في 2026/05/22
يوسف حمود - الخليج أونلاين
لم تتشكل مهنة الإرشاد السياحي بوصفها نشاطاً منظماً وحديثاً منذ بدايتها، بل تعود جذورها الأولى إلى أدوار تقليدية لعبها "دليل القافلة" في المجتمعات القديمة، حيث كان يقود المسافرين عبر الصحارى، ويحدد الآبار، ويقرأ تضاريس الأرض، ويعرف العادات القبلية ومسارات التجارة.
ومع تطور المجتمعات وانتقال السفر من الحاجة إلى الترفيه والمعرفة، بدأت المهنة تأخذ شكلاً أكثر تنظيماً وتخصصاً، فيما أصبحت مهنة الإرشاد في القرن العشرين جزءاً أساسياً من منظومة السياحة العالمية، ترتبط بالتشغيل، والدخل، والانطباع الثقافي، والاقتصاد المحلي.
واليوم، تمثل مهنة الإرشاد السياحي إحدى الركائز التشغيلية لصناعة السياحة، سواء في الرحلات الدينية، أو الثقافية، أو البيئية، أو الترفيهية، مع ارتباط مباشر بحجم الحركة السياحية العالمية، ومستوى الإنفاق، وتنوع الوجهات.
السوق العالمية
تُظهر بيانات شركات أبحاث السوق أن الإرشاد السياحي لم يعد نشاطاً هامشياً، بل صناعة قائمة بذاتها ضمن سلسلة القيمة السياحية، فقد قُدر حجم السوق العالمية للإرشاد السياحي بنحو 56 مليار دولار في 2024، مع توقعات ببلوغها 106 مليارات دولار بحلول 2034، بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 8% وفق "Zion Market Research" المتخصصة في البحث وتحليل السوق.
وتشير تقديرات أخرى إلى أن السوق العالمية ستسجل 53 مليار دولار عن عام 2025، على أن يصل إلى 111 مليار دولار في 2034، مع معدل نمو سنوي يقارب 8% أيضاً، ما يعكس اتساق الاتجاهات العامة للسوق بغض النظر عن جهة التقدير، بحسب مؤسسة "Dimension Market Research" الدولية للبحوث.
ويرتبط هذا النمو بتوسع السياحة الثقافية، وارتفاع الطلب على التجارب الموجهة، وتزايد الاعتماد على الجولات المنظمة بدل السياحة الفردية.
وعلى مستوى السياحة العالمية، سجل عدد السياح الدوليين 1.4 مليار سائح في 2024، بزيادة 11% عن العام السابق، مع إيرادات عالمية بلغت 1.6 تريليون دولار، بحسب شبكة "سي إن إن".
وتُظهر التوقعات أن عدد السياح قد يصل إلى 1.8 مليار سائح بحلول 2030، ما يعزز الطلب المستقبلي على خدمات الإرشاد السياحي بوصفها جزءاً من تجربة الزائر.
تشكل المهنة في السعودية
في السعودية، ارتبط الإرشاد السياحي لفترات طويلة بالرحلات الدينية المرتبطة بالحج والعمرة، قبل أن تتسع دائرة المهنة مع نمو السياحة الداخلية، وبرامج التراث الوطني، والانفتاح السياحي الواسع خلال السنوات الأخيرة.
ومع إطلاق رؤية 2030، انتقل الإرشاد السياحي من نشاط موسمي إلى مسار مهني منظم يخضع للتراخيص والتصنيف والتدريب.
وسجل عدد رخص المرشدين السياحيين في السعودية 3284 رخصة في 2024، مقارنة بـ1221 رخصة في 2023، بنمو بلغ 168% خلال عام واحد، في واحدة من أعلى نسب النمو المسجلة في المهن السياحية، وفق موقع "مباشر" السعودي.
ويعكس هذا الارتفاع التوسع السريع في الطلب على الجولات السياحية المنظمة، وتزايد الوجهات، وتنوع المنتجات السياحية.
ويتوزع المرشدون جغرافياً على النحو الآتي: مكة المكرمة 986 رخصة، الرياض 665، المدينة المنورة 477، تبوك 337، المنطقة الشرقية 319، عسير 252، ما يعكس تركز النشاط في المناطق الدينية والحضرية والوجهات السياحية الناشئة.
حجم التوظيف السياحي
سجل عدد السعوديين العاملين في الأنشطة السياحية خلال الربع الثاني من عام 2025 ارتفاعاً ملحوظاً، إذ بلغ إجمالهم 247.600 سعودي وسعودية، وفق بيانات الهيئة العامة للإحصاء، وهو ما يشكل 25% من إجمالي العاملين في القطاع السياحي البالغ عددهم 997.357 مشتغلاً بين سعوديين وغير سعوديين.
وأظهرت قراءة صحيفة "الوطن" لأحدث بيانات المنشآت السياحية أن الذكور السعوديين شكلوا 54% من إجمالي المشتغلين السعوديين بعدد بلغ 134.598 سعودياً، في حين بلغت نسبة الإناث السعوديات 46% بعدد 113.002 مشتغلة، مما يعكس تزايد حضور المرأة في قطاعات السياحة والخدمات المرتبطة بها.
وتستهدف رؤية 2030 رفع عدد الوظائف السياحية إلى 1.6 مليون وظيفة، مع زيادة نسبة السعودة إلى 50% بحلول 2028، مروراً بنسبة 40% في 2026 و45% في 2027.
وتندرج مهنة الإرشاد السياحي ضمن الوظائف التي يعول عليها في تحقيق هذا التحول، نظراً لطبيعتها المعتمدة على المعرفة المحلية واللغة والهوية.
حركة السياحة والإنفاق
ومما يجعل مهنة الإرشاد مزدهرة في المملكة أن قطاع السياحة في السعودية سجل نمواً ملحوظاً خلال عام 2025، مدعوماً ببيانات هيئة الإحصاء ووزارة السياحة، إذ سجلت حركة الزوار الإجمالية أكثر من 116 مليون زائر حتى الربع الثالث، مع توقعات بتجاوز 120 مليوناً بنهاية العام.
وبلغ عدد الزوار الدوليين نحو 30 مليون سائح حتى منتصف العام، بدعم من فعاليات "شتاء السعودية" وتوسع وجهات البحر الأحمر، في حين تراوح عدد زوار السياحة الداخلية بين 85 و90 مليون زائر.
ووصل حجم الإنفاق السياحي الإجمالي بالمملكة إلى نحو 275 مليار ريال (نحو 73.3 مليار دولار) حتى الربع الثالث، مع توقعات المجلس العالمي للسفر والسياحة (WTTC) بارتفاعه إلى 447 مليار ريال (نحو 119.2 مليار دولار) بنهاية العام.
وساهم الإنفاق الدولي بما يتراوح بين 175 و200 مليار ريال (46.7 إلى 53.3 مليار دولار)، محققاً فائضاً في ميزان السفر يقدر بنحو 90 إلى 100 مليار ريال (24 إلى 26.7 مليار دولار).
وفي سياحة الحج والعمرة، سجل موسم العمرة أكثر من 15 مليون معتمر في الربع الأول، مع توقعات سنوية تتراوح بين 20 و25 مليون معتمر، فيما استقبل موسم حج 1446هـ (يونيو 2025) نحو 1.67 مليون حاج، بينهم 1.51 مليون حاج دولي، وفقاً لهيئة الإحصاء.
المشاريع السياحية الكبرى
تتركز نحو 70% من الجولات السياحية في مكة المكرمة والمدينة المنورة، إلا أن مشاريع رؤية 2030 غيرت خريطة الطلب بشكل ملحوظ؛ فمشروعات مثل القدية تستهدف دعم أكثر من 100000 وظيفة، فيما سجلت العلا أكثر من مليون زائر في 2024.
كما تشمل المشاريع الكبرى بوابة الدرعية، والسودة، ومشاريع البحر الأحمر التي وفرت وحدها نحو 936000 وظيفة، وفق بيانات رسمية.
وأسهم توسيع نطاق التأشيرات السياحية لتشمل 66 دولة في مضاعفة الحركة السياحية، ما زاد الحاجة إلى مرشدين متخصصين في أنماط سياحية متنوعة.
مع إسهام قطاع السياحة بنحو 320 مليار ريال في 2024 (85.3 مليار دولار أمريكي)، وتوقع وصوله إلى 10% من الناتج المحلي في 2025، تبرز مهنة الإرشاد السياحي بوصفها أحد الأعمدة التشغيلية لصناعة التجربة السياحية.
وتشير البيانات المتراكمة إلى أن الإرشاد السياحي في السعودية انتقل من نشاط موسمي محدود إلى مهنة ذات ثقل اقتصادي وتشغيلي، مرتبطة مباشرة بمستهدفات التوظيف، والتنويع الاقتصادي، وتعزيز الهوية الوطنية ضمن مسار رؤية 2030.
ومن المقرر بدء تطبيق سعودة عدد من الوظائف السياحية، بينها الإرشاد السياحي، اعتباراً من أبريل 2026، ضمن قائمة تضم 41 وظيفة، وفق وزارة الموارد البشرية.
ويجري العمل على بناء مسارات مهنية واضحة تمتد من مرشد مبتدئ إلى مرشد معتمد دولياً، مع ربط الترقي بالتدريب المستمر.