في 2026/10/08
(أحمد شوقي \ راصد الخليج)
وقعت السعودية طوعًا، وبكامل إرادتها ووعيها، في محظور تجدد الحرب مع اليمن، وفي توقيت بالغ السوء لم يكن ليتحمل المزيد من المعاناة الاقتصادية والخسائر التي لم تتوقف منذ اندلاع الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران.
هناك اتفاق بين الخبراء والمراقبين أن الصاعق الذي فجر هذه الجولة هو استهداف مطار صنعاء؛ حيث شكّل ذلك استفزازًا لحكومة انصار الله التي رأتها خطوة كاشفة لاستمرارية الحصار وعدم مصداقية الهدنة والتهدئة، فأطلقت عملياتها الأخيرة، والتي واجهتها السعودية بتصعيد مقابل أدى إلى تجدد الحرب.
المراقب لوضع الجبهات والقصف المتبادل بين السعودية وقوات أنصار الله، يصل إلى نتيجة مفادها صعوبة التوصل إلى حل دبلوماسي وفقًا لشروط الهدن السابقة، والأمر يتجه إلى تنازلات كبرى من أحد الطرفين أو إلى معركة صفرية، وهو أخطر السيناريوهات على الأمن والاقتصاد السعودي. لهذا؛ لأنه أمر يمكن أن يطول فسيشهد الاقتصاد السعودي مزيدًا من الاستنزاف وربما تتوقف بشكل كامل صادرات النفط والطاقة، وقد تؤدي التطورات إلى إغلاق مضيق باب المندب إلى جانب مضيق هرمز، وهو أمر كارثي ليس فقط على الاقتصادين الخليجي والسعودي، أيضًا على الأمن الغذائي وتاليًا الأمن القومي الخليجي برمته.
إزاء ما تقدم؛ لا بد من استعراض ملخص للتقارير التي رصدت الخسائر السعودية قبل اندلاع الجولة الحالية مع اليمن، لندرك المخاطر المترتية على استمرار الحرب:
أولًا- تراجع إنتاج وصادرات النفط للعام 2026
رصدت التقاريرانخفاضًا في الإنتاج اليومي في السعودية، حيث هبط إنتاج نفطها الخام، في أغسطس/آب 2026 بمقدار 1.9 مليون برميل يوميًا، ليصل إلى 6.238 مليون برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى إنتاج تسجله المملكة منذ 36 عامًا. كما رصدت تراجعا للصادرات، حيث انخفضت الصادرات النفطية إلى أدنى مستوياتها منذ 13 عامًا، مسجلة 3.2 مليون برميل يوميًا في أغسطس/آب المنصرم. وفي شهر يونيو/تموز وحده، بلغت قيمة الصادرات البترولية نحو 63.2 مليار ريال، مسجلة انكماشًا بنسبة 2.3% مقارنة بالمدة نفسها من العام الماضي.
إلى جانب الأضرار التشغيلية المباشرة في منشآت الطاقة، ووفقًا للبيانات المجمعة من وزارة الطاقة السعودية جراء الاستهدافات الأخيرة التي طالت مرافق حيوية، حوصرت الخسائر التشغيلية المباشرة على الشكل الآتي:
- فقدان طاقة خطوط النقل: أدى استهداف محطة ضخ على خط أنابيب "شرق-غرب" الرئيسي إلى فقدان نحو 700 ألف برميل يوميًا من كميات الضخ الموجهة للأسواق العالمية.
- تعطل معامل الإنتاج: تراجعت الطاقة الإنتاجية للمملكة بمقدار 600 ألف برميل يوميًا نتيجة تضرر معملي "منيفة" (بواقع 300 ألف برميل) و"خريص" (بواقع 300 ألف برميل).
كما امتدت الأضرار إلى مصافي رئيسة مثل مصفاة "ساتورب" في الجبيل، ومصافي رأس تنورة، وسامرف في ينبع، ومصفاة الرياض، ما أثر في صادرات المنتجات المكررة وسوائل الغاز الطبيعي (LPG).
ثانيًا- الخسائر المالية والاقتصادية العامة
رصدت التقارير انكماش الاقتصاد الحقيقي، حيث تتوقع وزارة المالية أن ينكمش الاقتصاد الإجمالي بنسبة 3.6%، خلال العام 2026، تحت الضغط المباشر لتراجع القطاع النفطي. كما رصدت خسائر قطاع البتروكيماويات، ورصدت عجز الموازنة، حيث تُقدر وزارة المالية عجز ميزانية العام 2026 بنحو 245 مليار ريال، أي ما يعادل 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي..
هنا؛ يبرز السؤال عن التكاليف الاقتصادية لإدارة الحرب وتشغيل الطائرات وتمويل قوات يمنية لمحاربة أنصار الله، وكذلك تكلفة تحالف مكة وما تنفقه السعودية مقابل هذا التحالف؟
"ما يزيد الطين بلّة"- كما يقول المثل الشعبي- هو استمرار استهداف العمق السعودي ومصافي النفط والمطارات المدنية والعسكرية. كما أن هناك سؤالًا حرجًا عن الوضع الإقليمي، وماذا لو تجددت الحرب مع إيران؟ وهو أمر تقول الشواهد إنه مرجح بشكل كبير.
تتبلور هذه الأسئلة وتندمج لتنتج سؤالاً كبيرًا، وهو، السعودية إلى أين؟