اقتصاد » تطوير بنى

كسلاح سيادي.. كيف تعيد دول الخليج بناء أمنها الغذائي؟

في 2026/01/21

يوسف حمود - الخليج أونلاين

لم يعد الغذاء سلعة تجارية خاضعة لمنطق السوق الحر، بل تحول تدريجياً إلى أصل سيادي لا يقل حساسية عن الطاقة أو الدفاع، في عالم يتجه نحو مزيد من الاضطراب وعدم اليقين، فمنذ 2020، كشفت جائحة كورونا، ثم الحرب في أوكرانيا، وبعدها حرب غزة، وأخيراً تصاعد التوترات في إيران وفنزويلا، هشاشة نموذج الاعتماد الكامل على سلاسل التوريد العالمية المفتوحة.

وليست دول الشمال الأوروبي وحدها من يعيد تخزين القمح والحبوب ضمن مفاهيم "الدفاع الشامل"، بل انضمت قوى كبرى في آسيا، من الهند إلى الصين، إلى سباق تخزين الغذاء، سواء عبر المخزونات العامة أو التحكم في الصادرات.

أما دول الخليج، التي تستورد نحو 85% من احتياجاتها الغذائية، فقد وجدت نفسها في قلب هذا التحول العالمي، لكنها، بخلاف دول أخرى، لم تكتفِ بخيار التخزين التقليدي، بل اتجهت إلى مقاربة أكثر تعقيداً، تجمع بين المخزونات الاستراتيجية، والاستثمار الخارجي، وبناء إنتاج محلي مدعوم بالتكنولوجيا الزراعية المتقدمة، في محاولة لإعادة تعريف الأمن الغذائي في بيئة مناخية شديدة القسوة.

من الاعتماد إلى التأهب

حتى نهاية العقد الماضي، اعتمدت دول الخليج على فرضية مركزية مفادها أن التجارة العالمية المفتوحة قادرة دائماً على توفير الغذاء، وأن الوفرة المالية تعوض غياب الإنتاج المحلي، غير أن صدمة 2020 كشفت حدود هذه الفرضية، حين تعطلت حركة الشحن، وفرضت دول مصدرة قيوداً على صادراتها الغذائية، وارتفعت الأسعار بشكل حاد.

وبحلول 2024–2025، بات واضحاً لصناع القرار الخليجيين أن "ضمان الوصول" إلى الغذاء لا يكفي وحده، وأن الأمن الغذائي يتطلب أدوات سيادية مباشرة، تشمل التخزين، والتنويع، والإنتاج المحلي، والتحكم النسبي بسلاسل الإمداد، وهذا التحول لم يُعلن بصيغة خطابية واحدة، لكنه انعكس في السياسات والميزانيات والمشاريع الكبرى التي أُطلقت تباعاً.

وتشير بيانات مؤسسة دبي المالية إلى أن دول مجلس التعاون تستورد غذاءً بقيمة تزيد عن 30 مليار دولار سنوياً، في وقت تصاعدت فيه المخاطر الجيوسياسية والمناخية، ما جعل استمرار الاعتماد الكامل على الخارج خياراً عالي المخاطر.

التخزين الاستراتيجي 

على خلاف النموذج الآسيوي القائم على تكديس ضخم للحبوب، اختارت دول الخليج نموذج التخزين "المرن"، فالسعودية وعبر الهيئة العامة للأمن الغذائي، حددت قائمة تضم 11 سلعة استراتيجية تشمل الغذاء والأعلاف، ووضعت آليات لتأمين مخزون يكفي لأشهر متعددة، مع تدوير مستمر للمخزون لتجنب التلف وتشويه الأسواق.

أما قطر وعُمان فعززتا بدورهما المخزونات الحكومية من السلع الأساسية، مع ربطها بخطط طوارئ لوجستية تضمن سرعة التوزيع في حال تعطل الواردات، فيما تركزت في الكويت والبحرين الجهود على تحسين سعات التخزين وتحديث أنظمة إدارة المخزون، بدلاً من توسيع الكميات بشكل مفرط.

كما أن التحول الأبرز في المقاربة الخليجية تمثل في الاستثمار الكثيف في التكنولوجيا الزراعية، فخلال 2025، تجاوزت الاستثمارات الخليجية في الزراعة الذكية 3.8 مليارات دولار، شملت الزراعة المائية، والمزارع الرأسية، والأكوابونيكس، والبروتينات البديلة، وفقاً لتقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي.

وفي الإمارات، برز مشروع مزارع مليحة للقمح في الشارقة كنموذج رمزي لهذا التحول، فبحلول 2025، اكتملت المرحلة الثالثة من المشروع ليصل إلى مساحة 1900 هكتار، مستهدفاً إنتاج 15,200 طن من القمح العضوي، بتركيز بروتين بلغ 19.3%، باستخدام منظومة ري تعتمد على البيانات الفضائية، ومحطة ضخ بطاقة 60,000 متر مكعب يومياً، وفق بيانات للمشروع نشرتها وسائل إعلام محلية.

أما في السعودية، فقد تحولت منطقة نيوم إلى مختبر عالمي للأمن الغذائي، مع خطط لإنتاج نحو 600,000 طن متري من الغذاء المستدام بحلول 2030، تشمل الخضراوات، والفواكه، والبروتينات البديلة، والاستزراع السمكي، مدعومة بالأتمتة والروبوتات والذكاء الاصطناعي، بحسب ما تشير صحيفة "عرب نيوز" السعودية.

البروتينات البديلة 

إلى جانب الحبوب، ركزت دول الخليج على ملف البروتين بوصفه أحد أكثر عناصر الغذاء عرضة للصدمات السعرية، فقطر استثمرت بكثافة في اللحوم المستزرعة، وبروتينات الطحالب والحشرات، بينما أظهرت دراسة نشرتها مجلة "Frontiers in Sustainable Food Systems" لعام 2025، أن 74% من المستهلكين في الإمارات باتوا أكثر تقبلاً للبروتينات النباتية.

هذا التحول لا يستهدف فقط تقليل الاعتماد على الواردات، بل أيضاً خفض استهلاك المياه والطاقة، في منطقة تُعد من بين الأفقر عالمياً في الموارد المائية.

أما في سلطنة عُمان، فقد اتخذ الأمن الغذائي بعداً اقتصادياً مباشراً، فوفق بيانات "مختبر الأمن الغذائي 2025"، بلغ عدد المشاريع الاستثمارية 407 مشروعات، بقيمة إجمالية وصلت إلى 1.7 مليار ريال عُماني (نحو 4.4 مليارات دولار) حتى أغسطس 2025، تركزت في الزراعة، والثروة السمكية، وإدارة المياه.

وهذه المشاريع رُبطت مباشرة بمستهدفات "رؤية عُمان 2040"، مع التركيز على رفع الإنتاج المحلي، وتقليل الفاقد، وتحقيق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني.

مؤشرات الأمن الغذائي

ورغم الاعتماد المرتفع على الواردات، تصدرت دول الخليج قائمة الدول العربية في مؤشر الأمن الغذائي العالمي 2025، فالإمارات جاءت في المركز الـ26 عالمياً، تلتها قطر (29)، البحرين (30)، عُمان (41)، السعودية (44)، والكويت (47).

وإدراكاً لحدود الاكتفاء الذاتي، بدأت دول الخليج بالتحرك نحو تكامل غذائي إقليمي، فخلال 2025، تصاعدت الدعوات لربط الاستثمارات الخليجية بمصر والأردن والسودان، ضمن تصور يقوم على "الإنتاج في الخارج مقابل الأمن في الداخل".

كما دعمت دول الخليج برامج مشتركة مع منظمات دولية لتعزيز الإنتاج في دول الجوار، في محاولة لتأمين عمق غذائي إقليمي يخفف الضغط عن الأسواق العالمية، فضلاً عن استثمارات في عدة دول في الجانب الغذائي.

قضية ملحة

في مقال له على موقع "العربية نت"، يؤكد الكاتب عيسى العميري أن الأمن الغذائي بات من أكثر القضايا إلحاحاً أمام دول الخليج، في ظل اعتمادها الواسع على الاستيراد لتأمين احتياجاتها الغذائية، وما يرافق ذلك من مخاطر مع تسارع الأزمات العالمية والتقلبات في سلاسل الإمداد.

ويشير العميري إلى أن تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي يتطلب توجهاً خليجياً واضحاً نحو دعم القطاع الزراعي، من خلال تخصيص ميزانيات كافية، وتحسين الإنتاجية الزراعية، والاستفادة من الخبرات والتقنيات الحديثة، بما يضمن تقليص الاعتماد على الخارج وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

ويركز الكاتب على أهمية تمكين الشباب الخليجي في المجال الزراعي، عبر التدريب والتعليم وتقديم الحوافز، معتبراً أن بناء كوادر وطنية مؤهلة يمثل ركيزة أساسية لأي استراتيجية ناجحة للأمن الغذائي، ويسهم في رفع كفاءة الإنتاج المحلي واستدامته.

كما يبرز المقال دور التعاون الإقليمي بين دول الخليج في هذا الملف، من خلال تنسيق السياسات الزراعية، وتبادل الخبرات، وتوسيع مشاريع التنمية المشتركة، وصولاً إلى مقترحات بإنشاء صندوق خليجي لدعم القطاع الزراعي وتمويل المشاريع ذات الصلة.

ويخلص العميري إلى أن دول الخليج بدأت بالفعل في تحويل ملف الأمن الغذائي إلى سياسات عملية أثمرت عن تقليص نسبي للاعتماد على الخارج، مؤكداً أن الأزمات الدولية المتكررة تثبت أن الاعتماد على القدرات الخليجية الذاتية لم يعد خياراً، بل ضرورة استراتيجية.