في 2026/04/18
كامل جميل - الخليج أونلاين
منذ أواخر فبراير الماضي، ومع تصاعد اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، دخلت المنطقة مرحلة مختلفة في التفكير الاقتصادي، لم تعد تُدار فقط بمنطق الربح والخسارة، بل وفق معيار أكثر حساسية وتعقيداً؛ متمثلاً بـ"الأمن واستمرارية تدفق الإمدادات".
هذا التحول انعكس بصورة مباشرة على قرارات الاستثمار في البنية التحتية، خاصة في قطاعات الموانئ والسكك الحديدية وسلاسل الإمداد، في وقت تسارع دول الخليج لإعادة رسم خريطة التجارة والطاقة بعيداً عن مضيق هرمز، الذي تحول في الفترة الأخيرة إلى "عنق الزجاجة" الأهم في العالم.
وعلى الرغم من إعلان طهران، الجمعة (17 أبريل 2026)، فتح مضيق هرمز لمرور السفن بكامل الحرية، فإنها عادت بعد يوم واحد فقط لتعلن إغلاقه مجدداً، ما يؤكد أن ما تم لم يكن مجرد أزمة عبور بحري مؤقتة، لذلك أصبح حدث إغلاق المضيق محفزاً لإعادة هيكلة أعمق في استراتيجيات النقل والطاقة.
فالمضيق الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية بات يُنظر إليه اليوم بوصفه نقطة هشاشة استراتيجية أكثر منه ممراً آمناً، ما دفع دول الخليج إلى تسريع مشاريع كانت مدرجة ضمن رؤى بعيدة المدى، لتتحول تدريجياً إلى ضرورات أمنية ملحّة.
خطورة هرمز
تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن أي اضطراب في هرمز ينعكس فوراً على الأسواق العالمية. واتضح أن إيران اعتمدت استراتيجية "الضغط غير المباشر" بإغلاق المضيق.
وبحسب وكالة الطاقة الدولية، فقد مر عبر هرمز في عام 2025 نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والسوائل، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي، إضافة إلى حصة وازنة من تجارة الغاز الطبيعي المسال.
وهذا يعني أن أي اختناق في هذا الممر لا يضرب الإقليم فقط، بل يمتد تأثيره إلى أسواق الطاقة وسلاسل التسعير والتمويل عالمياً.
بمعنى آخر، لم يعد هرمز مجرد ممر مهم، بل أصبح مركز ثقل جيوسياسي شديد الحساسية، وأي خلل فيه يُترجم مباشرة إلى اضطراب اقتصادي واسع.
من النفط إلى هندسة ممرات بديلة
في قلب هذا التحول، برزت السعودية لتكون أحد أبرز الفاعلين في إعادة توجيه استثماراتها اللوجستية.
فقد زاد الاعتماد على موانئ البحر الأحمر، وعلى رأسها ميناء ينبع، بصفة منافذ استراتيجية لتصدير النفط بعيداً عن الخليج.
بالتوازي، عززت المملكة تشغيل خطها النفطي الاستراتيجي شرق–غرب بكامل طاقته؛ لضمان استمرار تدفقات الطاقة في حال حدوث أي تعطيل في هرمز.
علاوة على هذا كله، كشفت مدينة نيوم شمالي البحر الأحمر، أخيراً، عن ميناء نيوم، ليكون ممراً تجارياً جديداً يربط بين أوروبا ومصر ودول مجلس التعاون، عبر منظومة نقل تجمع بين الشاحنات والعبّارات لنقل البضائع الحساسة للوقت بكفاءة أعلى.
من جانب آخر، اتجهت الرياض إلى توسيع استخدام أراضيها لتكون ممر عبور إقليمي، عبر خدمات نقل بري وبحري وجوي موجهة إلى أسواق الخليج.
الموانئ والسكك الحديدية
التغير الأبرز لم يعد محصوراً في قطاع الطاقة، بل امتد إلى إعادة تشكيل البنية التحتية اللوجستية في المنطقة.
فمع تصاعد المخاطر البحرية، تتسارع خطط دول الخليج في ثلاثة اتجاهات رئيسية:
توسيع الموانئ على البحر الأحمر والخليج العربي.
تعزيز الربط السككي بين شرق وغرب المنطقة.
تطوير شبكات نقل متعددة الوسائط (بحري – بري – جوي).
هذه المشاريع لم تعد تُبرر فقط على أساس خفض التكلفة أو رفع الكفاءة، بل باتت جزءاً من منظومة أمن اقتصادي متكاملة تهدف إلى تقليل الاعتماد على ممر واحد عالي المخاطر.
وتكشف تقديرات اقتصادية أن دول مجلس التعاون الخليجي تستورد نحو 85% من احتياجاتها الغذائية، ما يجعل أمن سلاسل الإمداد مسألة حيوية ترتبط مباشرة باستقرار الممرات البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي تمر عبره غالبية واردات الحبوب والمواد الغذائية القادمة من أمريكا وأوروبا وأستراليا ومنطقة البحر الأسود.
الأمن أولاً
يرى مراقبون أن التحول الأعمق الذي فرضته أزمة هرمز يتمثل في إعادة تعريف مفهوم جدوى النقل البحري، حيث باتت الحكومات الخليجية تنظر إلى ثلاثة اعتبارات متداخلة:
ضمان استمرارية سلاسل الإمداد.
تقليل الاعتماد على ممرات عالية المخاطر.
بناء بدائل حتى وإن كانت أعلى تكلفة.
هذا التحول يعكس ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد الأمن"، حيث لم يعد الاستقرار السياسي والعسكري عاملاً خارجياً في حسابات الاستثمار، بل جزءاً أساسياً من معادلته.
كل ذلك كان جديراً ببروز البحر الأحمر ليكون مساراً بديلاً أكثر حضوراً، مدعوماً بتوسع مشاريع الموانئ والبنية التحتية في السعودية ومصر، والربط البري والسككي بين الدول الخليجية، لا سيما من خلال المملكة، ما يشير إلى تركيز أكبر على مشاريع البنى التحتية، دفعت إليه تهديدات هرمز.
بناءً على ما سبق ذكره، يقول الخبير الاقتصادي د. نمر أبو كف في حديثه لـ"الخليج أونلاين" إن الخطوة الخليجية في اعتماد نقل لوجستي بديل لهرمز جاءت متأخرة، لافتاً إلى أن دول الخليج مقبلة على إنشاء بنى تحتية في هذا الشأن.
وأوضح قائلاً:
دول الخليج تأثرت من جانب إغلاق مضيق هرمز، وعليه سعت للبحث عن طريقين لتفادي مضيق هرمز.
الطريق الأول استغلال موانئ البحر الأحمر التي تطل عليها الموانئ السعودية.
لكن هذه الخطوة، من جانب آخر، ستزيد تكلفة النقل، حيث إن انتقال البضائع من موانئ البحر الأحمر إلى دول شرق آسيا يستغرق وقتاً أطول من نقلها عبر هرمز.
الطريق الثاني يتمثل بطرق النقل البري التي ستعتمدها دول الخليج لتبادل البضائع.
ترتبط هذه الطرق مع تركيا، ثم إلى أوروبا، باستخدام الأراضي السورية والأراضي الأردنية والعراقية.
السعودية ستكون الأبرز في تبني هذه المشاريع لكونها الأكبر بين دول مجلس التعاون، سواء في التصدير أو الاستيراد.
هناك تفكير جدي في سلسلة من السكك الحديدية التي ستغطي السعودية من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، مع توجه لربط هذه السكك بالأردن.
على الرغم من كل ذلك، فإن النقل البحري لا يمكن الاستغناء عنه، لكن هنا تبرز معادلة الأمن ومعادلة الكلف.
يتأكد لنا، إذا ما قارنا بين معادلة الأمن ومعادلة الكلف، أن معادلة الأمن تكون مقدَّمة على معادلة الكلف.
ربما تلجأ السعودية ودول الخليج أيضاً إلى الاستفادة من الموانئ العُمانية، على اعتبار أن عُمان لها موانئ مُشرفة على المحيط الهندي وبعيدة عن هرمز.