اقتصاد » تطوير بنى

الزراعة الحديثة في السعودية.. من قطاع تقليدي إلى رافعة اقتصادية

في 2026/04/20

سلمى حداد - الخليج أونلاين

لم تعد الزراعة في السعودية مجرد وسيلة لإنتاج الغذاء أو تحقيق الاكتفاء الذاتي بالطرق التقليدية في السنوات الأخيرة، بل تحول القطاع إلى ركيزة اقتصادية استراتيجية تركز على تحقيق أعلى عائد ممكن من كل قطرة ماء وكل متر مربع من الأرض، في مسار يعكس رؤية طموحة لمستقبل الاقتصاد الوطني بعيداً عن النفط.

وهذا التحول الجذري، الذي تسارع تحت مظلة رؤية السعودية 2030، جاء استجابة لتحديات بيئية واقتصادية حقيقية، مع إعادة توجيه الجهود نحو الكفاءة، والاستدامة، والقيمة المضافة، والنتيجة كانت نمواً ملحوظاً، وارتفاع مساهمة القطاع الزراعي باقتصاد المملكة بشكل كبير.

وفقاً لتقرير نشرته صحيفة "الشرق الأوسط"، في 27 أبريل 2025، استناداً إلى التقرير السنوي لرؤية 2030، ارتفعت مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 114 مليار ريال (نحو 30.4 مليار دولار) في عام 2024، مقارنة بـ109 مليارات ريال في 2023.

وأشارت بيانات وزارة البيئة والمياه والزراعة لاحقاً إلى أن المساهمة بلغت نحو 31.5 مليار دولار في بعض التقديرات للعام نفسه، وهذا النمو ليس مجرد زيادة عددية، بل يمثل انتقالاً هيكلياً من النموذج التقليدي القائم على الاستهلاك المكثف للموارد إلى نموذج حديث يركز على التقنيات المتقدمة والقيمة المضافة.

تحول تقني متسارع

في مقال نشرته صحيفة "الاقتصادية"، في 26 ديسمبر 2025، أكد الكاتب الاقتصادي علي الجحلي أن السعودية تخلّت تدريجياً عن النموذج الزراعي التقليدي الذي كان يعتمد على التوسع الكمي والاستنزاف المكثف للمياه الجوفية، وانتقلت إلى نموذج حديث يقوم على تحقيق التوازن بين الإنتاج والموارد المتاحة، مع التركيز على الكفاءة الاقتصادية والاستدامة طويلة الأجل، مدفوعاً بالابتكار التكنولوجي وتنويع المحاصيل ذات القيمة الاقتصادية العالية.

ويأتي هذا التحول، بحسب الجحلي، في سياق تحديات بيئية هيكلية، أبرزها ندرة المياه في بيئة صحراوية، وارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي التقليدي، وهو ما دفع الحكومة إلى إعادة صياغة سياساتها الزراعية، عبر تقليص زراعة المحاصيل الشرهة للمياه، وتشجيع الاستيراد المنظم والاستثمار الزراعي الخارجي، إلى جانب إعادة توجيه الدعم نحو التقنيات الحديثة، وتحفيز القطاع الخاص للدخول في الأنشطة الزراعية ذات القيمة المضافة.

وبهذا الإطار يبرز التقدم التقني كأحد أهم محركات إعادة تشكيل اقتصاديات الزراعة في المملكة، حيث أسهمت التقنيات الحديثة في رفع كفاءة الإنتاج وخفض التكاليف، ومن أبرزها أنظمة الري عالية الكفاءة، والزراعة الذكية المعتمدة على البيانات، والبيوت المحمية المتطورة، إلى جانب الزراعة المائية والرأسية.

ولم يقتصر أثر هذه الأدوات على زيادة الإنتاج فقط، بل امتد إلى تحسين إنتاجية وحدة الأرض والمياه، ورفع جودة المنتجات الزراعية، بما عزز القدرة التنافسية للقطاع على المستويين المحلي والدولي.

ويشير الجحلي إلى أن هذا التحول لم يكن تقنياً فحسب، بل شمل أيضاً إعادة توجيه البنية الإنتاجية نحو محاصيل ذات قيمة اقتصادية أعلى، تتلاءم مع البيئة المحلية وتحقق عوائد مرتفعة مقابل استهلاك محدود للموارد، ويبرز في هذا السياق التوسع في زراعة البن والزعفران كنموذجين ناجحين لهذا التوجه.

ويذكر الجحلي أن هذه التحولات أسهمت في تنامي دور القطاع الخاص في تطوير الصناعات الغذائية التحويلية، وتحسين سلاسل القيمة الزراعية، والابتكار في مجالات التخزين والنقل، إلى جانب التوسع في التصدير الزراعي، ما انعكس بدوره على رفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي وخلق فرص عمل جديدة، خصوصاً في المناطق الريفية، فضلاً عن آثاره الاجتماعية في تحسين دخل المزارعين وتعزيز استقرار المجتمعات المحلية.

وكنتيجة لهذا التحول أظهرت بيانات الهيئة العامة للإحصاء بالسعودية، المنشورة في 11 ديسمبر 2025، تقدماً ملحوظاً في مؤشرات الاكتفاء الذاتي.

وقد تجاوزت السعودية نسبة 100% من الاكتفاء الذاتي في عدة منتجات رئيسية مثل الروبيان بنسبة 149%، والألبان 131%، وبيض المائدة 103%، والتمور 121%، بالإضافة إلى خضراوات مثل الباذنجان (105%)، والخيار (101%)، والكوسا (100%).

كما سجلت بعض المنتجات تحسناً سنوياً، مثل البصل الذي ارتفع اكتفاؤه الذاتي بنسبة 41.2%، والطماطم بنسبة 9.2%.

استثمار بيئي واقتصادي

وتحدث مدير برنامج منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في السعودية نزار حداد، عن مزيد من نتائج اعتماد المملكة للزراعة الحديثة. وقال، في مقابلة مع صحيفة "الاقتصادية" نشرتها في 19 أبريل الجاري، إن المملكة نجحت باستعادة الأراضي المتدهورة ما يمثل استثماراً اقتصادياً مرتفع العائد، إذ يمكن لكل دولار يُنفق في هذا المجال أن يحقق عوائد تتراوح بين 7 و30 دولاراً.

وأشار حداد إلى أن السعودية نجحت في إعادة تأهيل مليون هكتار من الأراضي الجافة والمتدهورة ما يشكل "منجزاً استثنائياً" تحقق بمعدل 548 هكتاراً يومياً على مدى خمس سنوات، في واحدة من أقسى البيئات الصحراوية عالمياً.

وأوضح أن هذا الإنجاز لا يقتصر على البعد البيئي، بل يمتد إلى تأثيرات اقتصادية مباشرة، تشمل رفع إنتاجية المحاصيل نتيجة تحسن خصوبة التربة، وتوسيع نطاق الرعي المستدام، وتنشيط قطاع الثروة الحيوانية، إلى جانب خلق فرص عمل في مجالات إدارة المراعي والخدمات البيئية والسياحة البيئية، مع تقليص تكاليف التصحر والعواصف الغبارية، التي تمثل عبئاً اقتصادياً متزايداً في المنطقة.

ويلفت حداد إلى أن استصلاح الأراضي يمثل ركيزة أساسية لضمان استدامة الإمدادات الغذائية على المدى الطويل، خاصة في ظل توقعات بانخفاض الإنتاج الزراعي عالميًا بنسبة تصل إلى 25% بحلول 2050.

وعلى مستوى الاقتصاد الريفي، لفت حداد إلى أن برامج مثل "ريف السعودية" أسهمت في تحسين دخل المزارعين من خلال تطوير سلاسل القيمة والأنشطة المرتبطة بما بعد الحصاد، حيث تمكن بعض المنتجين من زيادة العائد بما يصل إلى 3 ريالات لكل كيلوغرام من المنتج عند المزرعة، في حين أظهرت التجارب الميدانية ارتفاع إنتاجية عدد من المحاصيل بنسبة تتراوح بين 25 و40%، وانخفاض الفاقد بعد الحصاد بنحو 20%، ما يعكس تحولًا تدريجياً نحو نموذج زراعي أكثر كفاءة وربحية.

صياغة شاملة لاقتصاد الزراعة

وفي هذا السياق قال المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر إن التحول الذي يشهده القطاع الزراعي في السعودية يتجاوز كونه نمواً في الإنتاج أو تحسناً في نسب الاكتفاء الذاتي، ليعكس إعادة صياغة شاملة لدور الزراعة داخل الاقتصاد الوطني، في إطار توجه أوسع نحو تعظيم كفاءة استخدام الموارد وتعزيز الاستدامة.

وأوضح أبو قمر، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن الزراعة، التي تُعد من أكثر القطاعات استهلاكاً للمياه عالمياً بنسبة تتراوح بين 70% و80%، بدأت في السعودية تحقق قفزات نوعية في كفاءة الاستخدام، مشيراً إلى أن اعتماد أنظمة الري الحديثة والزراعة المحمية أسهم في خفض استهلاك المياه في بعض الأنشطة بنسبة تصل إلى 30% إلى 50%، ما انعكس مباشرة على خفض التكاليف ورفع العائد الاقتصادي لكل وحدة إنتاج.

وأضاف أن التحول لم يقتصر على كفاءة الموارد، بل شمل أيضاً إعادة هيكلة سلاسل القيمة الزراعية، حيث لم تعد القيمة الاقتصادية محصورة في الإنتاج الأولي، بل امتدت إلى التصنيع الغذائي والخدمات اللوجستية والتصدير، وهو ما عزز من جاذبية القطاع أمام الاستثمارات الخاصة، في وقت تجاوزت فيه استثمارات التقنيات الزراعية في الشرق الأوسط 1.5 مليار دولار خلال السنوات الثلاث الأخيرة، مع حضور متنامٍ للسعودية في هذا المجال.

وفي ما يتعلق بالأمن الغذائي، أشار إلى أنه رغم استمرار اعتماد المملكة على الاستيراد لتغطية نحو 70% إلى 80% من احتياجاتها الغذائية، فإن هذا الاعتماد بات يُدار ضمن استراتيجية تنويع مرنة لمصادر الإمداد، ما أسهم في تحسين موقع السعودية ضمن مؤشرات الأمن الغذائي العالمية، خصوصاً في ما يتعلق بالقدرة على تحمل التكاليف واستقرار الإمدادات.

وبيّن أن الأثر الاقتصادي للتحول الزراعي يمتد إلى سوق العمل والتنمية الريفية، لافتاً إلى أن كل مليون ريال يُستثمر في سلاسل القيمة الزراعية يمكن أن يخلق ما بين 5 إلى 8 وظائف مباشرة وغير مباشرة، خصوصاً في الأنشطة المرتبطة بما بعد الحصاد، ما يعزز من دور القطاع في تحقيق التوازن التنموي بين المناطق.

كما شدد على أن الاستثمار في استعادة الأراضي المتدهورة يمثل رافعة اقتصادية وبيئية في آن واحد، إذ يسهم في رفع الإنتاجية وتقليل كلفة الظواهر البيئية مثل العواصف الغبارية، التي تفرض أعباء مالية متزايدة على الاقتصاد، إلى جانب دوره في دعم استدامة الأمن الغذائي على المدى الطويل.