في 2026/09/08
(أحمد شوقي \ راصد الخليج)
المناهج التعليمية هي التي تشكل الوجدان الشعبي وتغرس الأسس التي تشبّ عليها الأجيال، وهو ما يجعل التعليم أكبر أدوات التوعية وأخطرها، وما يجعل الاستعمار يتحكم فيه، سواء بفرض لغة المستعمر أم بالتحكم في السرديات التاريخية.
العبث بالمناهج التعليمية أو التعديلات الطارئة بها، لابد وأن تشير إلى تغيرات في توجهات الدولة السياسية العليا، وهو ما لفت المراقبين لتعديلات مناهج التعليم في المملكة السعودية في الفترة الأخيرة. كما أصبح ملفًا فيه الكثير من التحليل والمؤشرات لتطبيع محتمل، وخاصة في ظل التطبيع الإماراتي - الإسرائيلي الذي شهد تعديلات مشابهة في مناهج التعليم.
ما يعطي للشكوك أهمية مضافة هو أن معهد مراقبة السلام والتسامح الثقافي، في التعليم المدرسي (IMPACT-se) ومقره "إسرائيل" والعاصمة البريطانية لندن، هو معهد يراقب بشكل أساسي كيفية تصوير "إسرائيل" واليهود في النصوص التعليمية، وهو الذي يقدم المشورة لدولة الإمارات، وهو المتابع لتطور المناهج في السعودية ومصدر التقارير التي ترصد هذه التعديلات.
كما تُظهر التعديلات التي شهدتها المناهج الدراسية السعودية، خلال الأعوام الأخيرة، تحولًا متدرجًا في الطريقة التي تُقدَّم بها فلسطين و"إسرائيل" والقدس للأجيال الجديدة. إذ يحذف أو تعدل مضامين كانت، حتى وقت قريب، جزءًا من الخطاب التعليمي السعودي بشأن الصراع العربي- الإسرائيلي.
إلى ذلك؛ رصد تقرير حديث لمعهد IMPACT-se، تغييرات، في 136 كتابًا مدرسيًا سعوديًا مستخدمة خلال العامين الدراسيين 2024-2025 و2025-2026، شملت الخرائط والمصطلحات والعبارات المرتبطة بفلسطين و"إسرائيل" والقدس. أبرز التغييرا طالت اسم فلسطين، والذي كان يظهر في طبعات سابقة على خرائط تغطي كامل الأرض الواقعة بين البحر والنهر، حيث اختفى من عدد من الخرائط في الإصدارات اللاحقة.
كما اختفت من بعض الإصدارات الحديثة عبارة، كانت ترد في الكتب المدرسية السعودية وتؤكد أن "المسلمين لن يتخلوا أبدًا عن القدس"، بعد أن كانت موجودة في طبعة العام الدراسي 2023-2024، وفقًا للمراجعة الحديثة للمناهج. كما شملت التعديلات تخفيفًا في اللغة المستخدمة في وصف "إسرائيل".
كما برز تغير لافت، في أحد كتب التاريخ للمرحلة الثانوية، فاستبدل وصف "العدو الصهيوني" بعبارة "الاحتلال الإسرائيلي"، كما وثقت المراجعات حذف أو تعديل مضامين كانت تقدم الصهيونية بوصفها حركة عنصرية أوروبية تسعى إلى طرد الفلسطينيين والتوسع في الأراضي العربية، إلى جانب إزالة فصل كامل كان يتناول القضية الفلسطينية في أحد الكتب التي ألغيت ضمن النظام التعليمي السابق.
كذلك وصف IMPACT-se هذه التغييرات بأنها جزء من مسار إصلاح تعليمي؛ يعزز مفاهيم "السلام والتعايش والتسامح". لم يعد كتاب الدراسات الاجتماعية، في المدرسة الثانوية، يحتوي على قسم يختص بالنتائج الإيجابية للانتفاضة الأولى (الانتفاضة الفلسطينية في أواخر ثمانينيات القرن العشرين ضد "إسرائيل")، كما أزال أحد الكتب المدرسية فصلًا كاملًا يتناول القضية الفلسطينية.
هذا المعهد، والذي يرصد ويشيد بالتعديلات في السعودية، يقدم المشورة لوزارة التربية والتعليم في الإمارات في أثناء قيامها بتحديث مناهجها المدرسية لتشمل التوعية حيال ما يُسمى بــ"الهولوكوست". إذ عملت وزارة التعليم الإماراتية مع المعهد على وضع منهاج بين أيدي التلاميذ، في المرحلتين الابتدائية والثانوية، يتضمن تصديًا لإنكار ما يسمى "الهولوكوست" وإدراج هذه المحرقة المزعومة في مناهج البلد التعليمية، وذلك في إطار اتفاقيات التطبيع التي وقعتها الإمارات مع "إسرائيل" في أيلول / سبتمبر من العام 2020.
في مقابل إدراج "الهولوكوست" في مناهجها، أشاد الرئيس التنفيذي للمعهد (impact – se ) ماركوس شيف بالإمارات؛ وقال إن: "المنهاج الدراسي في الإمارات هو الأفضل من نظرائه، في البلاد الإقليمية الأخرى، بسبب اعترافه بمكانة اليهودية التاريخية في العالم العربي".
إزاء ذلك كله؛ نرى أن المعهد يخطو الخطوات ذاتها مع السعودية. لعل ما يثير الريبة والمخاوف أن السلطات السعودية كانت قد أصدرت موافقتها على قيام محمد بن عبد الكريم العيسى، وهو عضو "هيئة كبار العلماء الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي"، لزيارته إلى ما يسمى "معسكر الإبادة الجماعية لليهود"(أوشفيتز)، في بولندا، والذي أقيم خلال الحرب العالمية الثانية، بالتزامن مع إحياء ذكرى "الهولوكوست".
كما في خطوة وُصفت بغير المسبوقة، استضافت السفارة الأمريكية في العاصمة السعودية الرياض أول فعالية لإحياء ذكرى ضحايا ما تسمى المحرقة "الهولوكوست" المزعومة، لتكون، بحسب ما أُعلن، الأولى من نوعها ليس على مستوى السفارة فحسب، أيضًا على مستوى المملكة العربية السعودية أيضًا.
هنا؛ من حق المواطن السعودي والخليجي، والعربي عمومًا، أن يتساءل عن فحوى هذه التعديلات، وخاصة مع ما يثار من ضغوط أمريكية تمارس على السعودية للتطبيع والانضمام إلى ما يُعرف بـــ" الاتفاقيات الإبراهيمية".
كما يثار سؤال أهم: إذا كان من حق الدول اختيار توجهاتها فهل من حقها تزييف وعي المواطنين والأجيال الصاعدة؟
لذلك؛ على المملكة الحذر مما يثار حيال هذه التعديلات؛ لأنه لو افترضنا حسن الظن، وكان ذلك تماهيًا فقط مع الضغوط وليست نوايا حقيقية للتطبيع، فإن وعي الأجيال ومكانة المملكة في العالم الإسلامي لا تتسق وهذه التعديلات، ولا يتسق معها أن يكون وعي أجيالها الصاعدة بهذا التشوه والزيف.