرة على سقف الحرب وتداعياتها؛ وأمّا الثالثة والأهم، فهي خطر التوسّع غير المحسوب إلى مواجهة مفتوحة، قد تقتضي الانجرار إلى معارك برّية غير مُخطَّط لها.

رابعاً: يمثّل عامل الوقت قيداً زمنياً حاسماً؛ إذ إن قرار ترامب لا يبدو مُحاصَراً بموعد انتخابات «الكونغرس» في تشرين الثاني فحسب، بل بأسابيع معدودة، تجعل نقطة اللاعودة في مسار التأثير السلبي أقرب ممّا توحي به التصريحات. فالأزمة الاقتصادية لا تفتأ تتعاظم مع استهلاك الاحتياطات العالمية من النفط التي خفّفت نسبياً من تداعيات إغلاق مضيق هرمز. ومع نضوب المخزونات، ستبدأ أسعار الطاقة في الارتفاع، ما سيفاقم التضخّم ويضغط على الداخل قبل الانتخابات. وإذ يُلزِم هذا الضغط ترامب بضرورة اتّخاذ قرار سريع، إمّا نحو تسوية أو عمل عسكري محسوب، فإن الرئيس الأميركي يرفض الإقرار باضطراره إلى الاستعجال، آملاً في أن ينهار الطرف الآخر تحت وطأة الحصار البحري والتهديد بالضربات.

في النتيجة، فإن ترامب ليس في موقع قوة، بل في موقع من يحتسب الخسائر، وهو ما يدفعه إلى تأجيل القرار حتى اللحظة الأخيرة، مع استخدام الغموض كأداة ضغط، وهو ما يقرّبه قسراً من أحد الخيارَين السيّئَين: فهل يلجأ إلى مخاطرة محسوبة بحرب محدودة؟ أم يقبل بتنازل مدروس في تسوية غير مرغوبة؟ الأكيد إلى الآن أن الخيار العسكري سيقود لاحقاً إلى المعضلة ذاتها، إنما مع خصم أكثر تصلّباً؛ إذ إن الضربات المتجدّدة على إيران سيكون من شأنها تعزيز خطاب المقاومة والصمود داخلياً، وتصعيب تقديم تنازلات على صاحب القرار الإيراني في ما بعد.