اقتصاد » تطوير بنى

الشحن الجوي السعودي… رهان استراتيجي لإعادة تموضع المملكة عالمياً

في 2026/02/12

طه العاني - الخليج أونلاين

تدفع السعودية بقطاع الشحن الجوي إلى قلب استراتيجيتها الاقتصادية، في مسعى لإعادة صياغة موقعها داخل سلاسل الإمداد العالمية، مستندة إلى استثمارات لوجستية متسارعة وشراكات مع كبرى الشركات الدولية.

ويعكس هذا التوجه انتقال المملكة من دور المعبر إلى مركز فاعل في حركة التجارة، حيث تصبح السرعة، والبنية التحتية، والتقنية عناصر حاسمة في معادلة التنافس.

قفزة الشحن

ويشهد قطاع الشحن الجوي السعودي تحولاً لافتاً، بعدما سجّل نمواً بنسبة 34% خلال 2025 ليصل إلى 1.2 مليون طن، ما يدعم حركة الاستيراد والتصدير ويعزز مسار التنويع الاقتصادي.

ولا ينفصل هذا الأداء عن توسّع الاستثمارات الحكومية، إذ أكد وزير النقل السعودي، صالح الجاسر، أن المملكة تعمل خلال 2026 على افتتاح مراكز لوجستية جديدة في المطارات والموانئ، إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية واستقطاب شركات عالمية كبرى في قطاع النقل والخدمات اللوجستية.

وجاءت تصريحات الوزير، في 4 فبراير 2026، على هامش افتتاح شركة (UPS) مركز عمليات جديداً في قرية الشحن بمطار الملك خالد الدولي في الرياض، في خطوة تعكس ثقة الشركات العالمية في نمو سوق الشحن الجوي السعودي.

وفيما يتعلق بالتكامل الإقليمي، أشار الجاسر إلى أن العمل جارٍ بشكل مكثف على الاستثمارات في البنية التحتية داخل السعودية، بهدف تعزيز الربط السككي مع دول الخليج ودعم تكامل أنماط النقل المختلفة.

تحليق ذكي

ويتجه تطوير الشحن الجوي في السعودية نحو دمج الحلول التقنية الحديثة، حيث أكد وزير النقل أن السماح باستخدام الدرونز في نقل البضائع "ليس بعيداً"، مع إجراء تجارب حالياً تمهيداً لاعتمادها ضمن الأطر التنظيمية.

وأوضح الجاسر أن الدرونز أصبحت جزءاً أساسياً من العمل في القطاع اللوجستي، ويتم توظيفها بأشكال متعددة تشمل فحص الطرق والمهام التشغيلية المساندة، ما يمهّد لتوسيع استخدامها مستقبلاً في نقل الشحنات.

من جهته، قال رئيس شركة (UPS) لأوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، دانيال كاريرا، إن الشركة قدّمت عبر تعاونها المستمر مع شركة إيراد في السعودية خدمات لوجستية متقدمة من خلال شبكة الخدمات الذكية العالمية.

وتدير شركة إيراد، وكيل (UPS) في السعودية، مركز العمليات الجديد الممتد على مساحة 10 آلاف متر مربع داخل قرية الشحن، والمصمم لمعالجة الإرساليات وتخليص البضائع والطرود، بطاقة تشغيلية تتجاوز 3 آلاف طرد في الساعة مع قابلية للتوسع خلال العام الجاري.

وتقول الشركة إنها استثمرت بشكل واسع في السعودية عبر توفير 150 ألف متر مربع من المستودعات، و25 مرفقاً وشبكة توصيل محلية تغطي أكثر من 200 مدينة، وجميعها مرتبطة بشبكة (UPS) العالمية التي تخدم أكثر من 200 دولة، ما يعزز كفاءة العبور وسرعة التخليص وتتبع الشحنات.

كفاءة عالية

ويؤكد المحلل الاقتصادي ومطور الأعمال، سعيد خليل العبسي، أن الطفرة الكبيرة في قطاع الشحن الجوي لم تكن وليدة عامل واحد، بل جاءت نتيجة لتضافر عدة أسباب، أبرزها:

التوسع في الاستثمارات اللوجستية.
تحسن كفاءة سلاسل الإمداد.
ارتفاع الطلب المرتبط بالتجارة الإلكترونية.
دخول مشغلين عالميين وتقنيات تشغيل متقدمة.

ويضيف لـ"الخليج أونلاين" أن البنية التحتية الحالية في المطارات قادرة على استيعاب جزء مهم من هذا النمو، خاصة مع التوسعات والمراكز اللوجستية الجديدة، مبيناً أن التحدي الحقيقي لا يكمن في السعة فقط، بل في كفاءة التشغيل وسرعة المعالجة والاعتماد المتزايد على الأتمتة والتقنيات الذكية لضمان استدامة النمو دون اختناقات.

ويشير العبسي إلى أن استخدام "الدرونز" في نقل البضائع يعد حلاً مكملاً يدعم كفاءة المنظومة اللوجستية، خاصة في الشحنات الصغيرة والمناطق البعيدة ومرحلة "الميل الأخير"، مع احتمال أن يكتسب دوراً هيكلياً جزئياً مستقبلاً مع تطور التشريعات والتقنيات.

ويوضح أن التجارب الدولية أظهرت جدوى "الدرونز" في مجالات محددة، حيث استخدمت في الولايات المتحدة والصين في التوصيل السريع، وفي رواندا وغانا لنقل الإمدادات الطبية إلى المناطق النائية بكفاءة عالية، مما ساعد على تقليل زمن النقل وتحسين الوصول وخفض التكاليف التشغيلية في بعض الحالات، دون أن تلغي دور الشحن التقليدي.

ويرى العبسي أن دمج التقنيات الحديثة والأتمتة والأنظمة الذكية أسهم في تسريع المعالجة والتسليم وتقليل الأخطاء والتكاليف التشغيلية وتحسين كفاءة التتبع والتخليص.

ويلفت إلى أن كلفة الاستثمار قد ترتفع في البداية، لكنها تنخفض لكل شحنة على المدى المتوسط والطويل مع تحسن الكفاءة التشغيلية وتعزيز تنافسية القطاع.

محرك الشحن

وبالتوازي مع توسع حركة الطيران، واصل قطاع الشحن الجوي السعودي ترسيخ موقعه كأحد محركات النمو اللوجستي، حيث بلغت كميات الشحن خلال 2025 نحو 1.18 مليون طن، في مؤشر يعكس استقرار القطاع وقدرته على مواكبة الطلب المتزايد على نقل البضائع عالية القيمة والزمن الحساس.

وتركزت الحصة الأكبر من عمليات الشحن في المطارات الثلاثة الرئيسة الرياض وجدة والدمام، ما يعكس الدور المحوري لهذه المراكز في ربط السوق السعودية بسلاسل الإمداد الإقليمية والدولية، وتعزيز كفاءة الاستيراد والتصدير عبر النقل الجوي.

وفي إطار التحول الاستراتيجي، دخلت السعودية مرحلة جديدة بإطلاق "الرياض للشحن" في 21 يناير 2026، كذراع متخصصة لنقل البضائع تحت إدارة طيران الرياض، في خطوة تهدف إلى بناء منظومة شحن جوي متكاملة تنمو بالتوازي مع توسع شبكة الطيران الوطنية.

وأعلنت الشركة أن عمليات الشحن ستُفعّل عبر مخازن الشحن أسفل الطائرة لأسطول يتجاوز 120 طائرة عريضة البدن قيد الطلب، ضمن نهج تدريجي لبناء قدرات تشغيلية قابلة للتوسع انطلاقاً من مركزها الرئيسي في العاصمة الرياض.

وأظهرت "الرياض للشحن" زخماً تشغيلياً مبكراً على خط الرياض – لندن، حيث نقلت كميات من السلع شملت المنسوجات، والزهور الطبيعية، والأسماك، والشاي، والقهوة، ما يؤكد جاهزيتها للتعامل مع الشحنات سريعة التلف والبضائع عالية القيمة.

وقال رئيس قطاع الشحن في طيران الرياض، برافين سينغ، إن إطلاق العلامة الجديدة يمثل خطوة أساسية لبناء منظومة شحن تنمو جنباً إلى جنب مع توسع الشبكة التشغيلية، وتدعم الطموحات اللوجستية الأوسع للمملكة.

وعززت الشركة بنيتها التشغيلية عبر شراكة مع (CHAMPS) لاستخدام نظام (Cargo Spot–Neo) لإدارة عمليات الشحن، إلى جانب الاستثمار في وحدات التحميل الجوية ULDs المزودة بتقنيات تتبع رقمية بالتعاون مع (Unilode)، بما يرفع كفاءة الرقابة وسلاسة التدفق اللوجستي.

وتُدار خدمات المناولة ومراكز الشحن بالتعاون مع ساتس السعودية في المطارات الرئيسة الثلاثة، ضمن مرافق حديثة تتيح إشرافاً تشغيلياً لحظياً، وتدعم موثوقية الخدمة مع نمو حجم الشحنات وتعقيد الشبكة.

ومع امتلاك طيران الرياض 182 طائرة قيد الطلب وخطط للوصول إلى أكثر من 100 وجهة بحلول 2030، يُتوقع أن تسهم عمليات الشحن الجوي بنحو 20 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، مع دعم أكثر من 200 ألف وظيفة عالمياً، ما يعكس انتقال الشحن الجوي من نشاط مساند إلى ركيزة اقتصادية قائمة بذاتها.