في 2026/01/17
طه العاني - الخليج أونلاين
تمضي الكويت في إعادة بناء منظومة الأمن الغذائي على أسس إنتاجية وتقنية، عبر مشاريع تنموية تربط بين الزراعة المستدامة والطاقة والبنية التحتية، ضمن مسار أوسع تقوده خطة "كويت جديدة 2035" لتعزيز الاعتماد على الذات وتقليص فجوة الاستيراد.
ويبرز مشروع "المزرعة الاقتصادية" كأحد النماذج التطبيقية لهذا التوجه، مستنداً إلى التكنولوجيا الزراعية الحديثة والبحث العلمي المحلي، في محاولة عملية لمعالجة أحد أكثر التحديات الهيكلية حساسية في الاقتصاد الكويتي.
المزرعة الاقتصادية
ويمثل مشروع المزرعة الاقتصادية المستدامة خطوة عملية نحو بناء نموذج إنتاج غذائي محلي عالي الكفاءة، يعتمد على التقنيات الحديثة بدل التوسع التقليدي في الموارد.
وبحسب تقرير نشرته "الجريدة"، في 7 يناير 2026، بلغت نسبة إنجاز المشروع نحو 73%، على أن يُستكمل تنفيذه خلال عام 2027.
ويأتي المشروع الذي تبلغ تكلفته الإجمالية نحو 3.5 مليون دينار كويتي (11.4 مليون دولار)، في ظل اعتماد الكويت على استيراد نحو 95% من احتياجاتها الغذائية، ما يجعل الأمن الغذائي أحد الملفات الاستراتيجية للدولة.
ويرتكز المشروع على استخدام الزراعة المحمية والاستزراع المائي، مع توظيف الطاقة المتجددة ومياه الصرف المعالجة، لتطوير نماذج إنتاج زراعي مستدامة.
وقد جرى تطوير هذه النماذج بشكل رئيسي في معهد الكويت للأبحاث العلمية، بما يعكس ربط البحث العلمي بالتطبيق الاقتصادي.
ويشمل المشروع تطوير 3 وحدات بيوت محمية ذات تحكم عالي في الرطوبة والحرارة والإضاءة، ومزودة بألواح شمسية، على مساحة إجمالية تبلغ 6000 متر مربع، إلى جانب إنشاء 6 أحواض وبرك للاستزراع المائي المستدام باستخدام الطاقة الشمسية بمساحة 3000 متر مربع.
كما يتضمن تطوير وحدة لإعادة التدوير باستخدام المخلفات الزراعية، وإنتاج الأعلاف من المواد الأولية، وتطبيق نموذج مكافحة الآفات المتكاملة، إضافة إلى تطوير نماذج إنتاج زراعي وحيواني وسمكي، وفق السلع المطلوبة في السوق المحلي، بما يعزز كفاءة سلاسل الإمداد الغذائي.
وقال وزير الكهرباء والماء والطاقة المتجددة ووزير المالية ووزير الدولة للشؤون الاقتصادية والاستثمار بالوكالة د. صبيح المخيزيم، إن الكويت تولي أولوية متقدمة لملف الأمن الغذائي واستدامة الموارد الزراعية، عبر تسخير الإمكانات المتاحة وتشجيع المزارعين على تبني التقنيات الحديثة.
وأوضح المخيزيم، خلال افتتاح الاجتماع الـ37 للجنة وزراء التعاون الزراعي والأمن الغذائي بدول مجلس التعاون الخليجي الذي استضافته الكويت، في 26 نوفمبر 2025، أن بلاده تعمل على رفع الإنتاج المحلي من خلال التوسع في استخدام التقنيات الزراعية الحديثة.
دعم الأمن الغذائي
ويرى المهندس والخبير الفلاحي أحمد ملحة أن مشروع المزرعة الاقتصادية المستدامة يمكن أن يسهم في تقليل الاعتماد على استيراد الغذاء، شريطة أن يقوم على أسس علمية وتقنية حديثة.
ويضيف لـ"الخليج أونلاين" أن نجاح هذا التوجه يرتبط بالاعتماد على الزراعة الذكية وأنظمة الري الحديثة، إلى جانب توظيف البحث العلمي والتكنولوجيا المتقدمة.
ويوضح ملحة أن إدارة المياه بكفاءة، واستخدام الأفكار المبتكرة، ودعم المؤسسات الناشئة، تمثل عناصر محورية في تطوير القطاع الزراعي.
ويشير إلى أهمية اختيار البذور والأصناف التي تتحمل الجفاف والملوحة وتحتاج إلى كميات أقل من المياه، مؤكداً أن التكامل بين الجانب العلمي والتقني هو الأساس لنجاح المزارع الاقتصادية في بيئات مناخية صعبة.
ويلفت ملحة إلى أن الزراعة المائية والبيوت المحمية الكبيرة باتت من أبرز الحلول العملية في الكويت، لما توفره من ترشيد كبير للمياه، وإنتاج مستمر على مدار العام، وتحسين جودة المحاصيل مع تقليل استخدام المبيدات.
ويردف أن التجارب الإقليمية أثبتت إمكانية تحويل البيئات الصحراوية إلى مناطق منتجة باستخدام التقنيات الحديثة، مثل أنظمة الري المتطور، بما يدعم إنتاج المحاصيل النباتية والاستفادة من مخلفاتها في تنمية الثروة الحيوانية.
ويعتقد ملحة أن تحقيق الاكتفاء الذاتي الجزئي في الخضراوات ممكن عبر التوسع في البيوت المحمية والزراعة الذكية، مشيراً إلى أن ذلك قد يفتح مستقبلاً فرصاً للتصدير.
ويوضح المهندس والخبير الفلاحي أن ارتفاع تكاليف الإنتاج يمكن الحد منه باستخدام التقنيات الحديثة والأصناف الملائمة للبيئة المحلية.
ويرى ملحة أن الزراعة لا تنفصل عن قطاع الطاقة، مؤكداً أن الاعتماد على الطاقات المتجددة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية، يمثل خياراً استراتيجياً لخفض التكاليف وضمان استدامة المشاريع الزراعية.
ويختتم ملحة بتأكيد أهمية الزراعات المكثفة في الكويت، موضحاً أنها تتيح تحقيق إنتاجية أعلى في مساحات محدودة، وتشكل حلاً عملياً لدعم الأمن الغذائي في ظل محدودية الموارد الزراعية.
كفاءة التشغيل
ويركّز هذا مسار المزرعة على رفع كفاءة إدارة الموارد وتقليل الهدر داخل المنظومة الزراعية، وتعزيز هذا القطاع الحيوي.
ويستهدف مشروع المزرعة الاقتصادية خفض استهلاك المياه العذبة في العمليات الزراعية، عبر الاعتماد على مياه الصرف المعالجة في الري والتشغيل، بما يخفف الضغط على الموارد الطبيعية ويعزز الاستدامة التشغيلية.
كما يعمل على تحسين كفاءة الممارسات الزراعية في إنتاج المحاصيل والخضراوات والفواكه، إضافة إلى الإنتاج الحيواني والسمكي والدواجن، من خلال إدخال التقنيات الذكية ونظم التحكم الحديثة.
وفي جانب إدارة الفاقد، يتضمن المشروع إنشاء مخازن حديثة وصناعات خفيفة مرتبطة بالإنتاج الزراعي، بما يقلل الخسائر بعد الحصاد ويرفع القيمة المضافة للمنتجات المحلية.
ويُكمل هذا التوجه الاعتماد على الطاقة المتجددة والبديلة داخل المنشآت الزراعية، سواء في التشغيل أو ري المحاصيل، بهدف تقليل هدر الطاقة وخفض كلفة الإنتاج على المدى المتوسط.
طاقة داعمة
ويتكامل مشروع المزرعة الاقتصادية مع منظومة الطاقة والبنية التحتية، بما يضمن استدامة الإنتاج وعدم ارتهانه لاختناقات تشغيلية مستقبلية.
وفي هذا الإطار تبرز محطة الزور الشمالية (المرحلتان الثانية والثالثة) كمشروع داعم، بقدرة إنتاجية تبلغ 2700 ميغاواط باستخدام تكنولوجيا الدورة المركبة، إلى جانب تحلية المياه بطاقة 120 مليون غالون إمبراطوري.
وتظهر بيانات وزارة الكهرباء أن نسبة إنجاز المشروع وصلت إلى نحو 80%، ومن المتوقع أن تدخل أولى وحداته الخدمة في يونيو 2028، مع إضافة 1000 ميغاواط بعد شهرين.
ويهدف المشروع إلى تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء والمياه، ودعم المشاريع التنموية الأخرى، وتشجيع مشاركة القطاع الخاص وفق نظام التصميم والبناء والتمويل والتشغيل والتحويل (BOT).
ويعزز هذا التكامل بين الزراعة والطاقة قدرة الدالإنتاولة على تنفيذ مشاريع الأمن الغذائي دون ضغوط تشغيلية، ويخفض تكاليف الإنتاج، ويُحسّن كفاءة استغلال الموارد الطبيعية، بما ينسجم مع توجهات الابتكار والاستدامة في "كويت جديدة 2035".