في 2025/11/29
الخليج أونلاين
في الجلسة الافتتاحية لدور الانعقاد الجديد للمجلس الوطني الاتحادي في الإمارات، برز ملف تعزيز معدلات الإنجاب كواحد من أهم الملفات التي تعمل الدولة على معالجتها.
فمع تبدل أنماط الحياة بوتيرة مستمرة لا تهدأ، أصبح قرار الزواج والإنجاب يحتاج إلى التفكير، وأحياناً إلى كثير من التأجيل.
هذه الأزمة الاجتماعية دفعت بالحكومة الإماراتية لجعل ملف الخصوبة والصحة الإنجابية أولوية وطنية، للعمل على معالجته من مختلف الأبعاد.
وبلغ عدد سكان الإمارات العربية المتحدة 12.50 مليون نسمة حتى ديسمبر 2024، منهم 1.44 مليون مواطن إماراتي، و11.6 مليون أجنبي.
حراك حكومي
وخلال افتتاح دور الانعقاد العادي الثالث من الفصل التشريعي الـ18 للمجلس الوطني الاتحادي (24 نوفمبر) اطلع المجلس على رسالة موجّهة للحكومة حول توصيات المجلس في ملف تعزيز معدلات الإنجاب.
ففي يونيو الماضي، نظّمت الأمانة العامة للمجلس الوطني الاتحادي، ضمن برنامج "إثراء"، الملتقى التمهيدي لمناقشة موضوع سياسة الحكومة في شأن تعزيز معدلات الإنجاب في الدولة.
وقدم الفريق البحثي في إدارة التشريع والسياسات في الأمانة العامة المساعدة للتشريع والرقابة عرضاً تعريفياً حول الموضوع العام ومحاوره، شمل التشريعات المنظمة ذات الصلة بالصحة الإنجابية، والرؤى الوطنية والاستراتيجيات الحكومية في تعزيز معدلات الإنجاب في الدولة.
كما كشفت وزيرة الأسرة وتنمية المجتمع الإماراتية سناء بنت محمد سهيل حينها عن أن الحكومة تعمل على إعداد استراتيجية وطنية موحدة لتعزيز معدلات الإنجاب، ستُعلن رسمياً قبل نهاية العام الجاري، مؤكدة أنها "ستشكل خريطة طريق شاملة لدعم استقرار الأسرة الإماراتية وتحقيق نمو سكاني متوازن ومستدام".
كما أكدت أن العمل يجري ضمن هيكل حوكمة واضح يضمن الإشراف والمتابعة المباشرة من القيادة، بما يعكس الأهمية الوطنية البالغة للملف، لافتة إلى أن "المنهجية المتبعة ترتكز على رؤية تكاملية متعددة الأبعاد، تراعي الجانب الصحي والاقتصادي والاجتماعي في آنٍ معاً".
وفي ردها على استفسارات أعضاء المجلس أوضحت الوزيرة الوزيرة أن الاستراتيجية الجديدة تقوم على ثلاثة مسارات أساسية:
- مسار السياسات والبرامج ويتناول السياسات المؤثرة في معدلات الإنجاب، ودعم الأسرة، وتمكين المرأة، وتفعيل بيئة عمل متوازنة تساعد على التوفيق بين الحياة المهنية والأسرية.
- مسار السلوكيات المجتمعية ويهدف إلى تحليل العوامل الثقافية والاجتماعية المرتبطة بقرارات الزواج والإنجاب، وصياغة مبادرات تعزز الصورة الإيجابية لتكوين الأسرة.
- مسار البيانات ويركّز على بناء قواعد بيانات دقيقة وموحدة، تتيح تقييم الواقع باستمرار، ودعم متخذي القرار بسياسات تستند إلى مؤشرات واضحة.
كما أكدت الوزيرة أن هذه المسارات تشكل الإطار العام لاستراتيجية متكاملة تستجيب لاحتياجات الأسرة الإماراتية، وتعزز الاستقرار الاجتماعي، وتدعم التوازن الديموغرافي للدولة خلال السنوات المقبلة.
وفي 19 نوفمبر الجاري، اعتمد مجلس الوزراء الإماراتي الأجندة الوطنية لنمو الأسرة الإماراتية 2031 التي أطلقت ضمن أعمال الاجتماعات السنوية لحكومة دولة الإمارات 2025، لتعزيز النمو السكاني للمواطنين عبر رفع معدلات الزواج والإنجاب وتحسين جودة الحياة الأسرية.
وتتضمن الأجندة 5 محاور رئيسية وعدداً من البرامج والمبادرات الوطنية في مجال تعزيز الفكر والسلوك الإيجابي، والدعم الاقتصادي، والتوازن بين الأسرة والعمل، إضافة إلى عدد من المزايا غير الاقتصادية، وبرامج لتعزيز الصحة الإنجابية.
أولوية وطنية
تقارير المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء أشارت إلى أن معدل الخصوبة الكلي للمواطنين (طفل لكل امرأة إماراتية) وصل إلى 3.3 في العام 2019، وانخفض إلى 3.2 في العامين 2020 و2021، و3.1 في العام 2022.
وجاء في التقارير الإحصائية الصادرة في يونيو الماضي، أن إجمالي المواليد الإماراتيين في العام 2014 وصل إلى 34 ألفاً و618 مولوداً، وارتفع في العام 2015 إلى 34 ألفاً و794 مولوداً، وانخفض في العام 2017 إلى 34 ألفاً و296 مولوداً، وفي العام 2018 بلغ 33 ألفاً و700 مولود، واستمر في الانخفاض في العام 2022، حيث بلغ 30 ألفاً و889 ألف مولود.
وإدراكاً منه لأهمية تعزيز الصحة الإنجابية في الدولة، أكد عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية ورئيس مجلس التعليم والتنمية البشرية والمجتمع، أن نمو الأسرة الإماراتية أصبح "أولوية وطنية" تحتاج إلى معالجة عاجلة وتنسيق واسع بين الجهات المعنية، مؤكداً أن "تحقيق تقدم حقيقي يتطلب استراتيجية واضحة تدعم قرار الزواج والإنجاب، وتوفر بيئات عملية تساعد الشباب على بناء أسر مستقرة".
وأوضح خلال ترؤسه الاجتماع الدوري للمجلس، في أبريل الماضي، أن العمل المطلوب لا يقتصر على الدعم الاجتماعي، بل يشمل توسيع التوعية الصحية للمقبلين على الزواج، وتعزيز الأبحاث في الصحة الإنجابية والجينية لضمان بيئة أسرية أكثر استقراراً ونمواً.
واعتمد المجلس خلال الاجتماع الاستراتيجية الوطنية لنمو الأسرة الإماراتية التي أعدّتها وزارة الأسرة بالشراكة مع جهات محلية واتحادية، وتشمل أجندة موحدة في مجالات الصحة والتعليم والإسكان والاقتصاد والإحصاء، بهدف رفع معدلات الخصوبة بطريقة مدروسة تستجيب لاحتياجات المجتمع.
وأشار عبدالله بن زايد إلى "ضرورة تسريع الجهود وتطوير قاعدة بيانات دقيقة حول واقع الأسر، لضمان أن تكون السياسات المستقبلية مبنية على أرقام واضحة وتحليل شامل".
من جانبها أوضحت مريم بنت محمد بن زايد، نائب رئيس المجلس، أن "نمو الأسرة عنصر أساسي في الخطط التنموية، وأن دعم الشباب في الزواج والإنجاب يعالج تحديات اجتماعية واقتصادية تتزايد مع تغيّر أنماط الحياة".
توصيات
وتشير التقارير الحكومية إلى أن التعامل مع ملف الإنجاب يتطلب رؤية شاملة تعالج جذور المشكلة، لا مظاهرها فقط، مشيرين إلى أن تكاليف الزواج، وتغيّر القيم الاجتماعية، وتصاعد نمط الفردية في الإعلام، أصبحت عوامل مؤثرة في قرارات تكوين الأسرة لدى الجيل الجديد.
كما شملت التحديات أيضاً الخوف من مسؤوليات الزواج، وتكاليف الاحتفالات وتجهيزات الزواج، وارتفاع المديونيات، وتأثير المحتوى الإعلامي الذي يُظهر الأسرة بصورة سلبية أو متوترة.
ولمواجهة التحديات التي تؤثر على قرار الزواج والإنجاب لدى الشباب الإماراتي، قدمت لجنة الشؤون الصحية والبيئية في المجلس الوطني الاتحادي، في يناير الماضي، جملة من التوصيات شملت:
رفع قيمة منحة الزواج المقدّمة للمواطنين والمواطنات.
تسهيل شروط الحصول على منح الزواج والإسكان وإلغاء القيود التي تؤخر وصول الدعم للفئات المستحقة.
مراجعة الإنتاج الإعلامي، خصوصاً الأفلام والمسلسلات، الذي يعزز النزعة الفردية ويصوّر تكوين الأسرة كعبء أو تحدٍّ غير مرغوب.
إلزام المصارف بتقديم قروض ميسّرة للمقبلين على الزواج، مع تعديل آليات السداد بعد تقاعد المستفيدين.
إحياء ثقافة الأسرة الممتدة لدورها في دعم الأزواج الجدد وتربية الأبناء والتخفيف من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
إنشاء تطبيقات إلكترونية مخصصة لدعم الأسرة تُعنى بتقديم الاستشارات، ونصائح ما قبل الزواج، وحل الخلافات الأسرية.