مجتمع » حريات وحقوق الانسان

ما بعد «عفو رمضان» السعودي: معارضو الخارج لا يأمنون

في 2025/04/05

متابعات

كثيرة هي المفارقات التي تحملها الدعوة الرسمية السعودية، والتي وُجّهت أوائل الشهر الماضي إلى معارضي الخارج، للعودة إلى البلاد. مفارقاتٌ لعلّ أهمّها توصيف هؤلاء بـ«المغرّر بهم»، في ما جلّى النظرة التاريخية للنظام، والتي لم تعترف البتّة بوجود معارضة سياسية شرعية، بل عدّتها دائماً نتاج «أجندات خارجية» أو «تأثيرات أيديولوجية»، وصوّرت أصحابها على أنهم «عملاء لأطراف خارجية أو مأجورون»، بما يتيح لها تبرير قمعهم وملاحقتهم، من دون الاعتراف بمطالبهم.

وكان رئيس جهاز أمن الدولة، عبد العزيز الهويريني، ظهر في إحدى المقابلات التفزيونية في شهر رمضان، موجّهاً رسالة إلى المعارضين السعوديين في الخارج، والذين سمّاهم «المغرَّر بهم ممّن استغلّتهم جهات أو كيانات وقدّمت لهم مبالغ مالية في مراحل سابقة للقيام بأعمال مغرضة»، بأن «بإمكانهم العودة من دون أن ينالهم عقاب». وأشار الهويريني، الذي يرأس الجهاز الموصوف بأنه الأكثر إرعاباً - منذ عام 2017 -، إلى أن ولي العهد، محمد بن سلمان، قرّر العفو عمّن «هاجموا المملكة من الخارج، والترحيب بهم إذا لم يكونوا قد ارتكبوا جرماً كالقتل أو الاعتداء على أحد».

وأثارت دعوة الهويريني، الذي أتى إلى جهاز أمن الدولة من جهاز المباحث العامة (كان مديراً له أيضاً)، والذي يعدّ مصيدة للمعارضين وأصحاب الرأي، شكوكاً في خلفيتها وإمكانية تطبيقها، بخاصة أنها تفتقر إلى ضمانات حقيقية. وفي هذا الإطار، يشير المستشار القانوني في «المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان»، المحامي طه الحاجي، في حديث إلى «الأخبار»، إلى أن هذه الدعوة ليست الأولى من نوعها، معتبراً أن «صدورها من شخص الهويريني بما يعنيه اسمه من خوف ورعب، له مغزى، يتمثل بمحاولة السلطات تقليل عدد الأشخاص المعارضين لها في الخارج، وبالتالي التخفيف من الانتقادات وإمكانات الكشف عن الحقائق، بخاصة وأن هؤلاء بدؤوا يتشكلون كأحزاب ومنظمات وزاد نشاطهم، وهذا يسبّب إحراجاً للحكومة، التي لم تعهد هذه الكمية من الأصوات والتفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما مع ازدياد الهجرة».

ولعلّ ما يضاعف حاجة النظام إلى تطويق المعارضة في الخارج، التحولات الكبيرة الجارية في الإقليم، ولا سيما في اليمن وسوريا وفلسطين، والتي يرى المكتب السياسي في «لقاء المعارضة في الجزيرة العربية»، في تقدير موقف أصدره حول «العفو» السعودي، أنها «قد تشكل تهديداً للنظام، الذي يدرك أن استمرار المعارضة في الخارج قد يعزز من قدرتها على التأثير في الداخل، خاصة في ظل تواصلها مع قوى إقليمية معادية له». ويعتبر اللقاء أنه رغم أن «الإعلان يمثّل تحولاً في سياسة النظام، من القمع المطلق إلى محاولة استيعاب بعض المعارضين، إلا أن نجاح هذه الخطوة مرهون بمدى جديته في تنفيذها، ومدى استجابته للمطالب السياسية والاجتماعية التي تدفع المواطنين إلى المعارضة». ويضيف أنه «في غياب إصلاحات حقيقية، قد يبقى هذا العفو مجرد خطوة تكتيكية لتحسين صورة النظام، من دون تغيير جوهري في سياساته القمعية».

وفي الإطار نفسه، يعتقد الحاجي أنه كان الأجدى بالسلطات «أن تقدّم هذا العرض للمعارضين السياسيين المعتقلين لديها وتخرجهم من السجون»، مشيراً إلى أن «الأشخاص الذين عادوا من الخارج، لم يسجنوا، لكنهم وضعوا تحت يد السلطة، وتحت ابتزاز وضغوط وقيود نفسية وهواجس أمنية، في ظل استمرار استدعائهم، والتحقيق معهم بين مدة وأخرى ومنعهم من وسائل التواصل الاجتماعي، وحظر السفر عليهم أيضاً».

ويتساءل عن مدى إمكانية تطبيق الدعوة «في بلد لا يوجد فيه دستور ولا برلمان ولا مشاركة سياسية ولا رقابة أيضاً؛ وهذا الاستدعاء أو فتح باب العودة، هو وسيلة للسيطرة على الشعب، ولمنعه من إخراج أي رواية غير رواية السلطة، فالهدف الرئيسي هو إسكات الناس في الخارج وتفكيكهم وتقليل عددهم وكم الأفواه»، مستدركاً بأن «في الأمر إيجابية تتمظهر في الاعتراف الضمني من جانب النظام بوجود معارضة حقيقية ومؤثرة».

ومن جهته، يقول معارض سعودي يقيم في الخارج، فضّل عدم الكشف عن اسمه، لـ«الأخبار»، إن «الدعوة الرسمية من النظام هي محاولة للاستخفاف بعقول المعارضين، بخاصة مع الأحكام المشددة التي تصدر بحق معتقلي ومعتقلات الرأي، وفرض حظر سفر عليهم لمدد طويلة»، مضيفاً أنه «الأجدى بالسلطات التخفيف من معاناة المعتقلين وتقليل القمع واحترام الحقوق، وتقديم صورة حقيقية على الأرض داخلياً تبرز أنها تبدلت وتؤكد أن دعوتها جادة». ويتابع أن «مجرد دعوة المعارضين في الخارج إلى العودة، ليست سوى محاولة لكم الأفواه، ويجب حلّ مسببات المعارضة بمنح الحقوق السياسية والإفراج عن معتقلي الرأي في الداخل، وسن قوانين وتشريعات تسمح بحرية التعبير، وتُرجع إلينا الحقوق التي من أجلها غادرنا بلدنا».

وعليه، يستبعد «لقاء المعارضة في الجزيرة العربية»، قبول معظم المعارضين في الخارج بهذا «العفو»، لا سيما في ظل عدم وجود ضمانات حقيقية بسلامتهم، وغياب أي إصلاحات سياسية جوهرية. ويستذكر مقتل الصحافي، جمال خاشقجي، في القنصلية السعودية في إسطنبول عام 2018، مشيراً إلى أن هذه الحادثة ثبّتت «في أذهان المعارضين صورة عن حقيقة نوايا النظام». ويضع إطلاق الدعوة في إطار محاولة «التهدئة الداخلية، وتحسين الصورة الدولية، وتفكيك المعارضة في الخارج، خاصة وأنها تحمل اتهامات ضمنية إلى المعارضين بأنهم استُغلّوا من قِبل أطراف خارجية، ما يُضعف موقفهم السياسي، ويُظهرهم كضحايا لسذاجة أو جشع»، وهو ما يرفضه هؤلاء تماماً.